كلاب إسطنبول تكشف معاناة البشر

قبل خمس سنوات، حظيت قطط الشوارع المحبوبة في إسطنبول بمعاملة النجوم في فيلم كيدي (القطة). وحان الآن دور الكلاب الضالة التي تجوب شوارع اسطنبول، في علاقة مشحونة أكثر. والفيلم هو من إخراج إليزابيث لو، وسيكون متاحا للمشاهدة ابتداء من 5 مارس. ويحمل عنوان "ستراي"، أي "الضالة"، ويجمع بين الجمال والألم والفرح وكفاح الكلاب والبشر على حد سواء في إسطنبول.

كانت كلبة تدعى زيتون دليلنا في إسطنبول، وهي أنثى بالغة حجمها كبير، وجسمها غامق اللون مع نقاط داكنة تشير إلى أن أسلافها ينتمون إلى سلالة الكانغال. ويرجّح أن تكون جيناتها قد تشكلت من الحاجة إلى حراسة الماشية في بيئة ريفية. لكن زيتون تبدو حضرية تماما، وهي تتنقل في المدينة بسهولة مثل السكان المحليين. وتبدو غير منزعجة من الضوضاء والخطر الناجم عن التدفق المستمر لحركة المرور وعبور الشوارع. وتتحرك بين الحشود نحو وجهتها.

يبدأ الفيلم باقتباسات من ديوجانس. وتتواصل هذه الإقتباسات عبر الفيلم. و ديوجانس هو فيلسوف يوناني أصبح مسقط رأسه جزءا من تركيا، ويقارن حياة الكلاب وفضائلها بالبشر إيجابيا. وفي البداية، عندما تقارن زيتون مع الأشخاص الذين تصادفهم، تبدو حياتها نعمة إلاهية. فهي تذهب إلى حيث تريد، وتنام حيث تريد، وتطارد القطط، وتلعب مع الكلاب الأخرى، ويربت عليها عدد كبير من المارة.

في المقابل، وعلى أطراف اللقطات، تُسمع أصوات غير مجسّدة، تعكس قدرا من المشاكل اليومية التي يواجهها البشر الذين يقطنون في مدينة زيتون. يرثي البعض علاقاتهم، ويحتجون على العنف ضد النساء، وينظفون الشوارع، ويناقشون السياسة، كل ذلك بينما تجلس زيتون وكلاب الشوارع الأخرى في مكان قريب بلا مبالاة.

يأخذ الفيلم منعطفا مفاجئا عندما نسمع أحدهم يناديها باسمها، ونراها تهض وتركض بحماس نحو حشد من الأولاد. هؤلاء هم شعبها، وهم يشكّلون مجموعة أخرى من الفتيان السوريين اللاجئين "الضالين" الذين يعيشون على هامش الحياة في اسطنبول أيضا. ويعيش هؤلاء الأولاد حياة شبه مطابقة لتلك التي تحياها زيتون، لكنهم يتحمّلون لعنة الوعي بالذات، مما يجعلهم يعانون من إدراك أنهم غير مرحب بهم في المدينة، أو المجتمع الأكبر الذي يعيشون فيه. ويمكن أن نجمع من خلال هذه التفاعلات لمحات عن مدى قسوة الحياة بالنسبة لزيتون. ومثل الأولاد، تكافح من أجل العثور على الطعام والمأوى. فرغم طيبتها، إلا أنها تتعرض لنوبات عنيفة مفاجئة من الناس والكلاب الأخرى، وهي خارجة عن القانون، مجبرة على الهروب باستمرار من أولئك الذين يعتقدون أنها لا تنتمي إلى المدينة.

ومن المؤسف أنه في حالات الحرب والعنف وكوارث حقوق الإنسان، غالبا ما تحظى معاناة الحيوانات باهتمام أكبر من معاناة نظرائها من البشر. وقد استغلّت المخرجة هذه الحقيقة البديهية بذكاء لصالحها، حيث جذبت جمهورا بوعود بقصة عن الكلاب، ليجدوا قصة معاناة بشرية مستمرة.

لا تستحق زيتون القبض عليها وسجنها لمجرد وجودها، وكذلك نظرائها من البشر. حيث لم يختر أي منهما أن يكون ضالا، ويستحقان حياة خالية من الخوف والعوز والكفاح مثل أي مخلوق آخر يشتركان في المدينة معه.

لا تركز الكاميرا أبدا على الموقع أو المعالم الأثرية التي تميّز المدينة التي يدور فيها الشريط، بل على زيتون وكلاب الشوارع والأولاد اللاجئين. ويجبر إخراج المشاهد المتابعين على النظر إلى إسطنبول من الأسفل إلى الأعلى، واعتبار سكانها الأكثر ضعفا كائنات جديرة بالتقبّل وجميلة بنفس القدر.

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/stray/elizabeth-los-film-stray-not-just-about-istanbuls-street-dogs
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.