علي عبادي
أغسطس 20 2019

كوباني تنادي

هناك حقيقة لا يمكن اعتبارها بالأمر الجيد في تركيا، وهي أنها ومهما مر من وقت، فإن مشاكلها تبقى كما هي دون أي تغيير جذري.

رأيت هذا قبل سنوات في المكتبة، حين كنت أتصفح عناوين صحيفة قديمة.

بعدها، وفي بعض المجلات السياسية القديمة التي عثرت عليها في بعض محلات بيع الكتب المستعملة، لاحظت أننا رغم تغير الأسماء والتاريخ، لن نجد في مجلات الماضي اختلافا كبيرا عن مجلات الحاضر.

في تركيا وبعض الدول الأخرى، قد يتبدل القادة، لكن كل شيء عدا ذلك يبقى على حاله: ارتفاع الأسعار، البطالة، التضخم والإرهاب.

بالطبع أطلّت هذه الكلمة الأخيرة التي استخدمتها "الإرهاب" برأسها القبيح في تركيا كثيرا خلال السنوات الماضية، أحيانا في صورة اشتباكات بين اليسار واليمين، وأحيانا في صورة مذابح بحق العلويين، ثم هناك المعارك الدائرة في الجنوب الشرقي منذ نحو أربعين عاما.

خلال الفترة الأولى لحزب العدالة والتنمية في الحكم، حين بدا أن التغيير قادم، قالت جدتي رحمها الله "تركيا تشبه قطعة المطاط، تتمدد حين تسحبها، لكنها تعود لوضعها السابق حين تفلتها."

كانت جدتي الراحلة تشير إلى أن المشاكل لا تفتأ تظهر مرة أخرى. هي الأشياء نفسها تسيطر على الأنباء في البلاد: البطالة وارتفاع الأسعار وما يجري في الجنوب الشرقي.

خلال الأيام الماضية، شهدت تركيا الكثير من ردود الفعل المختلفة من مختلف أنحاء العالم بعد أن أعلنت خطتها لشن عمليات ضد حزب العمال الكردستاني بغرض تأمين حدودها إلى الشرق من نهر الفرات.

المشاكل لا تفتأ تظهر مرة أخرى
المشاكل لا تفتأ تظهر مرة أخرى

في البداية، انتاب الحلفاء قلق من أن تتسبب العملية في تشتيت انتباه وحدات حماية الشعب الكردية عن دورها الأساسي في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية لتركز أكثر بدلا من ذلك على قتال القوات التركية على الحدود.

ويزعم الحلفاء أن العملية تداخلت في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وزعم بعض الفصائل أن الجيش التركي إن بدأ عمليات في هذه المنطقة، فسيزيد احتمال أن يستعيد تنظيم الدولة الإسلامية عافيته.

وبعد إنشاء "مركز العمليات المشترك" بالتعاون مع الولايات المتحدة في بلدة سانليورفا في الجنوب الشرقي لتركيا، بدا وكأن العملية الخاصة بشرق نهر الفرات تمضي قدما على نحو جيد.

وعلى أي حال، وأيا كان ما كان يجري من كل هذا، فلن يسعني سوى التفكير في زيروكالكير، وهو اسم الشهرة لرسام الكاريكاتير الإيطالي مايكل ريك، مؤلف الرواية المصورة "كوباني تنادي".

ويعد كتاب "كوباني تنادي" أو الرواية المصورة لزيروكالكير التي ترجمت إلى اللغة الإنكليزية، ولقد كتبها بعد زيارة قام بها إلى الحدود التركية السورية.

نُشرت رواية "كوباني تنادي" للمرة الأولى عام 2016 بواسطة إنترناسيونالي وتحولت بعدها إلى كتاب.

وإلى جانب كونها كتابا مميزا، فإن "كوباني تنادي" تتيح إطلالة مهمة، بعيني كاتب غربي، على ما يحدث عند الحدود.

وبينما كان زيروكالكير يراقب الحرب بين الأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية، فإنه ضمّن روايته المصورة بعض المزاعم التي كان يسمعها معظم الناس للمرة الأولى.

على سبيل المثال، يشرح زيروكالكير في الكتاب كيف عرف الناس في قرية وهزير بإقليم سوروش (قرب كوباني) أيضا بزعم أن الجيش التركي كان يقطع التيار الكهربائي بحيث يتسنى لمتطوعين من تنظيم الدولة الإسلامية عبور الحدود.

زعم مثير آخر ورد في الكتاب بأنّ أحد لم يقاتل حقيقة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وبأن هناك من تعمد إطالة أمد الحرب رغم إمكانية تحقيق هدفها بالقضاء على عناصر الدولة الإسلامية بكل سهولة.

هذا الزعم تأكد في أغسطس حين أورده الصحفي فهيم تاشتيكين في مقابلة مع إلياس أيدين، وهو عضو من تنظيم الدولة الإسلامية مقبوض عليه ويعرف باسم شهرة هو "أبو عبيدة."

وقال أيدين عن تنظيم الدولة الإسلامية "هناك أحزاب لا يمكنها خوض حرب بنفسها، لذا تبقى هناك وتحارب بالوكالة. هم ببساطة يرون في حربنا مساحة جيدة للقيام ببعض الأعمال، وهم مستعدون لغض الطرف. لا يقتصر هذا على تركيا وحدها، فهو موجود في أميركا وروسيا، يحدث هذا في كل هذه الدول."

في رواية "كوباني تنادي"، ورغم المنظور الغربي الذي يتناول به زيروكالكير الأمر، فإنه يؤمن بأن تنظيما مثل الدولة الإسلامية لا يمكن أن يظهر هكذا فجأة في قلب الشرق الأوسط ما لم يحتضنه شخص ما له مصلحة ما يرغب في تحقيقها من وراء التنظيم."

من وجهة النظر التركية، فإن أحد الأشياء المهمة تتمثل في الطريقة المختلفة التي يتم بها تصوير الأكراد في وسائل الإعلام الغربية عنها في الداخل التركي.

هناك من تعمد إطالة أمد الحرب
هناك من تعمد إطالة أمد الحرب

مثال بيّن على هذا التناقض في الصورتين ما نراه من الإعلام الغربي الذي يصور شابات كرديات جميلات يقاتلن في كوباني، بينما في تركيا يتم انتقاء صور لرجال ملتحين متقدمين في السن بشعور طويلة لنشرها عن الأكراد.

لقد جذبت كتائب النساء في وحدات حماية الشعب الكردية اهتمام الإعلام في الغرب منذ فترة طويلة.

لكن الكتاب يبيّن كيف أن الأكراد لا يقيّمون النساء استنادا إلى مشاركتهم في الوحدات المسلحة.

وفي أحد فصول الرواية يحمل اسم فتاة روجافا، تظهر نيروز كوباني كفتاة صغيرة السن تقود معسكرا.

وتشرح الفتاة مواقع أخرى مهمة تحتلها النساء الكرديات.

هناك مثلا نازلي بينسي التي انتخبت رئيس لبلدية سوروش (في الانتخابات الماضية، انتخبت هاتيسي شيفيك رئيسة لبلدية، وهو ما يعني أن سوروش لا تزال تقودها امرأة).

هناك أيضا امرأة تشغل منصب رئيسة للمجلس البلدي في قرية مهزر.

وبخلاف هذا كله، قالت نيروز كوباني إن شيئا آخر يقوّض المزاعم التي يروج لها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وهو حجم الأموال التي منحوها لمعسكرات اللاجئين.

وحين تحدثت إلى زيروكالكير، شرحت نيروز كوباني كيف أن الحكومة التركية لا تدفع قرشا واحدا لتلك المعسكرت، التي يحصل في الواقع على الدعم من متطوعين ومن مدن كردية.

وبالنظر إلى تركيا من الداخل، نجد الكثير من الأشياء التي لا يراها الناس، خاصة إن وصلتهم هذه الأشياء من خلال وسائل الإعلام الكبرى وليس من قنوات بديلة.

لكننا نجد صورة مختلفة كليا في بلدان أخرى حين نطالع وسائل البث غير الناطقة باللغة الكردية.

في الواقع، من الصعب للغاية تحديد الطرف الذي يظهر الحقيقة كاملة، لكن الصورة الحقيقة لتركيا موجودة في مكان ما.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/northern-syria/kobane-calling
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.