أحمد كولوسوي
أغسطس 24 2019

كيف انتقل صخب إسطنبول الليلي إلى الجزء الآسيوي

شهدت إسطنبول، كبرى مدن تركيا وقلبها النابض، تغييرات هائلة خلال السنوات العشر الماضية بينها تحول حي باي أوغلو - الذي لطالما اعتبر مركز الحياة الاجتماعية في الجانب الآسيوي من المدينة - إلى منطقة تستقطب بشكل أساسي سياحا قادمين من مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
أما سكان إسطنبول أنفسهم الباحثون عن بيئة أكثر تحررا فيقصدون هذه الأيام حي كاديكوي، وهي ضاحية حيوية على شاطئ الجانب الآسيوي من المدينة.

وتسارعت وتيرة التحول في حياة إسطنبول الليلية بعد احتجاجات ساحة غيزي عام 2013 التي كانت أكبر مظاهرات مناوئة للحكومة تشهدها البلاد منذ صعود حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة عام 2002.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الأنشطة السياسية ستحظر في ميدان تقسيم في حي باي أوغلو، وهو ميدان قريب من ساحة غيزي ومركز تاريخي للمعارضة.

ومع انطلاق مشروع بناء، بدأت التغيرات تظهر على الميدان وارتفعت قيمة الإيجارات في شارع الاستقلال، وهو شارع عريض للمشاة يقطع حي باي أوغلو.

وأغلقت محال أبوابها لتحل محلها أخرى من أجل تقديم الخدمات للسياح الجدد القادمين من الشرق الأوسط.

ويقول الأستاذ الجامعي والكاتب مراد بيلجي إن ما ينظر إليه الآن باعتباره النسخة القديمة من حي باي أوغلو هو نتاج سنوات طويلة من التحولات الاجتماعية والسياسية.

وبعد حريق هائل عام 1871 أتى على غالبية البنايات، أُعيد بناء حي باي أوغلو بطريق حديثة تناسب ذلك الوقت.

حينها تغير حتى سكان المنطقة ليغلب عليها غير المسلمين الذين أنشؤوا ضاحية جديدة حول السفارات الأجنبية التي فتحت أبوابها في المدينة التي كانت في ذلك الحين عاصمة للدولة العثمانية.

وإلى جانب السياسات المائلة للغرب للإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت، فإن حي باي أوغلو ببناياته التجارية الكبيرة وحاناته ومسارحه أصبح مركزا للحياة الليلية في إسطنبول.

وخلال فترة حرب الاستقلال التي تلت الحرب العالمية الأولى، احتلت قوات الحلفاء لفترة قصيرة مدينة إسطنبول متعددة الثقافات والأعراق.

واعتبرت إسطنبول منطقة للأجانب بشكل أساسي، بينما كانت النظرة لأنقرة باعتبارها مدينة تركية خالصة.

وقال بيجلي "لم تتفق طبيعة الحياة الصاخبة في حي باي أوغلو مع التيار القومي. وبالتالي بدأت أجراس الموت تدق للحي."

في حقبة الخمسينيات من القرن العشرين، بقي باي أوغلو على حاله كمعقل للحياة الاجتماعية، لكن غير المسلمين هجروه ليسكنه نازحون جاؤوا في موجات من ريف تركيا في الثمانينيات لتتغير التركيبة السكانية في الحي.

وقال بيجلي "المجتمع في تركيا في حالة صراع مع تاريخها."

وأضاف الكاتب التركي أن هناك رغبة دائمة لدى البعض لإعادة كتابة التاريخ. ونتيجة لذلك، فُرضت رؤى جديدة على حي باي أوغلو مع كل تغير في موازين القوى.

وقال بكير أوزجان قائد فرع باي أوغلو من حزب الشعب الجمهوري، وهو أكبر الأحزاب العلمانية المعارضة، إن التحول الذي شهدته المنطقة ينبغي النظر له مع الأخذ في الاعتبار الحزب الذي يسيطر على مقاليد الأمور في حي باي أوغلو في الأزمنة المختلفة.

ومنذ عام 1994، هيمن حزب العدالة والتنمية الذي يقوده الرئيس رجب طيب أردوغان على السلطة وتعاقب حكام إسلاميون على حكم المدينة.
وقال أوزجان إن حي باي أوغلو يشهد غزوا ثقافيا.

وأضاف موضحا "النسيج التاريخي للحي تعرض للتدمير. لقد صبّوا الإسمنت في كل منطقة أمكنهم فيها ذلك."

وتابع "حين تسير بطول شارع الاستقلال، كنت سترى مكتبات على اليمين واليسار. كانت هذه مكتبات تبيع كتبا قديمة وكانت هناك أيضا دور سينما. لقد كان باي أوغلو مركزا يستقطب الناس. الآن يهرب منه الجميع."

وقالت زينب تانباي، وهي راقصة تقيم منذ فترة طويلة في حي باي أوغلو "في كل مرحلة، يبدأ من يملكون السلطة عملية لإعادة تشكيل باي أوغلو وفقا لعقلياتهم ولثقافتهم. واليوم لم يتركوا لنا سوى بعض من محال الحلوى والبقلاوة التي افتتحت قبل يوم واحد لكنهم يزعمون أنها تعمل منذ الأربعينات. هناك أيضا محال تبيع ملابس رخيصة."

وأضافت "اليوم شارع الاستقلال لم يعد به ولا مقهى كما قطعت جميع أشجاره."

ولا يعدم شارع الاستقلال اليوم الزحام، لكن نوعية الرواد تغيرت.

وقال بيلجي "الأغلبية اليوم من السوريين ومن العرب. اليوم صار مجرد السير في حي باي أوغلو أمرا صعبا. تسمع أصواتا تتحدث باللغة العربية على الدوام. دور السينما في شارع الاستقلال تغلق أبوابها، فالقادمون الجدد إلى حي باي أوغلو لا يهتمون بالسينما. لقد شيدوا نسخة جديدة من باي أوغلو."

ويقول البعض إنها لحظة النهاية لحي باي أوغلو.

لكن الكاتب والصحفي أوميت كيفانج يخالفهم الرأي، بالقول إن المكان، رغم ما يشهده من زيادة في عدد السكان والعائلات والأطفال، لا يزال مساحة تنخرط فيها الأجناس.

وقال "يتغير ملاك المحال بشكل مستمر، وهذه في الأغلب نتيجة لجشع الملاك. بدؤوا بالطبع في تلبية ما يطلبه الزبائن، وبالتالي نشهد المزيد من محال الحلويات."

وأضاف "ليس هذا فحسب، بل هناك أيضا محال متخصصة في بيع الفلافل افتتحها سوريون على ما أعتقد، وهي محال تحقق أرباحا هائلة."

وقال كيفانج أيضا إن الحي قد يتغير مرة أخرى، على سبيل المثال لو شهد زيادة في أعداد السائحين الغربيين.

لكن ومع الارتفاع الكبير في قيمة الإيجارات، بات من المستحيل على السكان من الأتراك العثور على مطاعم ومقاه متوسطة المستوى.

وتابع قائلا "بسبب ارتفاع الأسعار، ينسحب من يفضلون إجراء دردشة بسيطة من باي أوغلو تاركين المكان لمحبي الترفيه."

الناس يستمتعون بأمسية صيفية في منطقة كاديكوي.
الناس يستمتعون بأمسية صيفية في منطقة كاديكوي.

وأثار التحول في الحياة الاجتماعية لحي باي أوغلو من يقيمون منذ فترة طويلة في ضاحية كاديكوي العلمانية، التي كانت يوما مساحة للحرية خاصة للنساء، بوجود مطاعم ومقاه بسيطة، والأكثر أهمية انتشار المقاهي الشعبية على طول الشاطئ.

وقال أوزجان سابان، الذي انتقل للسكن في الضاحية عام 1985 "حين انتقلت للسكن في كاديكوي، كان مكانا بوسع النساء فيه السير دون مرافق حتى تصل منزلها حتى وهي ترتدي ملابس دون أكمام في منتصف الليل."

وأضاف "اليوم لم يعد هذا أمرا ممكنا. لقد أصبحت منطقة كاديكوي مصدر جذب لكن بدرجة تجعلني أظن أنه لو استخدم الجميع الحمامات في نفس الوقت فسنغرق في مياه المجاري."

وقال أولاش جيتين، وهو مدون يعيش في الضاحية منذ 20 عاما، إن هناك مبالغات تتعلق بالأساطير الرومانسية التي صورت كاديكوي وكأنها الجنة الموعودة.

وأضاف جيتين "صحيح أن شوارع كاديكوي كانت موطنا للكثير من الثقافات المختلفة، وصحيح أن المكان كان يعج بالرقص والمجون والأدب السري.

لكن بخلاف هذا، فإن الطبقة الوسطى كانت دائما هي من يرسم الهوية الحقيقية للضاحية، وهؤلاء لا يقض مضاجعهم شيء سوى راحتهم."

وتابع "لذا، يعتبر سكان ضاحية كاديكوي أن في المعارضة رفضاً لأي تدخل في طريقة ملبسهم أو لاحتسائهم الخمور. هذا أمر يصب أيضا في صالح القوة السياسية. فالقوة المحافظة تروّج لكاديكوي في أوساط الشباب من مختلف أنحاء إسطنبول باعتباره مكانا يمكنهم التصرف فيه كيفما شاؤوا."

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/istanbul/istanbul-nightlife-moves-asia-beyoglu-undergoes-latest-wave-change
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.