جامعتا هارفارد وبيركلي تناقشان الشأن التركي مع أحوال تركية

وضعت المؤسسات البحثية، والمشرعون في واشنطن، ومحامو قضية بنك خلق التركي – التي يواجه فيها البنك المملوك للدولة تهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران – تحت المجهر هذا العام.

لكن لم يكن الوضع الحالي في تركيا محل اهتمام هذه المؤسسات الأميركية فقط، بل ظل العلماء وطلبة العلاقات الدولية والمهتمون بحرية الإعلام وحقوق الإنسان في بعض من أبرز الجامعات هناك يتابعون الوضع في البلاد أيضاً.

ومن عدة جهات، فإن ما نلاحظه هو اختبار بسيط للفهم – ليس فقط فهم الاتجاهات الحالية في تلك الجغرافيا، ولكن أيضاً موجة الاستبداد التي اجتاحت العالم. لذلك، كان لديّ الكثير لأقوله في مناقشتي مع جمهوري المهتم جداً بهذا الأمر في جامعتي هارفارد وبيركلي.

وكان مركز شورينشتاين للإعلام والسياسة والسياسة العامة في جامعة هارفارد، وثلاثة أقسام في جامعة بيركلي، حريصين على أن أطرح عليهم تحليلاتي للسياسات الداخلية التركية، والقضية الكردية، والضغوط التي تُمارس على وسائل الإعلام في البلاد، فضلاً عن التطورات الإقليمية التي تتركز حول سوريا.

سعدت بقبول الدعوة من جامعة هارفارد، التي حصلت على الزمالة فيها قبل خمس سنوات. أعددت تقريراً طويلاً في مدرسة كينيدي عن ملكية وسائل الإعلام والرقابة الذاتية في تركيا، وذلك بعد أن فُصلت بشكل همجي من وظيفتي كمحقق في شكاوى وسائل الإعلام بعد احتجاجات حديقة غيزي عام 2013. أجريت حوار المتابعة في بيركلي، حيث كان الاهتمام بالشأن التركي – وما زال – كبيراً.

تحدث الجميع في الجامعتين عن موقع أحوال تركية بوصفه مصدراً رئيساً للأخبار والتعليقات المستقلة، وتحدّثوا عن آمالهم الكبيرة لهذا الموقع وتوقعاتهم له.

وكان لتلك الاجتماعات أيضاً معنى خاص، نظراً لأنها أُجريت بالتزامن مع احتفال موقعنا الإخباري بإتمام سنتين على تأسيسه.

عندما توجهت إلى مركز شورينشتاين للإعلام والسياسة والسياسة العامة، لكي أقابل البروفيسور توماس باترسون – وهو أيضاً زميل في الجامعة – سلّمني نسخة من كتابه الجديد، وهو كتاب رائع بعنوان "كيف فقدت أميركا صوابها".

بعد ذلك بدأنا نتجاذب أطراف الحديث.

خلصنا إلى أن الشعبوية الجديدة، والاستبداد الفاشي في الوقت الحالي، وتكميم أفواه الإعلام، من الأمور التي ستظل قائمة لفترة طويلة في تركيا، وفي الكثير من الدول الأخرى دون شك.

وكان لدى باترسون الكثير من الفضول بشأن الإرث القانوني والسياسي الكارثي الذي سيتركه الرئيس رجب طيّب أردوغان، وكيفية التخلص منه. قُلت له إن أي شخص ستكون لديه إجابة سريعة وواضحة سيكون كاذباً بالتأكيد؛ فلا أحد يعرف.

تطرقت في حديثي إلى كيفية سيطرة أردوغان على وسائل الإعلام تدريجياً، وهيمنته على خطاب الرأي العام، في السنوات الخمس منذ أن نشرت تقريري في عام 2014، وكيف أنه عزز نفوذ حزبه وانتقل إلى حكم الفرد الواحد عبر سلسلة من الانقلابات المدنية خلال تلك الفترة.

تابع الجمهور حديثي باهتمام وقلق، وكان السؤال الأكثر شيوعاً يتعلق بعلاقة أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم بتنظيم الدولة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يجعل من الواضح جداً أن هذا هو ما آل إليه الوضع.

وكان البحث عن الحقيقة المعقدة في تركيا أكثر قسوة في سان فرانسيسكو. استغرقت الاجتماعات الثلاثة المتواترة في جامعة بيركلي ساعات، وكانت أفضل فرصة للحديث إلى طلبة متميزين.

استضاف الجلسة الأولى إدوارد واسرمان، عميد مدرسة بيركلي للصحافة، وهي إحدى مؤسسات تدريس الإعلام الأكثر احتراماً في البلاد. انضم إلينا طلبة خريجون للمشاركة في هذه المناقشة.

تلقيت ترحيباً بأخبار مشجعة لدى وصولي، فقد أسس الطلاب "اتحاد الصحفيين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" بعضوية صحفيين من القارات الخمس، كنوع من الرد الملائم على التطورات في المنطقة.

قاد المبادرة غوران سانيتي، الصحفي وصانع الأفلام. وكونه كردياً إيرانياً، فإنه هويته في حد ذاتها جعلته متابعاً للمنطقة. وقد أسس شبكة كردية واسعة جداً في الولايات المتحدة، بالاشتراك مع طالبة من القسم، تُدعى كلارا موكري.

في حديث لي بعنوان "قهر الصحافة" ناقشت كيف كان الاستيلاء على وسائل الإعلام أمراً مهماً في عملية اغتصاب الحكومة للسلطة، وإلى أي مدى أُزيلت معوقات الفساد خلال هذه الفترة.

وصفت الطرق التي استخدمها نظام أردوغان لهندسة وسائل الإعلام، وكيف تم إسكات الصحفيين وقادة الرأي أو الزجّ بهم في السجون عبر ضغوط على القضاء، وكيف استولت الحكومة على وسائل الإعلام، واحدة تلو الأخرى، فضلاً عن أوجه التشابه بين مديرية الاتصال في الحكومة التركية، ووزارة الرايخ للدعاية وتنوير الرأي العام في ألمانيا النازية، وما إذا كان لوسائل الإعلام البديل مستقبل.

بعد ذلك انهمر سيل من الأسئلة: لماذا لم يدعم المجتمع المدني استقلال الإعلام؟ هل هناك أي نوع من التضامن القوي بشأن حرية الإعلام. هل الأجيال الشابة واعية لعمليات التضليل، وكيف يصلون إلى مؤسسات تدقيق الحقائق؟ وماذا يمكننا أن نفعل هنا دعماً للصحفيين المسجونين، والسياسيين المعارضين، وممثلي المجتمع المدني؟

بعد ذلك بساعة، عُقد الاجتماع التالي. هذه المرة كانت محاضرة لجيسون فيفريت، المُحاضر المعني بالدراسات التركية.

وجدت نفسي أتحدث باللغة التركية مع مجموعة من الطلاب، كان جميعهم يدرسون اللغة التركية إلى جانب مجالات خبراتهم الأخرى. كان بعضهم من القوقاز، والبعض من وسط آسيا، لكن البقية كانوا إما مواطنين أميركيين من أصول تركية، أو بعضاً ممن جاؤوا إلى الولايات المتحدة من تركيا في وقت ما من حياتهم.

ناقشنا كل ما جاء في أذهاننا، بداية من جيل المعارضين الذي شارك في احتجاجات حديقة غيزي عام 2013، ووصولاً إلى المسلسلات التركية والسياسة.

كان الاجتماع الأخير، الذي استمر ساعتين ونصف الساعة، مع مجموعة كبيرة من مختلف الأعمار، من مركز دراسات الشرق الأوسط في الجامعة.

تحدثت عن كيفية تحقيق أردوغان لهذا التحول من النقيض إلى النقيض، ولماذا نقل تركيا من سياسة الإصلاح في أوائل الألفية، إلى الحرب في السنوات العشر الأخيرة، وكيف أيضاً ترك جميع المشاكل المزمنة في البلاد دون حل، بداية من المطالبات بحقوق الأكراد، ووصولاً إلى العلاقة بين الدين والسياسة، والفصل بين السلطات، وسيادة القانون.

وكما كان متوقعاً من جمهور يتابع الشأن التركي والتطورات في المنطقة عن كثب من على بعد آلاف الكيلومترات، خلال فترة تُثير فيها طبيعة العلاقات بين أردوغان وترامب اهتماماً كبيراً، فقد كان الجمهور منتبهاً وطرح أسئلة بعد ذلك.

كانوا مهتمين بشكل خاص بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في عام 2016، وخلفية علاقات أردوغان بحليفه السابق – وغريم اليوم – فتح الله غولن، زعيم الجماعة الدينة التي يتهمها الرئيس التركي بالتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة.

طرحوا أيضاً أسئلة عن خطط الحكومة لإعادة تصميم تركيا، وحول ما إذا كان للبلاد مستقبل في حلف شمال الأطلسي، وما خطة أردوغان للأجزاء المحتلة من شمالي سوريا، وكيف تتقدم العلاقات التركية مع روسيا.

صرت مرهقاً بحلول وقت الحديث الأخير، لكن ما جدد نشاطي هو أنني رأيت أن بعض الطلاب الأتراك جاؤوا إلى بيركلي من ستانفورد وجامعات أخرى قريبة. أعقب ذلك الحديث مناقشة مع الطلاب، الذين سئموا من الأوضاع السيئة في الوسط الأكاديمي في تركيا وجاؤوا بدلاً من ذلك إلى مكان يمكنهم فيه أن يتلقوا تعليماً جيداً، وتكون أمامهم فرصة لمستقبل مزدهر.

كان أكثر شيء مؤلم هو ما رأيته من خيبة أمل وانعدام الأمل في تركيا بين الغالبية العظمى من الطلبة.

فلا أحد يفكر في العودة، ولا أحد يتوقع أن تنتهي هذه الفترة العصيبة قريباً. ينظر هؤلاء إلى المعارضة غير الفاعلة في تركيا على أنها معارضة بلا معنى.

وبشكل أكثر عموماً، كان هناك شعور بالغضب بين الأجيال الأصغر سناً، من الأجيال الأكبر، لأنهم تركوا لهم إرثاً من المشاكل في عالم يعاني من الكثير من الآفات.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/harvard-and-berkeley-discuss-turkey-ahval
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.