خبراء الطيران المدني قلقون من مطار إسطنبول الجديد

دخل المطار الثالث في مدينة إسطنبول التركية حيز التشغيل الكامل في شهر أبريل، غير أن المناقشات مستمرة بشأن جودة بناء المطار وموقعه وتصميمه وجوانبه التقنية، بينما لا يزال البعض يتساءل عن مدى الحاجة لبناء هذا المشروع العملاق من الأساس.

روى حمدي طوبتشو رئيس مجلس الإدارة السابق لشركة الخطوط الجوية التركية، في كتاب نُشر في أبريل، قصة الناقلة الوطنية التركية وهي تحت إدارته، وكشف عن آرائه بشأن مطار إسطنبول الجديد، أحد المشروعات الضخمة الكثيرة التي افتتحها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد مراسم تدشين مهيبة في شهر أكتوبر.

ووفقا لما ذكره طوبتشو، كان من الممكن أن يستوعب مطار أتاتورك، المغلق حاليا، حركة النقل الجوي المتزايدة في إسطنبول بإجراء بعض التعديلات الطفيفة الأكثر فعالية من حيث التكلفة، لكن وزير النقل ورئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم اعترض على تلك الخطة ودعم بناء المطار الجديد البالغة قيمته 11 مليار دولار.

وقال طوبتشو: "لا أملك أي بيانات عن مساهمة المطار الجديد في الاقتصاد أو الأعباء المالية التي فرضها. كانت لدي بعض التحفظات بخصوص موقعه، لكن الزمن كفيل بالإجابة عن تلك الأسئلة".

وذكر المدير السابق لشركة الطيران التركية أن بلاده ستناقش في المستقبل العبء المالي الذي فرضه المطار الجديد، مضيفا أنه لا يعتقد أن الشركات التركية الخمس التي تربطها علاقات وثيقة بالحكومة التركية وفازت بعقد بناء وتشغيل المطار ستكون معرضة للخطر.

وقال طوبتشو: "الخطر الرئيسي سيتمثل في تداعياته على الاقتصاد. من ناحية أخرى، أرى أن الخطر يكمن في احتمال أن يصبح هذا ‘مركزا ذا خدمات باهظة الثمن‘. وذلك قد يقلل من فرص تحقيق هدف تحويله إلى ‘مركز عملاق‘".

كما انتقد طوبتشو في كتابه تصميم المطار، كونه يعطي الأولوية للمساحات التجارية بدلا من راحة الركاب.

فيقول: "تصميم المطار يوجه الركاب بطريقة أو بأخرى إلى المتاجر كما لو كان مركزا للتسوق، بدلا من أن يوجههم إلى طائراتهم بأسرع طريقة ممكنة". وتابع: "قد يقلل هذا أيضا من الجودة العالمية للمطار وتنافسيته".

ركاب يمرون على المتاجر الراقية في مطار إسطنبول الجديد.
ركاب يمرون على المتاجر الراقية في مطار إسطنبول الجديد.

ويقول طوبتشو: "ثمة جانب آخر (ينبغي النظر فيه) يتمثل في العبء المالي الخطير الذي يفرضه على الخطوط الجوية التركية وشركات الطيران الخاصة الأخرى"، مضيفا أن شركات الطيران اضطرت لاستثمار مبلغ ضخم في تأسيس المرافق التشغيلية والخدمات الفنية وحظائر الطائرات وتوفير أماكن إقامة لموظفيها.

وأشار طوبتشو إلى أنه لا توجد أيضا بيانات عن الجودة التشغيلية المطار، مثل مدة سير الطائرات على المدرج قبل الإقلاع وبعد الهبوط، والبنية اللوجستية لمباني الركاب، والوقت المستغرق في نقل الركاب إلى الطائرات. ويقول: "إذا لم تكن تلك الفترات أفضل منها في مطار أتاتورك، فإنها قد تعني نفقات باهظة بالنسبة لمركز عمليات. وربما يؤدي ذلك إلى تراجع ملحوظ في القوة التنافسية لشركات الطيران، لاسيما الخطوط الجوية التركية".

ويبدو أن التقارير الإخبارية الواردة في الآونة الأخيرة عن المطار الجديد تؤكد مخاوف طوبتشو. فقالت وكالة بلومبرغ للأنباء الشهر الماضي إن شركة الطيران الاقتصادي التركية بيغاسوس، التي تعمل من مطار صبيحة كوكجن الواقع في الجزء الآسيوي من إسطنبول، هي أكبر المستفيدين من افتتاح المطار الجديد.

وتقول بلومبرغ إن بيغاسوس تفوقت على الخطوط الجوية التركية بأكثر من 95 نقطة مئوية هذا العام مع إقبال المسافرين الراغبين في تجنب أي متاعب على استخدام مطار صبيحة كوكجن.

وفي الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، زادت حركة المسافرين في مطار صبيحة كوكجن بنسبة اثنين في المئة مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي، بينما ارتفع عدد المسافرين الدوليين عبر المطار بنسبة 19 في المئة، وفقا لما أوردته بلومبرغ بناء على بيانات من سلطة المطار التركي. في الوقت نفسه، انخفضت حركة المسافرين في مطار أتاتورك المغلق حاليا ومطار إسطنبول بنسبة أربعة في المئة خلال الفترة نفسها، مع ارتفاع عدد المسافرين الدوليين بنسبة 0.3 بالمئة فقط.

من جانبها، قالت صحيفة جمهورييت اليومية هذا الشهر إن نقل مقر شركة الخطوط الجوية التركية إلى مطار إسطنبول الجديد العملاق زاد التكاليف الإيجارية على الشركة بنحو 500 في المئة خلال الربع الأول من العام 2019، لتصل إلى 25 مليون دولار من 4.2 مليون دولار قبل عام.

وعلى الرغم من ذلك، ربما كان طوبتشو متفائلا بعض الشيء بشأن العبء المالي الواقع على مقاولي المطار المتجمعين تحت مظلة شركة إسطنبول غراند إيربورت (آي.جي.إيه)، التي تولت بناء وتشغيل مطار إسطنبول الجديد. وكانت كولين للإنشاءات، أحد الشركاء في المطار، قد باعت حصتها البالغة 20 في المئة في وقت سابق هذا العام. وبعد اقتراض 5.7 مليار يورو (6.4 مليار دولار)، صارت إسطنبول غراند إيربورت مثقلة بأكبر أعباء ديون الشركات في تركيا، إذ يبلغ إجمالي المدفوعات الإيجارية لمدة العقد البالغة 25 عاما 1.1 مليار يورو سنويا.

وقد خفضت السلطات التركية رسوم تشغيل مطار إسطنبول وأرجأت الموعد النهائي لها في الشهر الماضي، بعد ورود تقارير تفيد بأن إسطنبول غراند إيربورت تتطلع لبيع حصة. وجرى تفويض بنك الاستثمار الأميركي لازارد بإيجاد مشترين للأسهم، بحسب ما ذكرته بلومبرغ في أواخر شهر مايو.

وقالت مصادر في قطاع الطيران المدني التركي لموقع "أحوال تركية" إن شركات الطيران الأجنبية بدأت تسيير رحلات إلى المطار في مايو، بينما لم توقع بعض هيئات الطيران المدني المهمة مثل هيئة الطيران المدني البريطانية عقودا مع إدارة المطار الجديد. وأرسل مسؤولو الهيئة البريطانية وفدا في فبراير لتفقد منشآت المطار الجديد مثل مكاتب تسجيل المسافرين ونقاط فحص جوازات السفر وصالات الركاب وساحات المطار ومدارج الطيران.

وقال مسؤول في نقابة العاملين بهيئة الطيران المدني في تركيا إن هيئات الطيران المدني الأجنبية عادة ما تنتظر عاما على الأقل قبل أن تبرم عقودا مع المطارات المفتتحة حديثا، بعد مراقبة أدائها خلال فصلي الشتاء والصيف.

وذكر المسؤول أن تلك الهيئات تركز في الأساس على أربعة معايير. وأوضح قائلا: "الأول هو الأمن والسلامة؛ والثاني هو كفاية المعدات؛ والثالث هو الجدوى العملية والقدرة التشغيلية؛ والرابع فهو الأسعار وهوامش الربح".

كانت طائرتان تابعتان للخطوط الجوية التركية أوشكتا على الاحتراق في مطار إسطنبول الجديد نتيجة أرضية المدرج غير المستوية في شهر مايو. فقد أبلغ طيارون أتراك لم يتم الكشف عن أسمائهم موقع تي24 الإخباري أنهم يضطرون لاستخدام مكابح الطائرات أكثر من اللازم بسبب الممرات غير المستوية، مما يضع ضغوطا إضافية على العجلات. وقال أحد الطيارين للموقع الإخباري: "في بعض الأحيان ننتظر 20 دقيقة كي تبرد (المكابح) قبل الإقلاع".

وفي شهر مايو الماضي، اصطدمت طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية التركية كانت متجهة إلى أنقرة بأحد أعمدة الكهرباء في مطار إسطنبول أثناء سيرها على المدرج، بينما غيرت سلسلة من الرحلات وجهتها إلى تشورلو المجاورة بسبب سوء الأحوال الجوية في وقت سابق هذا الشهر. وقال طيار يتمتع بخبرة 40 عاما لموقع دوار الإخباري إنه لا يوجد رادار للأرصاد الجوية في المطار الجديد وإن أنظمة الاقتراب فيه معيبة.

وقال المسؤول النقابي لموقع "أحوال تركية" إن كل تلك الحوادث أثارت الشكوك في سلامة المطار. وأضاف: "من منظور الجدوى العملية والقدرة التشغيلية، لسنا في حالة جيدة بالنظر إلى فترات سير الطائرات على المدرج قبل الإقلاع وبعد الهبوط وفترات الانتظار والتأخيرات".

وبحسب الطيار بهادير ألتان، ثمة عنصر آخر تقيمه هيئات الطيران المدني، وهو المسافة بين المدارج والوقت الذي يستغرقه الانتقال من مدرج إلى آخر.

وأضاف ألتان: "لا يكشفون قط عن نتائج معايناتهم... إذا كان لديهم رأي إيجابي، ينتظرون فترة ثم يوقعون اتفاقا. وبخلاف ذلك، لا يقولون سوى ‘لن نعمل معكم‘".

غير أن ألتان قال إن الهيئات الأجنبية لا تبني قراراتها على المسائل الفنية فحسب، فالعوامل السياسية تلعب دورا أيضا، وربما تتصرف على حسب رغبات حكوماتها.

ويشير ألتان إلى أن هذه الهيئات ربما تتفاوض أيضا على بعض الشروط مثل تقصير فترات سير الطائرات على المدرج قبل الإقلاع وبعد الهبوط قبل توقيع أي اتفاق.

ويقول أحد خبراء الطيران المدني الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن بعض الهيئات الأجنبية طلبت من إدارة المطار توفير أنظمة تبريد للعجلات والمكابح بعد عمليات المعاينة.

وذكر الخبير أنه يجب على الحكومة والمعارضة العمل سويا لمعالجة أوجه القصور في المطار.

وأضاف: "شئنا أم أبينا، لقد تم بناء المطار الآن. إذا وقع حادث تحطم طائرة هناك، فسيضر ذلك بمن يؤيدون الحكومة وأحزاب المعارضة على حد سواء. وإذا تكبد المطار أي خسائر، فسيؤثر ذلك بالسلب على أموال 82 مليونا يعيشون في البلاد".

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/istanbul-new-airport/civil-aviation-experts-concerned-about-istanbuls-new-airport
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.