جفاء الاتحاد الأوروبي مع غرب البلقان يعزز النفوذ التركي

يتوجه رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف إلى عاصمة أجنبية، فترحب به وسائل الإعلام المحلية، حيث يوقع البلد المضيف اتفاقية للتجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي الذي تقوده روسيا.

بالتزامن مع ذلك، يُجري الجيش الروسي تدريبات عسكرية مشتركة مع القوات المسلحة لذلك البلد. تُشحَن الصواريخ أرض-جو طراز إس-400 في طائرات النقل الروسية. يتفقد الرئيس الراجمات ووحدة الرادار، وتبدو عليه ملامح السعادة وهو يقول لمتابعيه عبر شاشه التلفزيون إنه يتمنى أن تسمح روسيا لبلاده بالاحتفاظ بنظام إس-400. في الآونة الأخيرة، تحدث الرجل بشكل سيء عن الاتحاد الأوروبي بسبب تلكؤه في قبول البلد المذكور كعضو يحظى بالعضوية الكاملة. ما قيمة اللعب بقواعد أوروبا والمساومة على مصالحنا القومية، إذا كانوا لا يريدوننا على أي حال؟

سيكون لك العذر، إذا اعتقدت أن البلد المذكور آنفا دون اسم هو تركيا. لكن هذا ليس صحيحاً – إنها صربيا – والقائد القوي ليس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وإنما صديقه الجديد، الرئيس ألكسندر فوتشيتش. من الغريب حقاً أن توضع تركيا وصربيا في سلة واحدة، وهما تختلفان في جوانب كثيرة، بداية من الحجم ووصولاً إلى الموقع الجغرافي والتاريخ والنسيج الاجتماعي. مع ذلك، فإن هناك بعضاً من أوجه التشابه الواضحة بين البلدين.

لن تكون مبالغة إذا قلنا إن صربيا وتركيا هما أفضل صديقين لروسيا في أوروبا خارج الاتحاد السوفيتي السابق. وعلى الرغم من أن أحد البلدين عضو في حلف شمال الأطلسي، والآخر ملتزم الحياد بشكل رسمي، فإن كلاً منهما عزز العلاقات الدفاعية مع موسكو. وترغب صربيا – التي سبق أن وهبتها روسيا وحليفتها بيلاروسيا بالفعل طائرات مقاتلة من طراز ميغ-29 – في شراء أسلحة أكثر تطوراً، مثل أس-400. لكن على عكس تركيا، فإنها لا تملك الأموال اللازمة لذلك. واستثمر البلدان بقوة في خطوط ربط الطاقة مع الروس أيضاً.

شهد هذا الشهر بدء العمل في بناء امتداد (ترك ستريم) في جنوب شرقي أوروبا. تم تصميم "البلقان ستريم" لربط تركيا بصربيا عبر بلغاريا، قبل أن يصل إلى المجر ووسط أوروبا. بمعنى آخر، فإن بلغراد وأنقرة تساعدان في ولادة مسار جنوبي جديد لنقل الغاز الطبيعي الروسي إلى الاتحاد الأوروبي. وبطبيعة الحال، فإن قرار صربيا بمنح شركة غازبروم حصة نسبتها 50 في المئة في خط الأنابيب يتناقض مع سياسة تركيا.

تشابه آخر يستحق تسليط الضوء عليه، هو السلوك المتناقض تجاه الاتحاد الأوروبي. ففي المجلس الأوروبي الأخير في بروكسل (8-17 أكتوبر) بذل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قصارى جهده لوقف توسيع عضوية الاتحاد، بحجة أنه يجب وقف أي توسع قبل أن يرتب الاتحاد البيت من الداخل. واستخدم ماكرون بشكل منفرد حق النقض ضد بدء محادثات العضوية مع مقدونيا الشمالية وألبانيا.

ويذكر الكثيرون أن سلفه في الإليزيه، نيكولا ساركوزي، وضع في عام 2007 نهاية فعلية لمساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد؛ فبعد عدة أشهر من رئاسته، "جمّد" عدداً من الفصول في المحادثات مع أنقرة، بحجة أن ملفات مثل الاتحاد الاقتصادي والنقدي والزراعة تحكُم مسبقاً على نتائج المفاوضات.

وبالمثل، فهناك الآن اقتراحات لضم غرب البلقان إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية، إلى جانب النرويج وأيسلندا وليشتنشتاين. وعلى الرغم من أن العضوية ما زالات مطروحة من الناحية الرسمية، فقد تم تأجيلها إلى أجل غير مسمى. لذا فإن صربيا وجيرانها يواجهون مخاطر الاستبعاد إلى الدائرة الخارجية من أوروبا. ولا يختلف هذا كثيراً عن تركيا، التي تتاجر بشكل كثيف مع الاتحاد الأوروبي وتستفيد من الاستثمار، لكنها لن تنضم إلى الاتحاد في أي وقت قريب لأسباب معروفة جيداً.

تؤدي الضبابية إلى إضعاف قدرة الاتحاد الأوروبي على فرض شروطه، وتخلق نزعات استبدادية في منطقة البلقان. والمثال الذي نشير إليه هنا هو صربيا، حيث تحولت الدولة تدريجياً إلى دولة الرجل الواحد، وهو فوتشيتش؛ فالمعارضة عاجزة ومتشرذمة، وجهاز الأمن وموارد الدولة موجودة في خدمة الرجل القوي وأصدقائه بدلاً من أن تخدم المصلحة العامة، ومعظم وسائل الإعلام مملوكة للحكومة. وقد يدفع البعض بأن النموذج التركي قد ترسخ في البلقان، حتى وإن كانت عودة السياسات الاستبدادية هي تجسيد للقوى والظروف المحلية، لا لوجود سياسة تركية لنشر نظام حكمها في محيطها الإمبريالي السابق كما يظن البعض.

إن تعليق التوسيع يمثل فرصة ذهبية لأردوغان. هذا في الوقت الذي يفقد فيه الاتحاد الأوروبي نفوذه، بما يجعل أمام تركيا وروسيا، وحتى الصين البعيدة، مجالاً أكبر لتأكيد مصالحهم الاقتصادية والدبلوماسية بينما يتراجع الاتحاد. وكلما صد الاتحاد الأوروبي كأس العضوية المقدس، كلما زاد ميل البلقان لمغازلة لاعبين آخرين. وإذا استمر ماكرون في سعيه لسحب البساط وإبقاء البلقان بعيداً، فقد نرى أردوغان بشكل متكرر في بلغراد وسراييفو وسكوبيه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/western-balkans-turkey/eus-cold-shoulder-western-balkans-boosts-turkish-influence
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.