أحوال تركية
سبتمبر 11 2019

كيف بدّد أردوغان حلم تركيا 2023

أنقرة – هل حقّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الوعود التي أطلقها مراراً بتحقيق إنجازات تاريخية في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية 2023؟ إلى أيّ حد يكون صادقاً مع مواطنيه ويخبرهم بصراحة عن أسباب فشله في تحقيق ما دأب على تكراره؟

كيف بدّد أردوغان حلم تركيا 2023؟ وإلى أيّ درجة كان صادقاً مع نفسه ومواطنيه؟ هل يمتلك جرأة الاعتراف بأخطائه القاتلة؟ هل سيتمكن من إحكام قبضته أكثر فأكثر، ويسارع بالهروب إلى الأمام وافتعال الأزمات، أم أنّه سيتراجع أمام الضغوطات الشعبية والاقتصادية والسياسية؟

كان الوصول إلى العام 2023 باقتصاد قويّ متين، واستقرار سياسي مكين، ومناخ ديمقراطي حرّ، وغير ذلك من الوعود التي يسوقها أردوغان ويتاجر بها بطريقة شعبوية دعائية، من أحلام أردوغان التي بدّدها الواقع، وساهم هو نفسه بتضييع أيّة فرص محتملة لتحقيقها..

وتعهّد أردوغان في يونيو الماضي، أثناء حملة إعادة انتخابه، بعدد من المشاريع للاحتفال بمئوية الجمهورية التركية عام 2023، وكان يهدف من خلال ذلك إلى تحقيقه إنجازات تاريخية يحلم أن تضعه كمؤسّس ثانٍ مجدّد للجمهورية، ليقترن اسمه باسم مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك (1881 – 1938).

وكان أردوغان – وما يزال - يطمح إلى التوسع، واستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، وهو الذي يعتبر نفسه سلطاناً عثمانياً معاصراً، ويستلهم الأجواء السلطانية ليوحي أنّه وريث الإمبراطورية والمجدّد لأمجادها، وكانت رغبته في التوسع في سوريا هي الركن الأكبر من خطته نحو إحياء حدود الميثاق الوطني الصادر عام 1919، التي أدرجها على جدول أعماله خلال السنوات الأخيرة.

ونتيجة الأزمات التي أوقع أردوغان تركيا بها، وما يزال يكمل سياسته العنجهية ويواصل عناده وتصعيده ووقوعه في أخطاء تجلب على البلاد مزيداً من الأزمات السياسية والاقتصادية، أصبح لزاماً عليه أن ينتشل تركيا من أزماتها المتفاقمة، بدلا من قيادتها إلى العام 2023 وسط ضجة الإنجازات المفتعلة وغير المتحققة.

بحسب محللين أتراك، فإنّ ثمة ثلاث مشاكل رئيسة في تركيا لها آثار اجتماعية واقتصادية سلبية هائلة، وحتى حزب العدالة والتنمية الحاكم لا يمكنه أن يخفيها. تتمثل هذه المشاكل في الأزمة الاقتصادية والاستبداد المتزايد والعزلة في السياسة الخارجية. وعلى الرغم من أن حزب العدالة والتنمية قد شدد قبضته على البلاد، وبالنظر إلى حجم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسلطوية إلا أن الدعاية قد تفشل بسهولة في إقناع الناس بعدم التصويت لصالح المعارضة.

وبحسب معارضين، فإنّ أردوغان الذي لا يمكن أن يخطر بباله، بأي حالٍ من الأحوال، أنه سيتخلى عن السلطة، وسيترك الحكم قبل عام 2023؛ لديه رغبة جامحة لإثبات أنه أعظم من مؤسِّس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. ويلفتون إلى أن أردوغان يحرص على البقاء في السلطة حتى عام 2023 مهما كانت الظروف؛ ويبدو مقتنعاً أنه إذا انسحب بحلول هذا التاريخ من الحياة السياسية يكون قد ترك إرثًا عظيماً يثبت به أنه أعظم من مصطفى كمال. 

ولا يخفى أن أردوغان يريد من هذا كله أن يترك إرثًا في عام 2023 أكبر مما تركه مصطفى كمال أتاتورك. وبحسب مراقبين، فإنه لن يتردد، لتحقيق هذا، في اللجوء إلى كل الخيارات الصعبة التي تتمثل في المشكلات الاقتصادية والمعارضة التركية والقضية الكردية وغيرها من القضايا المحورية..

إمام أوغلو يهدّد عرش أردوغان
إمام أوغلو يهدّد عرش أردوغان

من جهة المعارضة المقبلة والمنافسة القادمة على كرسي الرئاسة، هناك السياسي المعارض أكرم إمام أوغلو الذي ألحق هزيمة بأردوغان وفاز برئاسة بلدية إسطنبول، ويوصف بأنه القادر على منافسة أردوغان في انتخابات عام 2023. ويجزم كثير من المحللين السياسيين أنّ فوز إمام أوغلو منحه هالة وطنية من شأنها أنّ تهدد وضع أردوغان على الأمد البعيد. وعلى الرغم من أن الحكومة تحاول شل إمام أوغلو أثناء فترة رئاسته لبلدية إسطنبول، لتشويه صورته أمام الأتراك، وتبديد آمال المعارضة في تحد كبير في انتخابات 2023، إلّا أنّ الأمر لا يسير بحسب هوى أردوغان ومشيئته.

في الشق الاقتصادي ما تزال البلاد تسير في رحلة مداواة الجراح ولملمة الخسائر، وفي سياق ذلك كان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال بأن بلاده تستهدف استقبال 50 مليون سائح وإيرادات تقدر بنحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2023، في محاولة لإعادة أصداء تصريحات أردوغان حول بلوغ عام 2023 باقتصاد قوي متين، وإنجازات عظيمة تؤكد مكانة تركيا 2023 التي تعيد إحياء تاريخها المأمول.

وبحسب مارك بنتلي، الكاتب في موقع أحوال تركية، فإنّ حلم أردوغان لإقامة اقتصاد بقيمة تريليوني دولار في تركيا بحلول العام 2023، الذي يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية، تبدّد مع تعليق حكومته سلسلة من المشروعات الاستثمارية الرئيسة الرامية لتحقيق هذا الحلم.

وكان أردوغان أعلن أنه في العام 2023 ستبلغ قيمة الاقتصاد تريليوني دولار. وكانت قيمته قدرت بواقع 882 مليار دولار في نهاية الربع الثاني من العام الحالي، ليأتي في المرتبة التاسعة عشرة بين اقتصادات العالم. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لروسيا، عاشر أكبر اقتصاد في العالم، نحو 2.3 تريليون دولار. وقد وصل الناتج الاقتصادي في تركيا إلى ذروته عند 950 مليار دولار في 2013، وبسبب استمرار انخفاض الليرة في الأساس لم يتعافَ الاقتصاد.

ومن هنا يجب على أردوغان أن يحقق الاستقرار اللازم لمساعدة الشركات والبنوك التي تمولها على الوفاء بالتزاماتها. فبدون ذلك، بدلا من أن يأتي العام 2023 على تركيا واقتصادها أكثر تواضعا وتزعزعاً، وربما يستمر عدم الاستقرار السياسي والمالي لفترة طويلة في المستقبل.

وكانت صحيفة فاينانشال تايمز في سبتمبر الماضي تناولت موضوع الاقتصاد التركي وما يواجهه من صعاب، حيث نشرت مقالا للورا باتيل من أنقرة بعنوان "متاعب تركيا الاقتصادية تهدد مشاريع أردوغان"، أشارت فيه إلى أن أردوغان اضطرّ إلى إعادة التفكير في بعض المشاريع الكبرى المفضلة لديه في محاولة للتصدي للأزمة الاقتصادية. وذكرت أنّ أردوغان قال إنه "سيراجع" خطة الاستثمار الحالية ولكن الحكومة ستكمل المشاريع التي وصلت مراحل تنفيذها النهائية. ورأت أن خفض الإنفاق مؤلم للغاية لأردوغان الذي عادة ما يباهي بأنه أحدث تغييرا كبيرا في البنية التحتية خلال الـ 15 عاما التي تولى فيها شؤون البلاد.

لا يخفى أن تركيا تمضي إلى العام 2023 وهي مثقلة بجراح الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تثقل كاهلها، نتيجة سياسات الرئيس أردوغان التي توصف بالفاشلة، ومعالجاته الخاطئة للأزمات التي تغرق البلاد، وتنفّر المستثمرين من الأسواق التركية، وتضغط على المواطنين الأتراك الذين يسكنهم الخوف ممّا يحمله المستقبل القريب إليهم من مفاجآت، ولاسيما بعد زيادة الشروخ مع الحلفاء في الناتو، وبخاصة الولايات المتحدة التي أبعدت تركيا عن برنامج إنتاج طائرة إف 35 المقاتلة، في أعقاب إتمام تركيا صفقة شراء منظومة صواريخ إس 400 الروسية، وضربها عرض الحائط بالرفض الأميركي. 

كما لا يخفى أنّ ملامح السنوات القليلة القادمة تتمثل في اقتصاد منهك، ومؤسسات مُستلبة الاستقلالية والقرار، وحزب حاكم مفتّت فكّكته الانشقاقات والاستقالات، ومناخ سياسي مشبع بالخوف والتخوين.. هذه بعض ملامح تركيا 2023 التي يعِد بها أردوغان ويحلم بها ويقود البلاد إليها..