أحوال تركية
سبتمبر 18 2019

كيف ستتشكّل خارطة التحالفات الحزبية مع تفكّك العدالة والتنمية؟

أنقرة – هل ستتغيّر خارطة التحالفات السياسية والحزبية في تركيا في ضوء الانشقاقات والاستقالات من حزب العدالة والتنمية؟ هل سنشهد تشكّل تحالفات جديدة في الأسابيع القريبة القادمة؟ كيف ستتشكّل خارطة جديدة للتحالفات الحزبية مع تأسيس أحزاب جديدة قد تستقطب ناخبين من أحزاب أخرى قائمة؟

ألا يمكن القول بأنّ حزب أردوغان الحاكم يجد نفسه في موقف حرج للغاية مع انفضاض قاعدته من حوله، وتقديم حوالي مليون عضو من أعضائه لاستقالاتهم حتّى الآن؟ كيف سيتعاطى العدالة والتنمية مع خسارته لهذا العدد الكبير من الأعضاء، ومن الدائرة الاجتماعية المحيطة بهم من ناخبين؟

لا يخفى على المتابعين أنّ منظومة الإسلام السياسي في تركيا بدأت تتآكل، وتصفّي نفسها بنفسها، ودخلت مرحلة الشيخوخة السياسية – إن جاز التعبير – إثر تفكّك الحزب الحاكم بعد موجة الاستقالات الجماعية منه، وهو الحزب الذي تحوّل إلى حزب سلطوّي استبدادي، يستميت أغلب قياداته وأعضائه في التشبّث بامتيازاتهم ومكاسبهم، وغير مكترث لأحوال الشعب الذي يدخل من أزمة لأخرى، ولا يتمّ إيجاد حلول ناجعة لهذه الأزمات التي تتسبّب بدورها بضغوط قاهرة على المواطنين الأتراك.

 وبحسب بعض المصادر إن ما يصل إلى 80 نائباً من حزب العدالة والتنمية يستعدون للقفز من السفينة. إذا كان الأمر كذلك، فسوف تتراجع حصة حزب العدالة والتنمية في البرلمان المؤلف من 600 مقعد إلى 211 مقعداً، وسيفقد الأغلبية الحالية للائتلاف الحاكم بفارق 41 مقعداً، ما يترك الحزب الحاكم غير قادر على إقرار القوانين من خلال البرلمان.

وبحسب أحدث استطلاعات الرأي فإنّ هناك تراجعاً في تأييد العدالة والتنمية، ونسبة التأييد لحليفه الحركة القومية تكاد تصل لـ14 بالمئة، أي أنّ نسبة تأييدهما مجتمعة لن تكون كافية لترجيح كفة أردوغان، وضمان الأغلبية له.

هناك نسبة حوالي 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب علي باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريباً، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيس على قاعدته الشعبية.

وإذا ما حافظ حزب الشعب الجمهوري على نسبة التأييد التي حصلها، والتي تقارب 12 بالمئة أو تزيد، فإنّ من شأنه أن يكون الكفة المرجّحة في حال نجاحه في التحالف مع تحالف الأمّة - يضمّ الشعب الجمهوري والحزب الصالح – الذي يحظى بنسبة أكثر من 40 بالمئة من التأييد.

باباجان وداود أوغلو رفيقا أردوغان المنقلبان عليه
باباجان وداود أوغلو رفيقا أردوغان المنقلبان عليه

ويلفت مراقبون إلى أنه إذا استمرّ التقارب بين الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي، كما حصل في الانتخابات المحلية، والتي لعبت فيها أصوات مناصري الشعوب الديمقراطي دوراً كبيراً في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، فإنّ خارطة الأحزاب السياسيية وتحالفاتها في تركيا مقبلة على تغيير كبير.

وقبل أيّام زار رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو مدينة دياربكر والتقى رؤساء البلديات الأكراد الذي أقالهم الرئيس أردوغان، وأعرب عن تضامنه معهم، وتقاطع معه في الموقف المتضامن معهم كلّ من أحمد داود أوغلو الذي أعلن بدوره انتقاده لهذه الخطوة. 

ومن جهة أخرى إذا تمكّن الحزبان الجديدان المزمع إطلاقهما قريباً برئاسة علي باباجان وأحمد داود أوغلو، من التحالف مع الشعوب الديمقراطي أو التنسيق معه، فمن شأن ذلك أن يشكّل تحالفاً سياسيّاً منافساً لتحالف الشعب وتحالف الأمة معاً، وقد يلعب دوراً في المشهد السياسيّ المقبل بشكل لافت.

ووسط هذه المعمعة من التجاذبات والاستقطابات السياسية والحزبية، يبدو جهاز الاستخبارات التركية مراقباً بهدوء وحذر، مثله في ذلك مثل الجيش التركي الذي أعرب عدد من جنرالاته قبل أيام عن استيائهم وتبرّمهم من سياسات أردغان، وقدّموا استقالاتهم كاحتجاج من قبلهم على الأوامر والخطط التي فرضها عليهم أردوغان.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفاً مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكّن تحالفهما؛ تحالف الشعب، من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير. وكان دولت بهجلي؛ زعيم الحركة القومية صاحب المبادرة في إجراء انتخابات برلمانية مبكرة لتأمين تحصّل أردوغان على كرسي الرئاسة، وتمكينه من تغيير النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي الذي تتمركز فيه السلطات بيد الرئيس.

وفي الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2018، والتي شكّل فيها حوالي 24 مليون ناخب تركي صوّت ضد أردوغان مصدر أرق وقلق متجدّدين له، وأثارت لديه الذعر وهو الذي تمكن من الفوز بنسبة ضئيلة. ناهيك عمّا أثير من حديث عن تلاعب بنسبة 1.5 في المائة من نسبة الأصوات، والتي إذا أضيفت إلتى النسبة السابقة، ومَن انفضّوا من حوله مؤخّراً، فإنّه لن يحصل على النسبة التي تكفل له الأغلبية، وسيكون الأمر محرجاً جدّاً له

تقارب بين الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي
تقارب بين الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي

وقد فاز أردوغان بالانتخابات الرئاسية فى 24 يونيو بأغلبية 52.59 فى المائة، وفقا لما ذكره سعدي غوفين رئيس اللجنة العليا للانتخابات، وحصل أردوغان على 26 مليونا و330 ألفًا و823 صوتًا ما نسبته 52.59 بالمئة.  وحصل منافس أردوغان، محرم إينجه، بنسبة 30.64 في المئة، بأصوات من 15.340321 شخص. وحصل زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي صلاح الدين دميرطاش على 8.40 في المئة من الأصوات من 4.205794 نسمة. وصوّت ما مجموعه 3.649030 شخصًا (7.29٪) لصالح زعيم حزب الصالح، ميرال أكشينار. كما حصل زعيم حزب السعادة تَمل كرم الله أوغلو على 0.89 في المئة من 443.704 من الأصوات بينما حصل رئيس حزب الوطن دوجو برينجك على 98.955 من الأصوات (0.20 في المئة).

وكان عدد مَن صوّت لمنافسي أردوغان بلغ 23 مليون و737 ألف و804 ناخب في عموم تركيا في الانتخابات البرلمانية في العام الماضي، من إجمالي مَن أدلوا بأصواتهم وعددهم: 51 مليون و 197 ألف و959 ناخب، وكان هناك أكثر من 8 مليون ناخب ممن يحق لهم التصويت لم يدلوا بأصواتهم، كما كانت نسبة التصويت لحزب العدالة والتنمية الحاكم انخفضت من قرابة 49 بالمئة إلى 42.56 بالمئة.

وحصل العدالة والتنمية على 42.56  بالمئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية بحسب النتائج النهائية، والحركة القومية على 11.10 بالمائة، والشعب الجمهوري على 22.65 بالمئة، والشعوب الديمقراطي على 11.70 بالمائة، والصالح على 9.96 بالمائة.

ووفقاً للنتائج النهائية للانتخابات البرلمانية، حصد حزب العدالة والتنمية 295 مقعدًا في البرلمان (المؤلف من 600 مقعدًا)، والشعب الجمهوري 146، والشعوب الديمقراطي 67، والحركة القومية 49، وحزب الصالح 43. حافظ تحالف الشعب على الأغلبية بما مجموعه 51 بالمئة وهو أمر غاية في الأهمية بالنسبة له.  

وفي الانتخابات المحلية تمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على 44.95% من إجمالي البلديات، في حين فاز حزب الشعب الجمهوري المعارض بـ30.25%، والحزب الصالح المعارض بـ7.39%، وحزب الحركة القومية بـ6.80%، وحزب الشعوب الديمقراطي بـ4.01%، والأحزاب الأخرى بـ6.60%. وشارك في الانتخابات البلدية 43 مليونا و651 ألفا و815 ناخبا، من أصل 57 مليونا و93 ألفا و410 ناخبين بعموم البلاد.

وكما كان متوقعاً فقد لعبت الانتخابات المحلية التي أجريت في نهاية مارس الماضي دوراً كبيراً في تصدير المعارضة والتأثير على العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية، وانتزاع 7 بلديات كبرى من قبضة أردوغان الذي يستشعر الخطر، ويحاول تداركه بشتّى السبل، من دون أن ينجح حتّى الآن في ذلك، بحسب ما يؤكّد معارضون أتراك.