أحوال تركية
يوليو 01 2019

خيبات أردوغان في اليابان

ذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الخميس إلى مدينة أوساكا اليابانية، للمشاركة في قمة العشرين، حاملاً معه أحلاماً كبيرة، وأوهاماً عريضة حاول تسويقها قبيل سفره، ومازجاً بين الوعود والتهديدات التي أطلقها هنا وهناك، وكأنه مقبل على معركة وليس على مفاوضات أو مؤتمر لعدد من أبرز القادة في العالم.

بعد تلك الجلبة التي أثارها، ما الذي حقّقه الرئيس أردوغان في قمة أوساكا باليابان؟ هل استطاع إقناع الزعماء العالميين بوجهات نظره وموقفه من الملفات والقضايا المشتركة أم أنه مشاركته كانت صورية ولم تستطع تحقيق أي شيء يذكر؟

لا يخفى أن الرئيس التركي سافر إلى اليابان، وهو يحمل معه أعباء الهزيمة المُذلة له في إسطنبول، ولاسيما أنّ الخسارة التي مني بها في انتخابات بلدية إسطنبول أمام مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، بدت شخصية له، وليس لحزبه أو مرشحه التابع المهزوم بن علي يلدريم، لأنّ أردوغان كان قد حوّل الانتخابات إلى قضيته الأهم، ونزل بكل طاقته لدعم مرشحه، وكان بذلك يجسد دور الحزبي وليس الرئيس الذي يفترض به أن يكون جامعاً لكلّ أطياف الشعب وأحزابه.

الهزيمة الداخلية التي أفقدت أردوغان صوابه، والتي لا يمكن فصلها عن سياقها الزمني والعام، أثقلت عليه، وبدا بموقف الزعيم الخاسر العاجز عن مواجهة هزائمه، والمقبل على خسارات وهزائم خارجية محتملة، لأنّه قام بتوريط بلاده في معارك استنزفت اقتصادها، وعادت بالضرر عليه.

التقى الرئيس أردوغان عدداً من القادة، وناقش معهم عدداً من الملفات المشترك والقضايا الثنائية، وكان من أبرز من التقاهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وناقش معهما الأزمات التي توجاه علاقات تركيا مع كل منهما، بخصوص عدد من القضايا، وبخاصة ملفّ صواريخ إس-400، وملف إدلب ومحاولات وقف التصعيد فيها، ناهيك عن العقوبات الأميركية التي قد تفرض على بلاده في حال حصل على الصواريخ الروسية، وطردها من برنامج مقاتلات إف-35.

حاول أردوغان التعبير عن رغباته وليس عن المواقف الحقيقية التي أخبره القادة الذين التقاهم هناك، فعلى صعيد ملف صواريخ إس-400 الروسية، والأزمة المحتدمة بشأنها بين بلاده والولايات المتحدة، تمادى أردوغان في الوهم حين أعلن أن نظيره الأميركي دونالد ترامب، قدّم توضيحًا بشأن العقوبات المحتملة ضد تركيا بسبب شرائها صواريخ روسية، وأن مثل هذا الأمر لن يكون واردًا. وكان ترامب أبدى تعاطفه مع نظيره التركي منحيا باللوم على إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في وضع شروط لشراء تركيا صواريخ باتريوت. وقال في بداية اجتماع ثنائي مع أردوغان في أوساكا بغرب اليابان " نناقش حلولا مختلفة. إنها مشكلة ما من شك في ذلك"، وأعلن أن الولايات المتحدة تواجه موقفا "معقدا" في كيفية الرد على صفقة تركيا لشراء أنظمة إس-400 الروسية للدفاع الصاروخي وأضاف أنه يجري بحث فرض عقوبات محتملة

لم ينجح أردوغان باستمالة ترامب
لم ينجح أردوغان باستمالة ترامب

وحاول أردوغان استمالة الرئيس ترامب، من خلال الحديث عن شراكة استراتيجية تجمع بلادهما، وأن هذه الشراكة تفرض على الشريك الأميركي احترام حقوق تركيا السيادية. وفيما يتعلق بأزمة مقالات إف-35 قال إننا شركاء في الإنتاج، وعلى هذا الأساس فقد جرى تسليمنا 4 مقاتلات، ولكن العدد الإجمالي الذي يجب أن نحصل عليه هو 116 مقاتلة، ولفت إلى أن تركيا بدأت بالدفع وتواصله.. وسعى إلى الإيقاع بين الرئيس ترامب وإدارته، بالقول "ولكن تصدر تصريحات من قبل بعض الجهات لا تتوافق مع نهج الرئيس ترامب على الإطلاق".

وأثناء لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شدد الرئيس أردوغان، على أهمية نقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب السورية ودورها في حماية المنطقة. وقال أردوغان: "ناقشت مع الرئيس بوتين تطورات الأوضاع في إدلب خلال فعاليات قمة العشرين". وأضاف: "تعرضت نقاط المراقبة التركية في إدلب لهجوم من قبل النظام السوري، وقمنا باتخاذ الإجراءات اللازمة، ونأمل ألا تتكرر تلك الهجمات". وشدد على أن نقاط المراقبة في إدلب "تهدف لحماية المدينة والمنطقة"، مؤكدا مواصلة بلاده التركيز على هذه المسألة.

ولم يحظَ طلب أردوغان بإنشاء منطقة آمنة شمالي سوريا بأي دعم يذكر، وذلك على الرغم من تلويحه المتكرر بملف اللاجئين، الذي غالباً ما يهدد به الدول الأوروبية، ويستغلها من خلاله. كما لم يحظَ حديث أردوغان وأفكاره بخصوص وضع الأمم المتحدة، بأي اهتمام إعلامي، ولم يلق اذناً صاغية لدى أحد من المشاركين، وكان أعاد التذكير بعبارة "العالم أكبر من 5 (الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن)"، وبضرورة إصلاح المنظمة الدولية. وأوضح أن ترك مصير 192 دولة في الأمم المتحدة تحت رحمة 5 دول، "نهج خاطئ وغير عادل، أما مجموعة العشرين فهي تتمتع ببنية ديمقراطية وشاملة". وقال: "لن يكون من الصواب استمرار هيكل الأمم المتحدة، الذي تأسس وفق ظروف الحرب العالمية الأولى، إلى ما لا نهاية".

وشدّد الرئيس أردوغان، على ضرورة عدم تغييب قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي عن الأجندة الدولية، وذلك في سياق استغلال الحادثة، والسعي لإثارتها ليبرز نفسه المدافع عن حقوق الإنسان والحريات، لكن لم يعطِ أحد من القادة أي اعتبار يذكر كذلك لمحاولته تلك، وبدت خارج سياقها، ومدرجة في إطار الاستمرار بتشويه صورة المملكة العربية السعودية التي أثنى الرئيس الأميركي بشكل واضح على شراكته معها، وما حققته من خطوات إصلاحية واجتماعية واقتصادية.

تكرّرت خيبات الرئيس أردوغان في اليابان، وهو الذي ذهب مثقلاً بعار الهزيمة، وكُسرت شوكته ولم يستطع تحقيق أيّ مطلب من مطالبه، وظلّت تلك المطالب دائرة في إطار الأوهام والتمنيات التي لم تستدلّ إلى صيغة للتبلور والتجسد واقعاً.. ومن شأن هذا أن يبقيه أسير الشعارات الشعبوية والدعائية، ورهين الهزائم الواقعية والسياسية والاقتصادية، بحسب ما يلفت معارضون أتراك.