خلاف شرق المتوسط يسلط الضوء على أزمة داخلية تركية

يشمل الخلاف في شرق البحر المتوسط ​​قضايا البحرية و قانون الأميرالية في المنطقة ككل. ليست المشكلة الأساسية جديدة وتواجهها تركيا منذ عقود.

ومع ذلك، وبسبب سياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم الخارجية، نمت هذه القضايا لتضم جميع شؤون البلاد الخارجية تقريبا، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل ومصر وكل العالم العربي تقريبا.

والآن أصبحت المشكلة الكردية جزءا من هذا المأزق أيضا، إذ لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من حلها ضمن حدود القيم الديمقراطية. كما حولت سياسة أنقرة في سوريا المشكلة إلى قضية دولية وهو أمر في صالح حزب العمال الكردستاني المحظور.

تتمسك تركيا بموقف مبرر في بعض خلافاتها مع جارتها اليونان. فمن شأن التوسع المتصور لليونان في مياه جزرها الإقليمية إلى 12 ميلا بحريا أن يحول بحر إيجة إلى بحيرة يونانية، ولن تقبل أي حكومة في أنقرة ذلك. كما لا يبدو تمتع جزيرة كاستيلوريزو بوضع قانوني بحري مثل بر الأناضول الرئيسي عادلا.

 ولكن أن يكون المرء على حق نادرا ما يكون كافيا. إذ يجب أن يكون مدعوما بدبلوماسية فعالة وأساس قانوني قوي وتوازن عسكري مناسب.

على الجبهة الدبلوماسية، تبقى تركيا على خلاف مع الجميع تقريبا وفي قاع تاريخها الدبلوماسي. إذ لا ينبغي أن تكون الدبلوماسية ممارسة يحاول فيها من يمسكون بزمام السلطة تحقيق أحلامهم الأيديولوجية.

قال الخبير في العلاقات الدولية، كريم هاس، بسخرية إن وزارة الخارجية التركية تحولت إلى وزارة إدانة، حيث كانت أكثر من نصف إعلاناتها الرسمية في الأسابيع الأخيرة إدانة وتوبيخا لعدد كبير من الدول.

وتعد السياسة التي اتخذتها تجاه مصر مثالا على ذلك. فقد قطعت أنقرة علاقاتها مع أكبر دولة في أفريقيا بسبب الإطاحة بحكومة الإخوان المسلمين المنتخبة عبر انقلاب في 2013. واغتنم المتحدثون باسم حزب العدالة والتنمية كل فرصة في الداخل والخارج لانتفاد القاهرة لتصوير مصر كدولة معادية كبرى.

لم أتلق إجابة بعد على سؤال طرحته عدة مرات: أي من مصالح بلادنا تتطلب مثل هذا الموقف القاسي ضد مصر بسبب الإطاحة بنظام الإخوان؟

يتبنى الحزب الحاكم في تركيا خطابا ديمقراطيا مناهضا للانقلاب. لكنه كان الحامي الأكبر لعمر البشير، الذي استولى على السلطة من خلال انقلاب في السودان. وكان من الأوائل الذين هنؤوا دكتاتور بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، الذي يواجه انتقادات بعد اعلان فوزه بالانتخابات. هناك العديد من الحالات التي توضح موقف حزب العدالة والتنمية غير المبدئي، بما في ذلك مع فنزويلا وشبه جزيرة القرم ومسلمي الإيغور في الصين.

أدى هوس الإخوان نفسه إلى استعداء حزب العدالة والتنمية لدولتين مهمتين في الشرق الأوسط، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لأسباب لا علاقة لها بمصالح تركيا. ففي الصراع الإقليمي بين هؤلاء الحلفاء العرب وقطر الموالية للإخوان، تبنت أنقرة موقف الدوحة. ومع ذلك، لا علاقة لهذا الخلاف الدبلوماسي بين دول الخليج بالمصالح التركية. ولم يتخذ حتى الجيران المقربون مثل الكويت وسلطنة عمان مثل هذا الموقف المتحيز.

كما تدهورت علاقات تركيا مع إسرائيل، ويرجع ذلك إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. نعم، تستولي إسرائيل على أرض وحقوق الشعب الفلسطيني. لكن، من غير المرجح أن تخدم تركيا هذه القضية من خلال الصراع مع إسرائيل. ولم يقدم حزب العدالة والتنمية أي مساهمة كبيرة للقضية الفلسطينية منذ وصوله إلى السلطة قبل 18 سنة. إذ تتطلب هذه المسألة نوعا مختلفا من الدبلوماسية.

في سوريا، كان حزب العدالة والتنمية يتبع سياسة غير مدروسة لتغيير النظام من خلال التدخل العسكري عبر الحدود. ولم يستطع تحمل النتائج فدفعت تركيا ثمنا باهظا بينما حولت سوريا إلى أكبر عدو لها.

تحتاج تركيا إلى إبرام اتفاقيات بحرية في شرق البحر المتوسط ​​مع خمس دول: مصر وإسرائيل ولبنان وسوريا وليبيا. لغرض هذا المقال، وضعت اليونان وقبرص جانبا لأنهما تدخلان في قضيتين سياسيتين أكثر تعقيدا.

يبقى حزب العدالة والتنمية على خلاف مع أربعة من البلدان الخمسة. وقد يبدو أن الاتفاق بين مصر وتركيا نتيجة محتومة حيث سيحصل كلا البلدين على أقصى قدر من الحدود البحرية. ومع ذلك، تبنى حزب العدالة والتنمية موقفا أيديولوجيا صارما لدرجة أن مصر فضّلت التعامل مع اليونان على الرغم من تلقيها حصة أصغر من المنافع نتيجة لذلك.

إن الاتفاق الوحيد الذي حققته تركيا حتى الآن هو مع ليبيا، لكن صلاحيته القانونية غير واضحة لأن حزب العدالة والتنمية في صراع مع نصف ليبيا الآخر. كما تشترط الاتفاقية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة (الصخيرات، 2015) والتي تشكل أساس الشرعية في البلاد، أن يصادق مجلس النواب على الاتفاقيات الدولية ولكنّ هذا المجلس الواقع في النصف الثاني من ليبيا لم يصادق على الاتفاقية بعد.

يتغير التوازن العسكري في المنطقة عكس مصالح تركيا. حيث تدعم الولايات المتحدة اليونان علنا، مع ظهور تقارير تفيد بأن واشنطن تقيّم إنشاء قواعد بحرية وجوية في اليونان أو حتى نقل قاعدتي إنجرليك وكوريجيك من تركيا إليها.

كما كان شراء نظام الدفاع الجوي الروسي إس-400 من أقل عمليات شراء الأسلحة منفعة في تاريخ الدفاع التركي. فقد حرمت هذه الخطوة تركيا من الجيل الخامس من طائرات  إف-35، وهي أكثر الطائرات العسكرية تقدما اليوم، في حين تبقى أنظمة روسيا التي تبلغ تكلفتها 2.5 مليار دولار في حالة تجميد. وحتى إذا تم تنشيط إس-400، فلن تعمل بكامل ميزاتها، إذ لا يمكن توصيلها بشبكة المراقبة الإلكترونية في تركيا.

يصر المتحدثون باسم حزب العدالة والتنمية على أن قرارات تركيا بشأن شراء الأسلحة كانت مسألة سيادة وطنية. إن تركيا دولة ذات سيادة، لكن الأمر مختلف هنا.

كدولة ذات سيادة، يمكن لتركيا أن تنفصل عن الناتو إذا قررت ذلك. ولكن، إذا أرادت البقاء في الحلف، فعليها أن تتصرف بانسجام معقول مع أنظمة دفاعه وأسلحته.

إذا اخترت أن تصبح عضوا في نادي للعب البريدج، فلا يمكنك الإصرار على لعب البلاك جاك. ليس هذا معنى السيادة.

تفيد تقارير بأن اليونان تجري مفاوضات مع الولايات المتحدة لشراء طائرات إف-35، إلى جانب أخرى تؤكد أن الإمارات تقترب من اتفاق مماثل.

كما تجري اليونان محادثات مع فرنسا لشراء طائرة رافال، وهي من بين أكثر الطائرات العسكرية فعالية في الغرب، بعد إف-35. مع هذه الصفقات، سيميل الميزان العسكري في بحر إيجة لصالح اليونان، خاصة في مرحلة حُرمت فيها تركيا من إف-35.

منذ بداية أغسطس، عندما أرسلت تركيا سفينة عروج ريس إلى المياه المتنازع عليها مع اليونان وقبرص، كانت التطورات مكثفة حول هذه القضية في عواصم من بينها موسكو وبرلين وغيرها. وفي الوقت نفسه، أدلى المتحدثون رفيعو المستوى عن حزب العدالة والتنمية بتصريحات سياسية بشكل شبه يومي.

وتبدو أطياف المعارضة السياسية التركية في حالة من الارتباك في مواجهة القضايا الحيوية التي تواجهها البلاد. ولا تدري ما تفكر فيه ولا موقفها. وقد يتوقع المرء أن تتخذ أحزاب المعارضة موقف تجاه مثل هذه القضايا الحيوية وأن تحاول التأثير على التطورات. فالسياسة تعني اتخاذ المواقف. ومع ذلك، تختار معارضتنا في الغالب أن تراقب في صمت.

طوال هذه الفترة ، لم يصدر زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي  أي بيان علني أو مؤتمر صحفي أو خطاب حاشد أو أي شيء يشير إلى موقفه من قضايا شرق المتوسط، باستثناء التطرق إلى الخلافات مع مصر في برنامج تلفزيوني. ولم يوضح متحدثون آخرون باسم الحزب أي موقف كذلك.

ويعدّ الوضع مشابها بالنسبة لأحزاب المعارضة التركية الأخرى. باختصار، يسلط الخلاف شرق البحر المتوسط ​​الضوء على أزمة السياسة الداخلية التركية أيضا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/foreign-policy/east-med-row-also-underlines-crisis-turkeys-domestic-politics?language_content_entity=en
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.