جدل حاد في ألمانيا حول طلب واشنطن إرسال قواتها البرية لسوريا

برلين - منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، يُعتبر نشر جنود ألمان على الأرض مسألة بالغة الحساسية في ألمانيا ذات الثقافة السلمية جدا بسبب ماضيها النازي.
ولم تسمح برلين بإرسال جنود إلى مناطق نزاعات في الخارج إلا اعتبارا من عام 1994.
وكما كان متوقعاً فإنّ طلب واشنطن إرسال قوات برية ألمانيا للشمال السوري، أثار جدلا حادا داخل التحالف الحكومي الهش الذي تقود المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
ولهذه المهمة هدف مزدوج هو عدم التخلي عن الأكراد الذين خاضوا المعارك على الأرض ضد تنظيم الدولة الإسلامية بدعم من التحالف لكنهم مهددون من تركيا، ومواصلة جهود مكافحة الإرهاب لمنع عودة التنظيم الاسلامي.
وتعول واشنطن على أوروبا للقيام بذلك، أي بريطانيا وفرنسا والآن ألمانيا.

من جهتها استعجلت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية نتائج النقاش الداخلي الألماني، بزعمها أن الحكومة الألمانية رفضت طلب الولايات المتحدة بأن ترسل برلين قوات برية إلى سوريا.

وبعيداً عن الاستياء التركي المتوقع من استمرار بقاء قوات دولية في سوريا، حيث تتحين أنقرة الفرصة لاجتياح مناطق شرق الفرات للقضاء على القوات الكردية بحجة مكافحة الإرهاب، فوجئت الطبقة السياسية الألمانية بالطلب الأميركي، فيما سارع الاشتراكيون إلى رفض الطلب،  أما المحافظون فقد بدوا منفتحين عليه.
تورستن شيفرـ غومبل، عضو الهيئة الرئاسية الثلاثية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك الثاني في الائتلاف الحاكم في برلين، رفض ما طلبه الممثل الأميركي الخاص لسوريا جيمس جيفري من ألمانيا بشأن إرسال قوات برية إلى شمال البلاد.
وقال شيفرـ غومبل في تغريدة له على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي: "تفويض من هذا النوع سيرفضه الحزب الاشتراكي الديمقراطي. لن نوافق على إرسال قوات برية ألمانية إلى سوريا. ولا أرى أن الشريك في الائتلاف الحكومي يريد ذلك"، وذلك في إشارة الاتحاد المسيحي الذي تنتمي إليه المستشارة ميركل.
بدوره دعا المستشار الألماني السابق، الاشتراكي الديمقراطي، غيرهارد شرودر إلى عدم السماح للرئيس الأميركي دونالد ترامب بمعاملة ألمانيا كدولة "تابعة"، حسب تعبيره. وأضاف في تصريحات لصحيفة هاندلسبلات قائلا: "لسنا جمهورية موز هنا!".

وقال خبير شؤون الدفاع في الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، فريتس فليجنتروي، في تصريحات لصحيفة "راينيشه بوست" الألمانية الصادرة اليوم الاثنين إنه بين المساعدات التنموية ومهمة القوات البرية نطاقا من المهام المجدية، التي يمكن لألمانيا أن تقدم إسهاما فيها في إطار إمكانياتها المتوافقة مع الدستور.
وذكر فليجنتروي أنه من المصلحة الألمانية الاستمرار في دعم مكافحة داعش، "لكن ما لا نستطيع بالتأكيد القيام به لأسباب قانونية هو إرسال جنود إلى سورية".

وفي المقابل قالت زعيمة الحزب المسيحي الديمقراطي أنغريت كرامب ـ كارنباور، حزب المستشارة ميركل، إنها منفتحة مبدئيا على إجراء نقاش حول الموضوع. وأضافت في مقابلة مع القناة الألمانية الثانية "ZDF" أنه إذا استدعت الضرورة سيكون علينا إجراء نقاش حول إضافة بعض الأمور للأداء الألماني في إطار التفويض القائم في التحالف الدولي ضد الإرهاب.
وفيما يخص نشر قوات برية ألمانية في سوريا، قالت كرامب كارينباور: "إنها قفزة كبيرة بالنسبة إلينا". لكن يجب على الناس أن يدركوا في ألمانيا أن "الأمر هنا يتعلق بجزء كبير من الأمن الذاتي في ألمانيا وليس فقط ما ترغب فيه الولايات المتحدة".
أما خبيرة شؤون الدفاع من حزب الخضر، أغنيسكا بروغير فقد حثت الحكومة الألمانية على "توجيه رفض واضح" لتوسيع التفويض القائم، مؤكدة أن التدخل الألماني إلى حد الآن "مخالف للقانون ولا يتوافق مع المعطيات الدستورية لتدخلات الجيش الألماني في الخارج".
من جانبها أفادت وزارة الخارجية الألمانية أن برلين في "حوار بناء" مع شركائها حول العمل المستقبلي للتحالف المناهض لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وإلى حد الآن تدعم ألمانيا التحالف في سوريا والعراق لاسيما بطائرات الاستطلاع "تورنادو" انطلاقا من الأردن. وهذا التفويض الممنوح من البرلمان الألماني يبقى ساري المفعول حتى الـ 31 أكتوبر المقبل.
وكان الممثل الأميركي الخاص لسوريا جيمس جيفري قد قال لصحيفة "دي فيلت" الألمانية "نريد من ألمانيا قوات برية لتحل محل جزء من جنودنا" المنتشرين في إطار مهمة دولية لمكافحة الإرهاب في هذه المنطقة. وكان جيفري زار برلين لإجراء محادثات بهذا الشأن.
وقال جيفري إنه ينتظر ردا بحلول نهاية يوليو الجاري، رافعا بذلك الضغوط على برلين التي تواجه انتقادات أميركية تأخذ عليها مستوى إنفاقها الدفاعي المتدني. وأضاف أن واشنطن تبحث "هنا (في ألمانيا) ولدى الشركاء الآخرين في التحالف" الدولي ضد تنظيم "داعش" الذي يشمل ثمانين بلدا، عن "متطوعين مستعدين للمشاركة".
وتعول واشنطن على أوروبا لمنع عودة تنظيم "داعش" الإرهابي، أي بريطانيا وفرنسا والآن ألمانيا التي تقتصر مشاركتها في التحالف الدولي على طائرات استطلاع "تورنادو" وطائرة للتزويد بالوقود في الجو ومدربين في العراق.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهاية 2018 سحب الجزء الأكبر من القوات الأميركية المنتشرة في شمال شرق سوريا وعديدها حوالى ألفي عسكري، مؤكدا الانتصار بشكل كامل على تنظيم الدولة الإسلامية.
لكنه عدل موقفه بعد ذلك ووافق على إبطاء الانسحاب على ان يبقى في المنطقة الخارجة عن سيطرة النظام السوري بضع مئات الجنود الذين يطالب لهم بدعم من قوات حليفة.