كبح الاستبداد الزاحف في تركيا

كان انتصار مرشح المعارضة العلمانية في تركيا، أكرم إمام أوغلو، في إعادة انتخابات بلدية إسطنبول التي أجريت في يونيو توبيخاً للميول الاستبدادية للرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي الحاكم. وعلى الرغم من أن الانتخابات تسلط الضوء على الطبيعة التنافسية للسياسة في تركيا، إلا أن ديمقراطية البلاد لم تعد بشكل حاسم إلى المسار الصحيح. يشكل السلوك الاستبدادي المستمر لحكومة أردوغان تحديات لكل من المجتمع التركي والمصالح الغربية.

يمكن أن يحجب المظهر الخادع للمؤسسات الديمقراطية الاستبداد الزاحف. فيما يسميه عالما السياسة ستيفن ليفيتسكي ولوكان واي بدول "الاستبدادية التنافسية"، تتنافس أحزاب المعارضة وتفوز أحياناً في الانتخابات، لكن أي رئيس موجود في السلطة مثل أردوغان يتمتع بسلطة الدولة لاحتجاز المعارضين ومضايقتهم والسيطرة على وسائل الإعلام والاشتراك في الآليات الانتخابية.

يمكن للمستبدين أن يسقطوا عندما تتدخل الديمقراطيات الغربية في الدول الاستبدادية. لكن إدخال الديمقراطية بعد فشل النظام أمر غير شائع. في كثير من الأحيان، تنشأ أنظمة استبدادية جديدة في أعقاب ذلك، أو عندما تكون السلطة التنظيمية لمؤسسات الدولة ضعيفة، فإن الانهيار الكامل للدولة أمر ممكن بالكامل. ومع ذلك، قد تكون تركيا حالة يكون فيها الضغط الغربي مثمراً وضرورياً لإعادة إرساء الديمقراطية.

تتمثل نظرية ليفيتسكي وواي بشأن التغيير في السياقات الاستبدادية التنافسية في أنه من المرجح أن تتحول الأنظمة الاستبدادية إلى ديمقراطية إذا كانت أولاً: لديها على المستوى الدولي صلات واسعة وعميقة بالديمقراطيات الغربية وثانياً: إذا كانت المؤسسات المحلية تتمتع بسلطة تنظيمية عالية. تطورت الروابط الغربية والسلطة التنظيمية العالية في تركيا بسبب الموروثات الإمبراطورية وعملية تشكيل الدولة.

بقيادة مصطفى كمال في قلب الإمبراطورية العثمانية المنهارة، قاومت تركيا استعمار القوى الأوروبية. قدمت البيروقراطية المركزية للإمبراطورية القديمة الأسس المؤسسية للسلطة التنظيمية العالية للدولة الحديثة. ورثت الدولة التركية الجديدة الديون العثمانية والعلاقات الدبلوماسية والشراكات التجارية التي ربطتها بأوروبا الغربية. عمل كمال، الذي حمل فيما بعد اسم أتاتورك، على تعزيز تبني تركيا للأفكار الغربية باستخدام تفويضه القومي لعلمنة الأمة.

وعلى الرغم من التاريخ الذي تتخلله الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية، فإن الروابط الغربية والظروف الهيكلية المحلية قد حفزت لفترة طويلة تركيا على إجراء انتخابات حرة ونزيهة ووجود وسائل إعلام مستقلة وطبقة وسطى قوية ومجتمع مدني نشط واقتصاد متنوع ومتكامل مع الاقتصاد العالمي. لكن الانقلاب الفاشل الذي حدث في يوليو 2016 أعطى فرصة لأردوغان لتغيير هذه الأسس الديمقراطية بشكل جذري.

يتهم أردوغان وحزبه العدالة والتنمية الداعية المؤثر فتح الله غولن بتدبير محاولة الإطاحة بالحكومة المنتخبة. من المحتمل أن الصراع داخل الدولة بين حزب العدالة والتنمية المنتخب الذي يتزعمه أردوغان وحركة الخدمة التي يتزعمها غولن في أجهزة الدولة لعب دوراً مؤثراً في نية مدبري الانقلاب للاستيلاء على السلطة.

وقد حشد أردوغان الجماهير فعلياً ضد محاولة الانقلاب، مما قوض قدرة الضباط الموالين لغولن على المطالبة بتفويض وطني لإنهاء سياسات أردوغان غير الليبرالية. وفي أعقاب إعلان حالة الطوارئ، قام أردوغان بتطهير أجهزة الدولة من المعارضة واعتقل أو فصل ما يربو على 140 ألف موظف حكومي. الأدلة واضحة على وجود مخطط منظم للإطاحة بأردوغان، لكن لا يوجد دليل يذكر يرتبط بغالبية الآلاف الذين حُوكموا فيما يتعلق بمحاولة الانقلاب. تم انتقاد المدى الهائل للحملة لاستهدافها أنصار غولن وغيرهم بسبب سياساتهم لا بسبب ارتكاب جرائم حقيقية.

منح فشل الانقلاب أردوغان فرصة لتغيير هيكل السلطة في تركيا بشكل جذري. ومن أجل تعزيز السيطرة، قام بتمرير استفتاء على الدستور عام 2017 ليحول النظام البرلماني التركي إلى نظام رئاسي يركز السلطة بكثافة في يديه.

تتضح القدرة الاستبدادية المتأصلة في سلطة أردوغان الرئاسية القوية في طعن النظام على الانتصارات الانتخابية التي حققها حزب الشعب الجمهوري المعارض هذا العام. ففي أبريل، استخدم أردوغان المجلس الأعلى للانتخابات لإلغاء الانتصار الأولي لإمام أوغلو في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول على الرغم من تصديق مسؤولي الانتخابات على النتائج.

تعج أجهزة الدولة في تركيا الآن بحلفاء أردوغان من حزب العدالة والتنمية، لكن تلك الأجهزة لا تزال شديدة التنظيم وتمثل مكوناً أساسياً لترسيخ الديمقراطية. يمكن أن تتغير روابط تركيا الدولية بمرور الوقت، ولكن على عكس إيران وفنزويلا، لا تزال البيئة الحالية تفضل إشراك الديمقراطيات الغربية في تعزيز الديمقراطية التركية. هذا لا يعني أن الدول المعنية يمكن أن تكون راضية أو غير حاسمة في سياساتها الخارجية إزاء تركيا.

وعلى الرغم من خطاب أردوغان، ما زالت الطبقة المتوسطة القوية في تركيا والاقتصاد المتنوع يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالديمقراطيات الغربية. ومن أجل الاستفادة من هذه الظروف المواتية، يتعين على الولايات المتحدة والدول الأوروبية الدخول في حملة دبلوماسية منسقة تجعل العلاقات المفيدة مع الغرب مشروطة بعودة الديمقراطية الحرة والنزيهة.

يتعين على الدبلوماسيين أن يعملوا على تذكير تركيا بشكل روتيني بالعقوبات المدمرة وبتأثير الدور المتقلص في حلف شمال الأطلسي (الناتو) على الاقتصاد التركي الضعيف بالفعل. في الوقت نفسه، يجب عليهم نقل حوافز واضحة لتركيا لتظل مرتبطة بشكل وثيق مع الغرب. ينبغي أن يسلطوا الضوء على الفرص التجارية الهائلة التي تنتظر الشركات التركية من خلال الوصول إلى الاقتصادات الغربية والمشاركة في برامج حلف الناتو. والأهم من ذلك، يجب على أوروبا أن تبقي احتمال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قائماً بشكل ملموس في المناقشات.

يجب نقل عواقب استمرار السلوك الاستبدادي والفوائد المرتبطة بترسيخ الديمقراطية في كثير من الأحيان، ليس فقط إلى إدارة أردوغان، ولكن أيضاً لقادة الأعمال الكبار والجمهور الأوسع الذي لا يزال بإمكانه التأثير على الرئيس من خلال الانتخابات والرأي العام.

دون أن تدعم الدول الديمقراطية جهوداً دبلوماسية متماسكة ونشطة، قد لا تتمكن حتى حركة محلية لها الأغلبية من مراجعة استراتيجية أردوغان الاستبدادية. يعترف أردوغان بفعالية العقبات المحلية والدولية التي تحول دون حكمه وهو يعمل بدأب على تآكل أسس الديمقراطية التركية.

يمثل تسليم مكونات الصواريخ الروسية إس-400 إلى تركيا أكثر من مجرد تهديد لبرنامج الطائرات المقاتلة الأميركية إف-35. يسلط الأمر الضوء على إمكانية قيام أردوغان بتوسيع الروابط الصناعية العسكرية خارج حلف الناتو، مما يمثل تحديات كبرى للحلف ويمنح أردوغان مرونة للمناورة بين الخصوم الأقوياء في السياسة الدولية. إذا سُمح لأردوغان بالاستمرار دون تداعيات دولية، فيمكنه، على المدى الطويل، إعادة ضبط الظروف الهيكلية وتعزيز الاستبداد على حساب سكان تركيا والمصالح الغربية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/authoritarianism/curbing-creeping-authoritarianism-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.