كيف استخدم بوتين رهاب تركيا من الأكراد للفوز في سوريا

نجح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في استغلال الرهاب الشديد من الأكراد، والذي يُعاني منه نظيره التركي رجب طيب أردوغان، في مساعيه الرامية إلى مساعدة دمشق على استعادة السيطرة على سوريا. ويتمثل هدف بوتين الرئيس في إقناع تركيا بالعودة إلى اتفاق أضنه الذي أُبرم عام 1998، واستعادة علاقاتها مع دمشق.

ومنذ بداية الحرب الأهلية السورية، وروسيا وتركيا تدعمان أطرافاً مختلفة. وكانت تركيا تريد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد لتحل محله حكومة إسلامية، بينما فعلت روسيا كل شيء ممكن لإبقائه في السلطة.

واتخذت الأمور منحى سيئاً بشكل خاص بالنسبة لفصائل المعارضة في سوريا، عندما بدأت روسيا تدخلاً عسكرياً ضدهم بالنيابة عن الأسد في سبتمبر 2015. قاد هذا في نهاية المطاف إلى إسقاط تركيا طائرة روسية مقاتلة في نوفمبر. وفي ديسمبر 2015، اتهم الجيش الروسي أردوغان وأسرته بالتورط في تجارة النفط بشكل غير مشروع مع تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي 19 ديسمبر 2016، أطلق مسلح تركي النار على سفير روسيا لدى تركيا. فضلاً عن ذلك، فإن تركيا اتهمت روسيا بتزويد المقاتلين الأكراد داخل تركيا بالسلاح في مايو 2016.

غير أن العلاقات شهدت تحولاً في يونيو 2016، عندما قدّم أردوغان اعتذارا عن إسقاط الطائرة الروسية.

كانت تلك من المناسبات النادرة التي اعتذر فيها الرئيس التركي عن سلوك بلاده المشين في المنطقة. فأردوغان لم يعتذر أبداً للغرب عن تصرفاته، بما في ذلك عندما وصف الهولنديين بأنهم "نازيون". وأدان الرئيس بوتين أيضاً محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي وقعت في يوليو 2016 ضد أردوغان.

ومنذ ذلك الحين، نجح بوتين في استغلال تركيا لتقويض حلف شمال الأطلسي وإضعاف المعارضة السورية عبر تحويل الأنظار بعيداً عن الأسد. واستفادت روسيا أيضاً في خططها للهيمنة على سوق الغاز، حيث نجحت في استبعاد تركيا كمسار بديل لنقل الغاز إلى أوروبا. فضلاً عن ذلك فإن تركيا اشترت نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس-400 في صيف العام الجاري، وهو ما أغضب البنتاغون والكونغرس الأميركي.

انهارت عملية السلام التركية مع الأكراد في يوليو 2015، وكان ذلك سبباً في زيادة المخاوف التركية، إلى جانب مخاوفها من أن يحصل أكراد سوريا على المزيد من الشرعية بعد أن أصبحوا الشريك الرئيس ضد تنظيم الدولة الإسلامية في عام 2015. وقد استغلت روسيا هذا لمصلحتها.

ومنذ عام 2016 وروسيا تدعم العمليات العسكرية التي تنفذها تركيا في شمال غربي سوريا، بما في ذلك عملية درع الفرات في عام 2016 وعملية غصن الزيتون في عام 2018، وأيضاً عملية نبع السلام في الآونة الأخيرة.

وكان الرئيس الروسي يعلم أيضاً أنه إذا كان لتركيا أن تهاجم الأكراد في شمال شرقي سوريا، فإن الأكراد سيضطرون إلى طلب المساعدة من دمشق. وعندما هاجمت تركيا مدينة عفرين الكردية في عام 2018، عرضت روسيا على الأكراد خيارين، إما تسليم عفرين ومناطق أخرى بالكامل للأسد، أو مواجهة الحنق التركي. واختار الأكراد المقاومة.

وعندما طلب الأكراد في عفرين من الحكومة السورية حماية حدودها في وقت لاحق، كان الأوان قد فات بالفعل. وقبل العملية التي شنتها تركيا من جانب واحد في عفرين، كانت روسيا قد قدمت دعمها للأكراد في مواجهة قوات المعارضة بالقرب من حلب. وحصل أحد قادة وحدات حماية الشعب التي يقودها الأكراد على جائزة في موسكو في ديسمبر 2017. وبعد ذلك بشهر واحد، انسحبت روسيا من عفرين وشعر الأكراد بأنهم تعرضوا لخيانة.

وقوضت العمليات التركية ضد الأكراد القوة البشرية التي تمتلكها المعارضة في قتالها ضد الحكومة السورية في حلب ودمشق وإدلب تماماً. ودفعت تلك العمليات تركيا أيضاً إلى الوقوف ضد الولايات المتحدة، بدلاً من الأسد وروسيا. واستخدمت تركيا مسلحين من المعارضة لمحاربة الأكراد، وليس الأسد. ولم توقف نقاط المراقبة التي نصبتها تركيا في إدلب تقدم الأسد.

في النهاية، فإن كل ما كان يعني تركيا هو التخلص من الأكراد في عفرين، لا في إدلب. وانخرطت تركيا أيضاً في صفقات لإجلاء المعارضة عن مناطق أخرى كانوا قد تعرضوا للهزيمة فيها على يد قوات الأسد.

من ثم فإن بعض المسؤولين الأكراد ووسائل الإعلام المحلية يرجحون أن تكون تركيا قد باعت حلب لصالح باب، بينما بيعت عفرين لصالح الغوطة. فقد تم توطين الناس من الغوطة في عفرين بعد أن هُزم الأكراد في مارس 2018.

واستفادت روسيا أيضاً من سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانعزالية. وتواصل الأكراد مع دمشق وموسكو بعد أن أعلن ترامب الانسحاب الأميركي من سوريا في ديسمبر 2018. لكن دمشق لم تكن راغبة في القبول بهذا. وانتهى الأمر ببقاء القوات الأميركية، لكنها تنسحب الآن. وكانت دمشق وموسكو تنتظران فقط اندلاع صراع تركي كردي، أو مغادرة القوات الأميركية بعد تغريدة أطلقها ترامب.

وقوّضت العلاقات الروسية التركية الجديدة أيضاً حلف شمال الأطلسي والعلاقات الأميركية التركية. وتفرض دول الاتحاد الأوروبي حظراً على تسليح تركيا، بينما تتضرر سمعة البلاد داخل حلف شمال الأطلسي. وتفرض الولايات المتحدة أيضاً عقوبات ضعيفة على تركيا.

والآن، ومع انسحاب الولايات المتحدة، يبدو أن روسيا هي القوة الرئيسة التي ستقرر مستقبل سوريا. هذا إذا لم يؤدي وقف إطلاق النار الأميركي التركي إلى تغيرات كبيرة. وقال الرئيس الروسي أيضاً إنه سيعمل على إخراج جميع القوات الأجنبية من سوريا.

ويبقى معرفة كيف سينجح هذا على الأرض. بيد أنه من الواضح أن موسكو هي المستفيد الأول من قرار ترامب الأخير، وأنها نجحت في اللعب بما لديها من أوراق جيداً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/russia-turkey/how-putin-used-turkeys-kurdish-phobia-win-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.