خفايا ورسائل المؤتمر الصحفي بين أردوغان وترامب في واشنطن

تابعتُ، كسائر المواطنين الأتراك، برنامج زيارة  الرئيس رجب طيب أردوغان إلى واشنطن على شاشة التلفزيون.

لم تستطع أجهزة التلفزيون الأميركية نقل بث مباشر لوقائع المؤتمر الصحفي، الذي عقد بين دونالد ترامب وضيفه؛ حيث فضلت، بدلاً من ذلك، بث إفادات الشهود في إحدى الجلسات التي خُصصت من أجل مناقشة عزل ترامب في الكونغرس.
ومع ذلك، كان الرئيس أردوغان أكثر رئيس أجنبي تردد اسمه في الولايات المتحدة الأميركية خلال الشهرين الماضيين.
وعلى الجانب الآخر، تابعت قنواتنا الإخبارية برنامج الزيارة من خلال مراسليها في واشنطن، ونقلت بثاً مباشراً لوقائع المؤتمر الصحفي منذ بدايته وحتى النهاية.
والحقيقة أنني تابعت من واشنطن، قبل ذلك، زيارات سابقة قام بها رؤساء تركيا، بداية من كنعان إفرين، ورؤساء وزراء سابقين، بمن فيهم أردوغان نفسه، إلى العاصمة الأميركية.
أذكر أن جورج بوش الأب قام باستضافة رئيس تركيا الأسبق تورغوت أوزال في  كامب ديفيد إبان حرب الخليج،  كما حلت تانسو تشيلر ضيفةً على بيت الضيافة الرسمي الواقع على بعد خطوات من البيت الأبيض. كانت هذه لفتات رائعة من جانب الإدارة الأميركية حينها عبرت من خلالها عن اهتمامها بالضيف التركي.
ولكن ما حدث هذه المرة كان مختلفاً تماماً؛ إذ أنّ ترامب لم يوجه مجاملة لفظية صريحة إلى أردوغان كتلك التي كان يطلقها قبل يومين فقط من مجيئه إلى واشنطن، مما يدل على أن هذه الزيارة لم تلقَ ترحيباً كبيراً من جانب الإدارة الأميركية؛ الأمر الذي أشارت إليه وسائل الإعلام الأجنبية كذلك.
وعلى الجهة الأخرى، استمرت الصحافة التركية، الموالية لأردوغان، بكتَّابها ومراسليها، على نهجها القديم، وراحت تصف الزيارة، التي قام بها أردوغان، بأنها "انتصار عظيم"، في حين تحدثت جبهة المعارضة عن سلبيات الزيارة، وراحت تعدد الإخفاقات السياسية لأردوغان.
تناولتُ هذه الأمور كافة في مقال الأمس، وأعتقد أنني قمتُ بتغطيتها بشكل ملائم، ولكني أرجأت الحديث عن نقطتين إلى مقال اليوم.
النقطة الأولى:
لعلكم تذكرون أنّ الرئيس الأميركي  ترامب افتتح المؤتمر الصحفي  بتوجيه الشكر للرئيس أردوغان على تفهمه حيال قضية ما. الواقع أنني لم أفهم، للوهلة الأولى، السبب الذي دفع الرئيس ترامب إلى  توجيه الشكر إلى نظيره التركي، وهو الأمر الذي وضعني في حيرة من أمري، ولكني علمتُ بعد ذلك أن ترامب شكر أردوغان على إطلاق الأخير سراح المواطن التركي الأميركي، وعالم الفضاء في وكالة ناسا سركان غولج من السجن في أنقرة.
سركان غولج... أتذكر هذا الاسم، لكن أين؟
كان موضوع  سركان غولج، الذي يعمل في ناسا، أحد القضايا التي ظل الأميركيون يثيرونها في كل مناسبة بشكل ذكَّرنا بقضية القس أندرو برانسون، وإن تفاوتت درجة الاهتمام قليلاً في الحالتين.
عندما كانت الصحافة الأميركية تتحدث عنه خلال السنوات الثلاث التي قضاها في السجن، كانت الحكومة التركية تكرر نفس ردّها بأن العثور على فاتورة بدولار أميركي واحد في حوزته أثناء قيامه بزيارة عائلته في تركيا يعتبر دليلًا كافيًا يؤكد ارتباطه بجماعة فتح الله غولن، ومن ثم إيداعه السجن.
أتذكر أن صحيفة واشنطن بوست، على وجه الخصوص، كانت من أكثر الصحف التي طالبت بإطلاق سراحه.
حسنًا،  ما دام   سركان غولج قد أطلق سراحه من السجن قبل شهور، وبالتحديد في شهر مايو 2019، وليس بالأمس أو قبل شهر واحد، فلماذا إذن شعر ترامب بالحاجة إلى توجيه الشكر إلى الرئيس أردوغان على إطلاق الأخير سراح سركان غولج، وهو يفتتح المؤتمر الصحفي، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنه وجه إليه الشكر بالفعل خمس أو ست مرات من قبل للسبب نفسه، سواء في مكالمات تليفونية أو في لقاءات سابقة جمعتهما معاً؟
هل أراد ترامب بذلك التأكيد على سطوته على أردوغان، وأن إرغامه على إطلاق سراح سركان غولج كان دليلاً آخر على ذلك؟
في رأيي، إن هذا الشكر لم يحمل معنى الامتنان أو النية الطيبة بأي حال من الأحوال.
النقطة الثانية:
الأمر الآخر الذي لا يمكن النظر إليه في إطار مجاملة كذلك، هو العبارات التي وجهها ترامب إلى الصحفيين الأتراك الذين تابعوا زيارة  الرئيس أردوغان، وكانوا في القاعة في ذلك الوقت.
بادئ ذي بدء، وجدت أنه من الغريب أن يبحث ترامب، عندما كان يطلب من الصحفيين الأتراك طرح أسئلة أثناء المؤتمر الصحفي، عن الصحفيين "المقربين إلى السلطة" ليلقوا عليه أسئلتهم.
بناءً على هذا،  قام هلال قابلان، وهو صحفي ينتمي لصحيفة "صباح" المعروفة بقربها من الحزب الحاكم، ووجه سؤالاً بلغة إنجليزية سليمة إلى ترامب يتعلق بالزيارة وأهميتها...
ومن ناحيته، جاء ردّ ترامب سريعًا، واستهل حديثه إلى الصحفي بسؤاله عما  إذا كان وجوده هناك من أجل التحدث باسم الدولة.
قال له شيئاً من قبيل "هل أنت بالفعل صحفي؟"
وبالتزامن مع سؤال ترامب للصحفي "هل أنت هنا لتتحدث باسم الدولة؟" تدخل السناتور ليندسي غراهام، وكان موجودًا في القاعة في ذلك الوقت، وتساءل بدوره قائلاً "وهل يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك في تركيا؟". كنتُ أودّ أن أحضر هذا الجزء من المؤتمر الصحفي، وما تبعه من "قهقهة" أطلقها الحاضرون في المؤتمر الصحفي.
هل رأيتم إلى أي حد صرنا أضحوكة العالم؟
الشيء الوحيد الذي أكاد أجزم به هو أن سؤال كاتب صحيفة "صباح" لم يكن يحتوي على أية إشارة تستدعي رد الفعل الذي أبداه حياله  ترامب أو السيناتور غراهام.
لا أعرف، ولكن بدا لي الأمر، وكأنه مشهد تم الإعداد له مسبقًا.
لا أعرف لماذا يُذكِّرني هذا المشهد بمباراة لكرة قدم؛ أحرز خلالها أحد اللاعبين هدفاً من تمريرة رائعة من زميله في الفريق؛ فقال المعلق بحماس "إن هدفًا كهذا لا يحدث إلا إذا كان اللاعبان قد اتفقا عليه سلفًا".
في رأيي، إن معاودة ترامب الحديث عن شخص أُطلق سراحه قبل خمسة أشهر على الأقل، وكذلك حديثه مع الصحفي التركي هي أمور قد تم الإعداد لها سلفاً كذلك.
لماذا؟
لا أعرف، ولكن لا يمكنني التكهن خارج هذه الفرضية. فكروا أنتم في هذا الأمر، فربما كنتم أكثر صواباً مني.
على أية حال، دعونا نصرف تفكيرنا للتركيز على الجوانب الإيجابية للمفاوضات...
 

 

-  هذا المقال مأخوذ من الموقع الشخصي للكاتب الصحفي فهمي كورور.
 
- المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".
 
- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 
https://ahvalnews.com/tr/turkiye-abd/washingtonda-bunlar-da-yasandi-denmeyi-hak-eden-iki-olayi-anlayan-beri-gelsin
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.