كورونا يضرب تركيا بشكل أقوى من إيطاليا

في العاشر من مارس، أعلنت تركيا عن أول حالة إصابة بفيروس كوفيد-19 المعروف باسم فيروس كورونا المستجد وسرعان ما تم وضع المريض في الحجر الصحي، وهو مواطن تركي عاد لتوه من أوروبا، وكذلك عائلته والآخرين الذين خالطوه.

وقال وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة في ذلك الحين "لقد تم إجراء تشخيص مبكر. إذا كان هناك إصابة في البلاد، فهي محدودة للغاية، مضيفاً أن المستشفيات مستعدة تماماً لإجراء فحص للأشخاص المشتبه في إصابتهم بالفيروس. وتابع قائلاً "إن فيروس كورونا ليس أقوى من الإجراءات التي سنتخذها".

وبعد أسبوعين، تجاوز عدد حالات الإصابة المؤكدة في تركيا 1500 حالة وتوفي 37 شخصاً - وهو معدل انتقال مبكر أسرع من إيطاليا. لكن قوجة رفض هذا الأسبوع مزاعم بأن الحكومة كانت بطيئة في استجابتها وأجرت اختبارات أقل جداً من اللازم.

ويعتقد ستيفن أيه. كوك، كبير الباحثين في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية، أن تفشي المرض في تركيا بدأ قبل أن يتم الإفصاح عنه علناً.

وقال لموقع أحوال تركية في مقابلة إذاعية "أبلغني أشخاص داخل تركيا أنه كانت هناك زيادة كبيرة في حالات الالتهاب الرئوي في وقت مبكر وأن الحكومة كانت تحاول إخفاء التشخيص.. هذا يشير إلى أن تفشي المرض كان أطول مما تبلغ عنه الحكومة".

واتفق أيكان إردمير، مدير برنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، على أن المسؤولين الأتراك ربما يكونون قد تحايلوا على الأرقام عند ظهور فيروس كورونا لأول مرة.

وقال لموقع أحوال تركية: "ربما بدأ التستر مبكراً وقد تكون الصورة قاتمة أكثر مما تبدو عليه.. لو استجابت تركيا في وقت سابق، وأكدت حالتها الأولى في وقت سابق، واستخدمت ذلك لتطبيق قواعد ولوائح مختلفة أكثر صرامة، أعتقد أن مكافحة فيروس كورونا كان يمكن أن تكون أكثر فعالية".

وحذرت نقابة الأطباء التركية من أن عدد الحالات أعلى بكثير من تلك التي أعلنت عنها وزارة الصحة وما زالت السلطات التركية ترفض الكشف عن أماكن الإصابة أو الوفاة، في حين تحتجز الصحفيين الذين يحاولون القيام بذلك.

ويتمثل أحد بواعث القلق الرئيسة في مدى الثقة في المسؤولين الأتراك ووسائل الإعلام الموالية للحكومة بشكل أساسي في تقديم معلومات دقيقة عن تفشي المرض، لا سيما في غياب أي مجتمع مدني حقيقي وقمع الانتقادات عبر الإنترنت. فقد تم اعتقال ما يربو على 300 شخص في تركيا بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بفيروس كورونا.

وقال إردمير "إن المعلومات الواضحة والمتسقة والمستندة إلى العلم من مصادر موثوقة ومحترمة هي مفتاح مكافحة أي وباء.. بالنظر إلى وسائل الإعلام والبيئة السياسية في تركيا، أود أن أقول إن هذا صعب للغاية في تركيا".

وينسب ستيفن أيه. كوك الفضل إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان في تحسين نظام الرعاية الصحية في تركيا بشكل كبير خلال 18 عاماً في السلطة، في حين رأى إردمير أن المستشفيات العملاقة في تركيا يقع على عاتقها مسؤولية كبيرة خلال تفشي فيروس كورونا.

وفي مايو الماضي، أشرف أردوغان على افتتاح أحد أكبر المستشفيات في العالم، مستشفى مدينة أنقرة، والذي تكلف مليار يورو وتصل قدره الاستيعابية إلى ما يزيد على 3800 سرير في مبنى بحجم 100 ملعب لكرة القدم. وفي ذلك الوقت، اشتكى منتقدون من أن نموذج المستشفى الواحد جعل من الصعب السيطرة على انتشار العدوى وهو أحد الأسباب التي جعلت معظم المستشفيات الكبرى تبدأ في بناء العديد من المباني المنفصلة في السنوات الأخيرة.

علاوة على ذلك، تم تمويل نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تركيا لبناء مستشفى مدينة أنقرة و16 مستشفى ضخماً آخر، وتم تمويلها بقروض باليورو، مما جعل من الصعب سدادها في أعقاب الانخفاض الشديد الذي شهدته الليرة في عام 2018 والانخفاضات اللاحقة. وتم تعليق سبعة من مشروعات المستشفيات الضخمة، ووصلت الليرة يوم الاثنين إلى أدنى مستوى لها في 18 شهراً عند 6.6 مقابل الدولار.

وقال إردمير "أصبح من الصعب للغاية بالنسبة للحكومة أن تقوم بسداد هذه المدفوعات في وقت تتعرض فيه الميزانية العامة التركية لضغوط هائلة"، وأشار أيضاً إلى المخاوف الطبية الناتجة عن المستشفيات كبيرة الحجم.

وتابع قائلاً "الإدارة صعبة للغاية والنظافة صعبة للغاية واحتواء تفشي المرض صعب للغاية. أعتقد أن أردوغان سيتعلم الدرس بطريقة صعبة أن الأكبر ليس دائماً أفضل.. خلال وباء فيروس كورونا، ستصبح هذه المستشفيات الضخمة في الواقع جزءاً من المشكلة".

وثمة مبعث قلق آخر يتعلق بعمليات التطهير الواسعة التي قامت بها الحكومة في أعقاب الانقلاب الفاشل في عام 2016. وكثيرون ممن تم فصلهم من وظائفهم كانوا يعملون في مجال الرعاية الصحية، التي تواجه الآن نقصاً في العاملين على الرغم من أن قوجة قال يوم الاثنين إن السلطات تعتزم توظيف 32 ألفاً آخرين من المهنيين في المجال الطبي. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال حوالي 50 ألف شخص في السجون بسبب الانقلاب الفاشل.

ودعا عدد من المحللين والجماعات المعنية بحقوق الإنسان إلى إطلاق سراح آلاف السجناء الأتراك الذين يواجهون مخاطر صحية جمة في السجن. وأشارت الحكومة إلى أنها قد تطلق سراح عتاة المجرمين، مثل القتلة والمغتصبين، في حين تبقي على احتجاز المدانين بتهم الإرهاب، والتي تشمل أولئك الذين طالتهم عمليات التطهير بعد الانقلاب، إلى جانب آلاف السياسيين والصحفيين والنشطاء.

ورأى كوك في خطة الحكومة وصفة لكارثة وقال "تشير جميع التقارير المرموقة إلى أن سجون تركيا قد تكون وجبة مروعة لفيروس كورونا، ونعلم أن هناك الآلاف والآلاف من الأشخاص في السجون بتهم مشكوك فيها.. إن الأشخاص في السجن لأسباب سياسية بحتة لجرائم الفكر قد يعانون بشكل كبير من جراء ذلك".

وقال كوك إن الحكومة التركية في الأيام الأخيرة اتخذت في الغالب الخطوات الصحيحة، بما في ذلك إغلاق الشركات وإلغاء السفر الجوي وفرض حظر التجول على المسنين. وأغلقت المدارس والجامعات والصالات الرياضية ودور السينما والمتاجر والمقاهي والحانات، في حين أغلقت المساجد أمام أداء صلاة الجمعة. وفي الأسبوع الماضي، ألغت السلطات جميع الأحداث الرياضية الاحترافية وأعلن أردوغان عن حزمة مساعدات بقيمة 15.4 مليار دولار لتعزيز الاقتصاد ودعا الناس إلى التزام بيوتهم.

وبدأت تركيا في إنتاج أجهزة التنفس واستيراد دواء علاجي من الصين وقال كوجا إن السلطات تخطط لزيادة عدد الاختبارات في الأيام المقبلة، بما في ذلك استخدام مجموعات الاختبار السريع الواردة من الصين. وداهمت الحكومة الشركات المنتجة لكمامات الوجه يوم الاثنين لوقف أي تخزين، وهي خطوة اعتبرها كوك حكيمة.

وقال كوك "أعتقد أن الأتراك الآن على المسار ويفهمون ما يتعين عليهم القيام به. إنهم يتخذون الخطوات الصحيحة"، لكنه توقع مشكلة أيضاً. وتابع قائلاً "مع توسع هذه الأزمة في تركيا، سيكون من الأصعب على مسؤولي الصحة والرئيس أردوغان الحفاظ على هذا المظهر الزائف بأن الوضع دائماً تحت السيطرة وسيكون تحت السيطرة".

هذا، إلى جانب توقعات مثل تلك الخاصة بأونور باشير من جامعة ميتشجان الذي يتوقع ما يصل إلى 32 مليون إصابة في تركيا وما يصل إلى 600 ألف حالة وفاة، الأمر الذي قد يعزز رغبة القيادة التركية في تبني المزيد من الإجراءات الأكثر صرامة التي أثبتت نجاحها نسبياً في بلدان أخرى.

وقال كوك "حقيقة أن الصينيين على الأقل يقولون إنهم لم يسجلوا أي حالات إصابة جديدة في الداخل لمدة خمسة أيام تزيد من الإغراءات السلطوية بين الحكومات.. أعتقد أنك ستبدأ في رؤية جماهير تريد ذلك، وهذا يأتي في صالح نقاط القوة لدى المستبدين الذين يمكنهم إغلاق بلدانهم باستخدام القوة".

وتصور إردمير أن أردوغان يرى الوباء على أنه فرصة لترسيخ حكمه من خلال اتخاذ إجراءات أكثر قسوة لوقف انتشار الفيروس.

وقال إردمير "لن تكون مفاجأة إذا خرج أردوغان من هذا التحدي بشرعية أقل بكثير، ولكن بقوة سياسية أكبر وقوة قسرية أكبر.. من شأن ذلك أن يعكس سيناريو مظلماً للغاية لمستقبل تركيا".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/coronavirus/turkeys-coronavirus-response-may-soon-turn-draconian
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.