خبير اقتصادي: أردوغان يتحمل مسؤولية فشل البرنامج الاقتصادي

قبل أعوام عُقد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في فترة كانت تركيا واحدةً من أكثر الدول ازدهاراً في العالم؛ وبالتالي كان من الطبيعي أن تعج القاعة، التي سيلقي فيها الوفد التركي كلمته، بالحاضرين، بل ووصل الأمر حينها إلى أن الكثيرين منهم كانوا يضطرون إلى الوقوف للاستماع من خارج القاعة.

ولكن هذا الوضع تغير تماماً خلال الأربع أو الخمس سنوات الماضية، خاصة بعد إعلان حالة الطوارئ، وما واكبه من استصدار مراسيم قرارات، وقرارات الاحتجاز والاعتقال والطرد والمنع، وإحكام السيطرة على القضاء، وأخيراً إقرار النظام الرئاسي، والانتقال رسمياً إلى نظام حكم الرجل الواحد؛ ما أدى إلى تلاشي صورة تركيا السابقة تماماً، كما تذوب الشمعة تحت تأثير النار.

من جهته، أجرى موقع "أحوال تركية" الحوار التالي حول الوضع السياسي والاقتصادي الراهن في تركيا مع الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعتي غازي وحاجي بيرام، عزيز كونوكمان، الذي أجاب عن أسئلتنا، ذات الصلة، على النحو التالي:

سؤال: شارك وزير المالية بيرات البيرق، بصحبة محافظ البنك المركزي، مراد أويصال، في اجتماعات منتدى دافوس، وتحدث كلا منهما عن الوضع الاقتصادي في تركيا، والسياسة النقدية والمالية الحالية، وتطلعات الحكومة خلال الفترة المقبلة. في رأيك، إلى أي مدى تعكس مثل هذه التصريحات حقيقة الوضع الحالي في تركيا؟ وهل وجدت هذه التصريحات صدى لدى الحاضرين؟

في رأيي، إن الحاضرين لم يأخذوا التصريحات، التي أطلقها وزير المالية التركي، على محمل الجد، وخاصة فيما يتعلق بحديثه عن أن البنك المركزي التركي أكثر استقلالية من نظيره في الولايات المتحدة. أعتقد أن أحدًا لم يأخذ الحديث عن استقلالية البنك المركزي في هذا المكان على محمل الجد، خاصة بعد أن قام الرئيس التركي بعزل محافظ البنك المركزي السابق قبل عامين من انتهاء فترته المحددة قانوناً، وتعيين آخر، بدلاً منه، والتعلل بالقول "لم يستمع إلى توجيهاتنا، فعزلناه". أضف إلى هذا أنه ليس من المنطقي أن يلقي العقلاء بالاً بحديث محافظ بنك مركزي يخرج رئيس دولته، ويتحدث عن تخفيض سعر الفائدة، قبل أن يجتمع البنك المركزي أو يصدر قراراً رسمياً في هذا الخصوص، كما حدث في 16 يناير الماضي.

سؤال: إذن كيف تُعلِّق على الحديث عن أن تركيا أصبحت تستحوذ على اهتمام المستثمرين الأجانب، وأن الفترة المقبلة ستشهد تدفقاً كبيرًا لرؤوس الأموال الأجنبية، والقول إن عام 2020 سيشهد طفرة اقتصادية كبيرة؟

أحب أن أؤكد في البداية أن حديث الحكومة التركية عن البرنامج الاقتصادي الجديد، لا معنى له؛ فقد تحدثوا من قبل، وبالتحديد عام 2018 عن ذلك البرنامج الاقتصادي الجديد، ثم عادوا للحديث عنه مرة أخرى عام 2019، وها هم الآن يتحدثون أيضاً عن نفس البرنامج الاقتصادي الجديد المزمع تنفيذه بين عامي 2020-2022. وفي الحقيقة، أنا لا أعرف توصيفاً لهذا. هل نقول البرنامج الاقتصادي الأول والثاني وهكذا؟ أم نقول البرنامج الاقتصادي الجديد والأجدد. لم أجد توصيفًا دقيقاً لحديثهم المستمر عن ذلك البرنامج الاقتصادي.

أعتقد أن حديث وزير المالية التركي عن هدف تحقيق زيادة في نسبة النمو خلال عام 2020 من 0.5% حتى 5% دفعة واحدة هو أمر غير منطقي، بل ويتنافى مع كافة الأسس الاقتصادية المعروفة. ولا أبالغ إذا قلت إنه هدف يستحيل تحقيقه، خاصة إذا علمنا أن أقصى نمو يمكن أن يحققه الاقتصاد التركي عام 2020، وفقاً لتوقعات منظمات دولية شهيرة مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ووكالات التصنيف الائتماني كستاندرد آند بورز وموديز وغيرهما، التي أكدت جميعها أن الاقتصاد التركي سيحقق نمواً، يتراوح بين 2-2.5% وقد يصل إلى 3% على أقصى تقدير. أما الحديث عن أنه سيحقق قفزة من 0.5% ليصل إلى 5%؛ أي بزيادة قدرها 4.5% دفعة واحدة، فهو أمر لا يختلف كثيراً، في رأيي، عن حديثهم عن استقلالية البنك المركزي التركي.

نحن، في الحقيقة، أمام إدارة اقتصادية غير جادة. لقد جمعوا أموالاً من البنك المركزي ومن هنا وهناك، ووضعوها في الميزانية، ولم يجدِ هذا نفعاً؛ فقد تجاوز عجز الموازنة 1.5 مرة تقريبًا، مقارنة بالمُستهدف. وبالمثل أعلنوا في فبراير من العام الماضي أنهم يستهدفون توظيف 2.5 مليون شخص خلال عام واحد، فكانت النتيجة أن أعداد العاطلين زادت بمقدار مليون آخر، متأثرة بتراجع الاستثمار، الذي أدى بدوره إلى تباطؤ الإنتاج، بشكل عجز عن استيعاب هذه العمالة، كما أن الاقتصاد لم ينمو بنسبة 2.3%، كما سبق وأعلنوا من قبل أيضًا، بل، وعلى العكس تماماً، تقلص بشكل كبير.

سؤال: ألا توافقني الرأي بأن تركيا أصبحت، في هذه المرحلة، في أشد الحاجة إلى الاستثمار المحلي والأجنبي، خاصة مع ارتفاع نسبة البطالة إلى عدد مكون من رقمين، والتراجع الكبير في النمو؟

لماذا يتعين على المستثمرين الأجانب القدوم إلى تركيا؟ عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، كان أمامه هدف الحصول على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي. ولتحقيق هذا الهدف، قام بسنّ العديد من القوانين لتحقيق التواؤم مع دول الاتحاد. وبالتالي كان من الطبيعي أن تشهد السوق التركية، بالتزامن مع هذا المسلك، تدفقات كبيرة لرأس المال الأجنبي. وبالفعل ارتفعت نسبة الاستثمار إلى عدد مكون من رقمين، واقترب حجم التدفقات النقدية من 20 مليار دولار سنوياً. أما الآن، فلا يوجد المناخ الذي يشجع على تكرار حدوث هذا الأمر مرة أخرى. ماذا سيحدث إذا أتى المستثمر الأجنبي بأمواله، ثم قالت له الحكومة "أنت على صلة بجماعة فتح الله غولن، أنت تدعم الإرهاب"، هل هناك قانون سيحمي المستثمر إذا أرادت الحكومة مصادرة أمواله في مثل هذه الحالة؟ هل هناك قضاء مستقل يمكن أن يقوم بهذا الدور؟ لا أعتقد ذلك.

وما يزيد من خطورة الأمر موضوع "الأموال الساخنة" (تدفق رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى لكسب فائدة في فترة وجيزة، اعتماداً على فروق سعر الفائدة، وتحولات سعر الصرف المتوقع. وقد أطلق عليها هذا الاسم لسرعة تحرك الأموال داخل الأسواق وخارجها؛ مما قد يؤدي إلى عدم استقرار السوق)؛ فهذه النوعية من المستثمرين هم أكثر المستفيدين من الهيكل القانوني الراهن؛ لأنهم، أي أصحاب الأموال الساخنة، أكثر ميلاً للمخاطرة من غيرهم من المستثمرين، الذين يستثمرون أموالهم في مصانع ومؤسسات ثابتة. وهم في الغالب لا يلقون بالاً عما إذا كانت هذه الدولة ديمقراطية، أو لديها قضاء يتمتع بالاستقلالية أو لا. المهم عندهم هو جني أرباح سريعة فحسب؛ ومن ثم فهم ينظرون إلى تركيا، من هذه الزاوية، باعتبارها من الدول الجاذبة لهم. ومع هذا، فهم لا يقبلون عليها كذلك. تقول الحكومة إن سوق الأسهم يحطم رقماً قياسياً، ومع هذا لا توجد نقود ساخنة، ولا يأتي مستثمرون أجانب أو أصحاب الأموال الساخنة، بل وعلى العكس من ذلك، يتجه المستثمرون الأجانب إلى بيع أسهمهم في الشركات، ويغادرون السوق التركية.

 تيموثي آش هو خبير واستشاري إنجليزي في شؤون الاستثمار، وأحد المراقبين عن كثب لحركة السوق التركية. والأهم من هذا أن أصحاب الأموال الساخنة يولون اهتماماً كبيرًا بتحليلاته في هذا الصدد. وقد أكد تيموثي آش، من خلال مشاركات له على مواقع الإنترنت، أن القضاء التركي فقد استقلاليته خلال السنوات الأخيرة، وأن تركيا لم تعد دولة قانون، كما أن البنك المركزي فقد، تحت ضغط السلطة الحالية، استقلاليته وشفافيته هو الآخر، وأصبحت المخاطر تحيط بالمستثمرين الأجانب في السوق التركية.

وتتضح الأمور بشكل أكبر إذا نظرنا إلى الإحصائية، التي أعدها اتحاد الغرف وأسواق المال بتركيا عن عدد الشركات، التي تأسست، والأخرى التي غادرت السوق التركية، والتي أكدت أن عدد الشركات، التي غادرت السوق التركية قد زادت بنسبة 112% خلال شهر ديسمبر عام 2019، مقارنة بالشهر الماضي. السؤال الآن، ألم يرَ المستثمرون هذه الحقيقة، حتى يأتوا إلى تركيا؟!

سؤال: لماذا إذن يلتزم الجميع الصمت، ما دامت تصريحات الحكومة لا تعكس الواقع الفعلي للاقتصاد، وما دام الوضع بهذا السوء في عالم المال والأعمال؟

قامت النقابات العمالية في الماضي بإضراب عام ضد سليمان ديميريل وبولنت أجاويد؛ سعياً وراء تحقيق مطالبهم، ووصل الأمر إلى حد وقف الإنتاج. وعندما خرج ما يزيد عن 100 ألف عامل في قطاع التعدين بمسيرة من زونغولداك إلى أنقرة ضد الراحل تورغوت أوزال، أرسلت حكومة حزب "الوطن الأم" حينها وفدًا للتفاوض معهم. وبالفعل تمت الاستجابة لمطالبهم.

أما الآن، فلم يحدث شيء من هذا القبيل، سوى مرة واحدة، وكانت منذ سنوات، وذلك عندما قرر 130 ألف عامل في قطاع التعدين كذلك تنظيم إضراب، وقابل أرباب العمل ذلك بمعاقبتهم بالوقف عن العمل. وفي المقابل، ماذا فعلت السلطة الحالية؟ قالت الحكومة، التي يثق بها أرباب العمل كثيراً، لقد أجلنا الإضراب إلى الغد. لقد أرجأ رئيس الجمهورية الإضراب ثم حظره بعد ذلك، بذرائع مثل الأمن القومي والصحة العامة.. إلخ. وبناءً على هذا، يمكن القول إن أولئك الذين يلتزمون الصمت هم ضحايا أيضاً، لا فرق بينهم وبين أقرانهم، الذين فكروا في الإعراض والإضراب ضد نظام وضع كافة السلطات في يد رجل واحد.  

سؤال: برأيك، ما هي الإصلاحات الهيكلية، التي يتعين على الحكومة التركية القيام بها للتغلب على الأزمات الاقتصادية الراهنة، وضمان عودة المستثمرين مرة أخرى، ولدعم الميزانية العامة، وتخفيض نسبة البطالة؟

سجلت مصروفات الحكومة، خلال السنوات الأخيرة، زيادة تخطت المُخصصات المتاحة لذلك. لقد أثبتت السياسة المالية الحالية لحكومة أردوغان فشلها في كبح العجز؛ بسبب تقلص عائدات الضرائب، وتوقف تدفقات رؤوس الأموال؛ إذ لم يعد بمقدور أحد سداد الضرائب، واتجهوا، في المقابل، إلى الاستدانة. ومن ناحيتها، قامت الحكومة بتغيير قانون الاقتراض مرات عديدة، وزادوا من حد الاقتراض.

والواقع إننا نعيش حالة من الفوضى، فيما يخص المصروفات، ونظام منح القروض كذلك؛ فهم يخولون وزير المالية، ومن فوقه الرئيس بزيادة حد الاقتراض بشكل يتجاوز قدرة الميزانية؛ مما سيجعل من الصعب على الحكومة القيام بإصلاحات هيكلية حقيقة في الدولة. وما آسف عليه حقاً هو صمت المعارضة إزاء ذلك، وعدم قيامها بدور فاعل؛ لذلك لم يكن تغيير الوزراء يعني شيئاً في سبيل تصحيح مسار الاقتصاد؛ فالوزراء ما هم إلا "سكرتارية" لدى رئيس الجمهورية، أما السلطة الفعلية فتتركّز في يد شخص واحد هو رئيس الجمهورية.

وأعتقد أنه من غير الصواب البحث عن مسؤول آخر عما يجري الآن، أو القول إن الحكومة لا تدير الاقتصاد بشكل جيد؛ لأن أردوغان هو الذي يتحمل وحده مسؤولية عدم تحقيق أهداف البرنامج الاقتصادي الجديد، والثغرات الموجودة في الميزانية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/yep/aziz-konukman-yep-hedefleri-cope-atilmali-her-seyin-sorumlusu-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.