كيف أفشل الأكرادُ مكائدَ أردوغان في انتخابات إسطنبول؟

أنقرة - كيف أفشل الأكرادُ مكائدَ الرئيس التركي ومساعيه لتشتيت أصواتهم في انتخابات بلدية إسطنبول؟ ألم يكن الصوت الكرديّ هو المرجّح لفوز مرشّح المعارضة أكرم إمام أوغلو؟ هل عاقب الأكراد أردوغانَ على تهميشه لهم ومحاربته إياهم وتدميره لمدنهم وقراهم؟ هل حقّاً كان الصوت الكردي في إسطنبول بيضة القبّان المرجّحة لفوز المعارضة برئاسة البلدية؟ هل يَعتبر الرئيس أردوغان من سياساته، التي توصَف من قبل معارضيه بالمتهوّرة والشعبوية، أم أنّه سيتمادى أكثر ويلجأ لسياسات انتقامية تساهم بزرع مزيد من الانقسامات والشروخ في المجتمع التركي؟

حاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الأيام التي سبقت انتخابات بلدية إسطنبول تشتيت أصوات الأكراد، وكسب تأييد قسم منهم، ولجأ إلى مكائد سياسية من أجل تحقيق ذلك. استعان أردوغان، بطريقة غير مباشرة، بالزعيم الكردي عبدالله أوجلان المعتقل في سجن إيمرالي منذ سنة 1999، وتمّ نقل رسالة على لسانه من قبل أكاديمي كردي زاره في سجنه، وطلب من أنصاره التزام الحياد في الانتخابات، ولم يطلب دعم مرشّح العدالة والتنمية ولا مرشّح المعارضة.

وتحدّث أردوغان شخصياً وكذلك وسائل إعلام رسمية عن رسالة وجهها الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان من سجنه داعياً فيها أنصار حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، إلى الحياد. لكن الحزب ندّد بمناورة تقوم بها السلطات وتهدف إلى تقسيم الناخبين. ودعا كما فعل في مارس، إلى التصويت لإمام أوغلو.

وكانت وكالة الأناضول التركية الرسمية للأنباء نقلت خبراً وصفت فيه أوجلان بالإرهابيّ، وأنه دعا أنصار حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، لالتزام الحياد السياسي قبل انتخابات بلدية إسطنبول، في إشارة إلى أنه ربما يقترح عليهم الامتناع عن التصويت. ونقل الأكاديمي علي كمال أوزجان الذي زار أوجلان الخميس عنه قوله "نهج التحالف الديمقراطي للحزب ينبغي ألا يكون جزءا من المساجلات الانتخابية الحالية. أهمية التحالف الديمقراطي هي أنه يتمسّك بموقفه الحيادي".

وقال أردوغان إن بيان أوجلان يشير إلى "صراع خطير على السلطة" فيما بين القيادات الكردية. وردّ الرئيسان المشاركان لحزب الشعوب الديمقراطي برفين بولدان وسيزاي تيميلي في بيان مشترك بالقول "مساعي الرئيس أردوغان لتأليب حزبنا ضد السيد أوجلان عبر نصّ مسرّب بطريقة غير أخلاقية يظهر مدى اليأس الذي وصل إليه". وسارعا إلى اتهام أردوغان بمحاولة بث الفرقة في صفوف الأكراد قبل إعادة انتخابات بلدية إسطنبول، حيث كان الدعم الكردي أساسيا في مساعدة إمام أوغلو على التغلب بهامش بسيط على مرشح الحزب الحاكم بن علي يلدريم في انتخابات مارس.

الأكراد يساهمون بتقويض سلطة أردوغان المطلقة
الأكراد يساهمون بتقويض سلطة أردوغان المطلقة

ووُصفت مؤامرات أردوغان ومكائده أيضاً بأنها ساهمت في أن ينقلب السحر على الساحر، ذلك أنّ آماله وأوهامه التي عقدها على دعوة أوجلان لأنصاره بالتزام الحياد انقلبت عليه، وأدّت إلى انفضاض حلفائه من حزب الحركة القومية اليميني المتشدّد من حوله، وتصويت قسم منهم لمرشّح المعارضة، وكأنّهم انتقموا من مهادنته المزمعة للأكراد، ومحاولته مسايرتهم عبر السماح للزعيم أوجلان بلقاء محاميه، وإرسال رسائل إلى أنصاره.

وبالرغم من أن دعوة أوجلان جاءت متناقضة مع دعوة الزعيم الكردي الآخر السجين صلاح الدين دميرطاش الذي يحظى بدوره باحترام وتقدير كبيرين لدى أنصاره في حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، والذي دعا إلى التصويت لمرشّح المعارضة، بصيغة بدت أنّها معاقبة لصلَف حزب العدالة والتنمية وتطرّف حليفه اليميني الحركة القومية، إلّا أنّها ظلّت محدودة التأثير.

وسعى أردوغان كذلك إلى استغلال أصوات مَن لم يصوّتوا، وراهن على تقسيم الشارع التركي والكردي، وإرهاب الناخبين، من خلال تصريحاته أنّه ستتمّ محاسبة أكرم إمام أوغلو بعد الانتخابات بذريعة أنّه على صلة بفتح الله غولن المتّهم بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في يونيو 2016، ومحاولته الربط بينه وبين الإرهابيين، الذين يشير من خلالهم ضمناً إلى الأكراد المناوئين له من أنصار الشعوب الديمقراطي. 

وجاهد كذلك على الإيقاع بين الأكراد والكماليين من أنصار الشعب الجمهوري، وحاول استمالة قسم أكبر من الأكراد المحافظين، وكان يأمل أن يتقلص الفارق بين إمام أوغلو ويلدريم، وجهد لحشد الناخبين المحافظين الذين امتنع بعضهم عن التصويت أو صوّتوا لخصم إسلامي في مارس، بالإضافة إلى حشد الأكراد.

وشكّل الأكراد الذين يُعتبر تصويتهم حاسماً، موضع معركة شرسة بين المتنافسين، ولم يفلح ما عمد إليه حزب العدالة والتنمية من تلطيف لنبرته بشأن المسألة الكردية في الأسابيع الأخيرة، وذهاب يلديريم إلى حدّ التحدث عن "كردستان"، وهي كلمة محظورة في معسكره، من ثني الأكراد عن معاقبته بالتصويت لمنافسه.

أكّد الأكراد في إسطنبول باختيارهم التصويت لصالح مرشّح المعارضة، والمساهمة بفوزه وخسارة مرشّح أردوغان، أنّهم الورقة الصعبة في الانتخابات التركية، وأنّ صوتهم ذهبيّ فيها، ولا يمكن لحيل أردوغان السياسية، ولا لوعوده الزائفة أن تلهيهم عن اختيارهم المشاركة في إضعافه وكسر هيبته وهيبة حزبه الذي يحكم تركيا منذ أكثر من 17 عاماً.

كما أكّد الأكراد أيضاً على أنّ رهان أردوغان على ما يوصف بالتقديس الذي يوليه الأكراد في تركيا لأقوال وآراء زعيمهم المعتقل عبدالله أوجلان لا يجدي في التلاعب بهم، والتحايل عليهم، ودفعهم إلى التصويت لما يدعم سلطة أردوغان التي يصفونها بالاستبدادية، وأنّ تقديرهم لزعيمهم المعتقل لا يعني عدم تحليهم بالمرونة السياسية التي تمهّد لهم المساهمة في تقويض سلطة أردوغان المطلقة، وتقوية معارضيه وإمكانية تحقيق مكتسبات سياسية بناء على ذلك.