جان تيومان
أكتوبر 12 2019

كيف نجح نظام أردوغان في إخراج الأرنب من قبعة التضخم

استضافت أنقرة وفدًا من مسؤولي صندوق النقد الدولي، حيث يقوم وفد من الصندوق كل عام في إطار المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس الصندوق، بزيارة دورية إلى الدول الأعضاء، لمراجعة أدائها الاقتصادي وتقديم المشورة للمعنيين بالسياسات الاقتصادية. 

وقد التقى الوفد هذا العام بالمسؤولين من أحزاب المعارضة التركية، بمن فيهم دورموش يلماز الذي شغل منصب محافظ البنك المركزي، وهو الآن عضو في البرلمان في كتلة حزب الخير. وقد أعرب يلماز أثناء لقائه بالوفد عن عدم ثقة المواطنين بالبيانات الاقتصادية الصادرة عن الحكومة في تركيا.

وبالفعل كان هذا كافيا لأن يصبّ الإعلام الموالي للحكومة جام غضبه على يلماز ليكيلوا له سيلاً من الاتهامات والمسبات. ولكنهم مهما فعلوا فإن ذلك لن يزيل شكوك المواطنين حول البيانات التي تصدرها الحكومة بخصوص الأداء الاقتصادي في البلاد. 

وعلى غرار ما كان يَحدُث في اليونان مِن تلاعب المسؤولين بالأرقام الاقتصادية، فإن هناك وضعًا مشابهًا في تركيا أيضًا، حيث يوجد فارق كبير بين ما يحسّ به المواطنون من أزمة عميقة منذ عام وبين ما تنشره الحكومة من أرقام توحي بأن الوضع الاقتصادي في البلاد بحالة لا بأس بها.

ولا شك أن أهم مشكلة في هذا المجال هي أرقام التضخم التي أعلنتها الدولة.

فمن المفارقة العجيبة في هذه الأرقام أن بلدًا مثل تركيا عاشت فيها العملة المحلية حالة هبوط حادٍّ مقابل العملات الأجنبية، وحطمت أسعار جميع البضائع أرقامًا قياسية، ولا تزال القوة الشرائية لدى المواطنين في هبوط مستمر، ولكننا نتفاجأ، على الرغم من ذلك كله، بما تعلنه الحكومة من أن معدلات التضخم في نهاية شهر سبتمبر قد انخفضت إلى ما تحت عشرة بالمئة.

كما أنه من الصعب التوفيق بين زيادة أسعار المرور عبر الجسور والطرق السريعة بنسبة 20 في المئة وبين أرقام التضخم المعلنة بأنها بنسبة 9.26 في المئة. علمًا بأن ارتفاع أسعار الطاقة وحدها تكفي للتشكيك في أرقام التضخم المعلن؛ فالكل يعلم أن تركيا تستورد جميع الطاقة تقريبا من الخارج، وقد ارتفعت أسعار الكهرباء في العام الماضي بنسبة 60 في المئة، كما أنها اضطرت إلى رفع أسعار الغاز الطبيعي إلى حوالي 50 في المئة.

وليس من السهل في بلد صناعي تَستخدم الطاقة بغزارة، أن نقدم أسبابا ملموسة تفسر مدى الفارق الشاسع بين معدل التضخم العام وبين أسعار الطاقة.

صحيحٌ أن هناك عديدا من الأسباب التي قد تمنع ارتفاع التضخم مقابل ارتفاع الطاقة. ومن تلك الأسباب رفع نسبة الإنتاجية، أي القدرة على إنتاج المزيد من السلع بنفس المقدار من الطاقة، مما يؤدي إلى تقليل التكلفة وبالتالي إلى الحد من زيادة الأسعار بشكل غير متوقع. 

ولكن هذا الأمر ليس واردا في الحالة التركية؛ فعلى سبيل المثال إذا نظرنا إلى مستوى الدخل القومي الذي تم الحصول عليه من خلال استخدام الطاقة، فسيتبين لنا بوضوحٍ أنه لا توجد زيادة في إنتاجية الاقتصاد الوطني. فإذا قمنا بمقارنة نسبة الطاقة المستهلَكة في تركيا بالعام الماضي نلاحظ أنه في نهاية يونيو انخفضت نسبة الاستهلاك في الوقود بمقدار 6 وفي الكهرباء 0.7، وفي الغاز الطبيعي 2.1 في المئة. وبالمقابل انخفض الدخل القومي القائم على الدولار بنسبة 18 في المئة مقارنة بالعام السابق. 

وبالتالي إذا نظرنا، من خلال الطاقة التي هي من المدخلات الأساسية، إلى أداء الاقتصاد التركي في الإنتاجية، فسنلاحظ أن البلد لم يُحقِّق زيادة في الإنتاجية بل عاش انخفاضا ملموسا. 

لذلك، ليس صحيحًا أن نقول: إن انخفاض نسبة التضخم في العام الماضي بمقدار 15 نقطة كان بسبب زيادة الإنتاجية التي من شأنها أن توفر إنتاجًا أرخص في الاقتصاد.

من ناحية أخرى، قد تؤدي الصدمات الناجمة عن الانكماش الكبير في الطلب إلى انخفاض التضخم أو التباطؤ نظرًا لأن المنتِج لا يمكن أن يعكس جميع التكاليف إلى المستهلك. ولكن هذا أيضا لا يفسر الوضع الحالي، لأنه نسبة التضخم السنوي في أسعار المنتجين قد انخفضت في شهر سبتمبر إلى 2.45 وفي أسعار المستهلكين إلى أقل من 7.5. ووفقًا لهذا الرقم الذي أعلنته الحكومة لا يوجد ركود كبير في الأسواق أو زيادة ضخمة في التكلفة تتطلب رفعا للأسعار.

إذن ما السبب وراء انخفاض التضخم الذي لا يمكن تفسيره لأسباب عقلانية؟

إذا نظرنا إلى بداية عملية ارتفاع الأسعار نلاحظ أن التغير الملحوظ في انخفاض نسبة التضخم قد تزامَنَ مع توظيفٍ مهمٍ قام به صهر أردوغان الذي يشغل منصب وزير المالية. حيث إنه عيّن زميله السابق الذي كان يعمل في فريقه عندما كان وزيرا للطاقة. 

حيث إنه في الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة التضخم إلى ذروته أي بنسبة 25.24 بالمئة في أكتوبر 2018، عيَّن زميله رئيسا على القسم الذي يحسب الزيادات في الأسعار في دائر الإحصاء التركية. ومنذ ذلك الحين بدأت عملية الانخفاض في أرقام التضخم السنوي بشكل سريع، كما أن جميع بيانات زيادة الأسعار الشهرية التي تم إصدارها خلال الاثني عشر شهرًا الماضية كانت أقل من متوسط توقعات السوق. وهذا يعني أن البنوك المحلية والأجنبية الرائدة في قطاع الأموال أخفقت 12 مرة على التوالي في التنبوء بمستوى التضخم.

ويبدو أن رئيس القسم هذا قد نجح في مهمته حتى تم تعيينه رئيسا للدائرة بأكملها. وقد بلغ به النجاح أنه لم يقف عند حدود مفاجأة الأسواق فقط بل فاجأ الحكومة أيضا؛ حيث إن الإدارة الاقتصادية كانت تتوقع أن يبلغ معدل التضخم إلى 15.9 في المائة لعام 2019، وفقًا للبرنامج الاقتصادي الذي تم الإعلان عنه في نهاية سبتمبر من العام الماضي، وفي نفس السياق، حدد البنك المركزي، وهو المؤسسة الرئيسية المسؤولة عن السيطرة على التضخم في البلاد، تَضَخُّمَ عام 2019 بحدود 15.4 في المائة في أكتوبر 2018.  ولكنه هو أيضا أخفق في الحساب.

ومن جانب آخر، حدث تطور غريب في تركيا، وهو أنه عندما قام البنك المركزي في الاجتماعين الأخيرين بخفض أسعار الفائدة، سرعان ما بدأ معدل التضخم هو أيضا ينخفض بشكل ملموس. 

وهذا مؤشر مهم لمحور النزاع بين الأسواق والرئيس أردوغان، لمناقشة ما إذا كان التضخم هو الذي يتسبب في رفع الفوائد، أم أن الفوائد هي التي ترفع مستوى التضخم.

ونلاحظ أن هذه البيانات الأخيرة جعلتنا نصدِّق (!) طرح أردوغان الذي يدعي بأن رفع الفوائد هي التي تؤثر على التضخم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/enflasyon/ekonomistler-ust-uste-12-ay-enflasyonda-karavana-atti