أغسطس 08 2019

خوفاً من انقلاب عسكري وحزبي، أردوغان يُشغل الجيش بحرب مع الأكراد

موسكو – تحليلات سياسية مُعمّقة جدّاً واهتمام مُلفت، أبدته الصحافة الروسية تجاه التطوّرات الأخيرة في مناطق شرق الفرات السوري التي يُسيطر عليها الأكراد، وذلك في أعقاب ما تمّ الإعلان عنه مؤخراً من اتفاق أميركي- تركي حول "المنطقة الآمنة" و"ممر للسلام"، وعلاقة ذلك بالشأن الداخلي التركي ومخاوف الرئيس رجب طيّب أردوغان من محاولة انقلاب عسكري جديدة عليه، فضلاً عن تزايد الانشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه واحتمال أن يتم عزله عن قيادة الحزب الحاكم أيضاً.

تعزيز الموقف التفاوضي
في صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، وتحت عنوان "تركيا تبتز الولايات المتحدة بحياة العسكريين الأميركيين"، كتب إيغور سوبوتين، حول أسباب إصرار أردوغان على مهاجمة المناطق الكردية في سوريا رغم وجود قوات أميركية هناك.
ونقل الكاتب عمّا أسماه أوساط الخبراء، أنهم يرون ضرورة النظر إلى تهديدات القيادة التركية للأكراد في إطار طريقة تعاطي أنقرة مع العديد من المشكلات الإقليمية.
وفي هذا الصدد، قال تيمور أحمدوف خبير المجلس الروسي للشؤون الخارجية، المُقيم في أنقرة: "إذا عدنا إلى المحاولات السابقة التي قامت بها تركيا والولايات المتحدة للاتفاق على منطقة عازلة حدودية في شمال سوريا، يمكننا أن نرى أن تهديدات تركيا بشن عملية عسكرية تتعالى دائما عندما تصل المفاوضات الدبلوماسية إلى طريق مسدود. من الواضح أن تركيا ليست مستعدة لمواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة في شمال سوريا، وليس لأي عملية تركية محتملة أن تتجنب ذلك. يترتب على كل ذلك أنّ تصريحات القيادة التركية حول العملية تهدف إلى تحفيز المفاوضات الدبلوماسية، وتعزيز مواقفها التفاوضية بشأن وضع أراضي شمال سوريا".

إلهاء الجيش في ظلّ أزمة داخلية خطيرة في البلاد
لكنّ سعيد غفوروف، وتحت عنوان "تركيا تُعد سيناريو أوكرانياً"، رأى في "كوريير" للصناعات العسكرية، أنّ أردوغان يرغب في إشغال الجيش خشية أن ينقلب عليه، في ظلّ أزمة داخلية خطيرة في البلاد.
وقال، إنّه فيما يبدو كأن الدولة في أزمتها بغنى عن حرب واسعة النطاق، إلا أنّ لأردوغان لعبته.
وجاء في المقال: يحتاج الرئيس التركي إلى الحرب بحدّ ذاتها، وليس إلى النصر. فالوضع السياسي في البلاد غير مستقر، والظروف موضوعيا تنقلب ضده. فقد أظهرت انتخابات مارس بوضوح أن المعارضين يكتسبون قوة. إلا أن أردوغان سياسي تكتيكي مذهل، يعرف ماذا يفعل. فبعد عمليات التطهير، لم يعد هناك توازن في القوات المسلحة، فكل قيادتها المتبقية تنتمي إلى حزب واحد، لذلك من الضروري إشغال الجيش طوال الوقت، وهنا الحرب مناسبة تماماً".
ويرى غفوروف أنّ التنبؤ بخطوات أردوغان المستقبلية أمر صعب للغاية، حيث تختلف تكتيكاته عن الاتجاهات السياسية العامة في البلاد. فحتى أولئك الذين كانوا يساندونه مؤخرا، بشكل قاطع، بما في ذلك العديد من أعضاء حزبه، غير راضين عن الموقف... فقد يتم عزله من منصب القيادة داخل الحزب. ويمكن أن يقوم بذلك العسكريون المستاؤون.

أوروبا تُريد الإطاحة بأردوغان على الطريقة الأوكرانية
ويُتابع المحلل السياسي الروسي يقول إنّ احتمال تغيير السلطة في تركيا على غرار الميدان الأوكراني يغدو أكثر واقعية، فثمة دلائل تشير إلى أن أوروبا تفكر بالفعل في الإطاحة بـ"أردوغان، على طريقة الإطاحة بيانوكوفيتش في"أوكرانيا". خاصة وأن الظروف الحالية في تركيا تشبه من نواح كثيرة ما كانت عليه أوكرانيا قبل خمس سنوات، فالطغمة المالية غير راضية عن الرئيس، وترى فيه عقبة أمام التكامل الأوروبي، والعمال يضربون باستمرار، والحزب غير راضٍ عن نتائج الانتخابات، والإخوان المسلمون الطامحون إلى التفوق أيديولوجيا محبطون... ثم، الأزمة المالية الحادة. يمكن افتراض أن تأزيم الوضع السياسي في تركيا عمل منسق، يختتم مقاله غفوروف.

واشنطن لا تريد إجبار الأكراد على العودة لسيطرة دمشق
كذلك، ومن سلسلة المقالات التي ترجمتها للعربية "روسيا اليوم"، كتبت ماريانا بيلينكايا وكيريل كريفوشييف مقالاً تحليلاً في "كوميرسانت" الروسية بعنوان "الولايات المتحدة تناور بين الأكراد والأتراك"، تحدّث عن احتمال غض نظر متبادل بين روسيا وتركيا: إدلب مقابل شرقي الفرات.
وجاء في المقال نقلاً عن الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط الاستراتيجية، أويتون أورهان، أنّه "إذا شنّت تركيا هجوما عسكريا في سوريا، فسوف تُضعف من قدرة ترامب على وقف العقوبات ضد تركيا، وسيزداد تأثير المعسكر المناهض لتركيا في الولايات المتحدة". وهذه المخاوف يمكن أن تؤخر عملية تركيا العسكرية في شرق سوريا، ولكن ليس لفترة طويلة. فـ " القضاء على هياكل حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب في سوريا، مسألة حيوية بالنسبة لتركيا، وهي على استعداد لدفع أي ثمن مقابل ذلك".
ولم يستبعد أورهان أن تشن تركيا عملية محدودة في المنطقة الحدودية. والسؤال هو ما إذا كانت واشنطن ستقدم في هذه الحالة على مواجهة عسكرية مباشرة مع أنقرة لحماية الأكراد، حيث ترى "واشنطن بوست" أنّ دونالد ترامب يفتقر إلى الموارد الداخلية لفعل ذلك، ولن يتمكن من الاتفاق مع الكونغرس.
وكما جاء في المقال، فإنّ واشنطن لا تريد أن تخسر التحالف مع الأكراد، خشية أن تدفعهم تهديدات أنقرة إلى تكثيف الحوار مع دمشق حول إعادة الأراضي على الضفة الشرقية لنهر الفرات إلى سيطرة السلطات السورية. فيما تصر موسكو على هذا الخيار، وهي مستعدة، على أساسه، لتوفير الحماية للأكراد.