كيف تبرّر الأناضول أطماع "السلطان" أردوغان وترقّع أخطاءه السياسية

إسطنبول – تعمل وكالة الأناضول الرسمية التركية على تبرير سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان واختلاق الذرائع لها، بحيث تسوّقها في سياق أقنعة إنسانية، تنزع عنها دوافع توصف بأنها تقود أردوغان فيها، وهي متعلقة بأطماعه الشخصية في ثروات الآخرين من جهة، وفي استعادة ما يصفه بالأمجاد العثمانية.

وعلى اعتبار أنّ أردوغان يجد نفسه وريث الإمبراطورية العثمانية، ويسعى لإحيائها بأساليبه الخاصة، ومن خلال إنتاج خلطته السياسية من استغلال الدين من جهة، ومشاكل الدول المجاورة في المنطقة من جهة ثانية، ليقوم بالتوغلّ والتدخّل المباشر فيها، بصيغة احتلال مقنّع يزعم مساعدة أولئك الذين طلبوا النجدة منه، بحسب ما يؤكّد معارضون أتراك.

وفي سياق سعيها لما تسميه بـ"تفنيد المزاعم"، وإظهار "الحقائق"، أشارت الأناضول في تقرير لها بعنوان هل تسعى الإدارة التركية الحالية لإعادة أمجاد الدولة العُثمانية؟، أنه "عندما يُطلَق ضيوف بعض البرامج التلفزيونية في بعض المحطات العربية الفضائية، على الأتراك مُسمى "العثمانيين" وعلى رئيسهم وصف "السلطان" في معرض الذم والهجوم، فاعلم أنه تعريض بأن لتركيا حلمًا تريد استعادته من قلب صفحات التاريخ الآفلة، إنه حلم استعادة الإمبراطورية العثمانية التي امتدت أرجاؤها في الشرق والغرب، من آسيا الصغرى إلى القارة الأوروبية وشمال إفريقيا، وأنها بصدد ابتلاع دول المنطقة، فمِن ثَمَّ وجب التصدي للمشروع العثماني التوسعي".

وزعمت الأناضول أنّ هذه اتهامات باطلة، وأن الحقيقة تقول، بحسب وجهة نظرهم الرامية إلى تعظيم أردوغان وتقديمه بصورة الزعيم المبادر لتقديم المساعدات من دون انتظار أي ثمن عليها، بأن "تلك المزاعم التي لا ينفك البعض عن ترديدها، هي محض أوهام تعبر عن انفصال قائلها عن الواقع والعصر الحديث".

واستعانت الأناضول بفكرة نسبتها لأستاذ العلوم السياسية وأحد رواد القرن العشرين في السياسة الدولية "هانس مورغانتو" بأن "جميع الدول ذات فطرة تحاول السيطرة على بعضها البعض، فإن صورة التوسعات الجغرافية بقوة السلاح تكاد تكون قد تلاشت، وهي الصورة التي أدرك المستعمر أنها ليست ذات جدوى، وحل مكانها الغزو الثقافي والفكري وتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية والاستثمارات خارج الحدود، واستخدام القوة الناعمة في التأثير على الشعوب الأخرى."

وادّعت أن تركيا لا تتمدد جغرافياً، وأن هذا ينفي القول بأنها تستعيد الإمبراطورية العثمانية، وقالت إن ذلك "محال في ظل هذه الشبكة المعقدة من الحسابات الدولية والتكتلات والتحالفات"، لكنها أكّدت أن تركيا "تصدر ثقافتها وتتوسع في علاقاتها وثنائياتها في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية، بما يغنيها عن التوسع الأفقي خارج حدودها."

لا يخفى أن تركيا تقوم بنشر قواتها العسكرية في كل من سوريا وليبيا، بصورة تدخّل عسكري مباشر، واحتلال معلن من قبلها، وذلك بعد أن فشلت من خلال أدواتها التي وظّفتها لتحقيق مآربها في كل من الدولتين، وتم فضح علاقاتها نع الجماعات المتشددة التي توصف بالإرهابية، في تقارير إعلامية كثيرة.

أردوغان مهووس باستعادة أمجاد العثمانيين
أردوغان مهووس باستعادة أمجاد العثمانيين

وأعادت الأناضول تكرار الحجج التي تسوقها حكومة أردوغان لتبرير تدخلها في سوريا، والزعم أن هذا التدخل جاء "بعد طول صبر ونداءات متكررة بالتدخل لمنع خطر تنظيم ي ب ك/ بي كا كا". ومن المعلوم أنّه ليس هناك أي وجود لـ"ي ب ك" في منطقة إدلب التي أقامت تركيا فيها 12 نقاطة مراقبة لها هناك، وتدعم فيها جبهة النصرة وجماعات متشددة تابعة لها.

أما في محاولة تبرير التدخل التركي في ليبيا، فقد زعمت الأناضول أن "التدخل التركي يتمثل في دعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليا ضد الجنرال المتقاعد المنشق خليفة حفتر، تحت غطاء شرعي وهو الاتفاقية التي تمت رسميا بين الجانب التركي وجانب حكومة السراج، تضمنت مذكرتي تفاهم، الأولى تتعلق بترسيم الحدود البحرية بينهما في المتوسط، والثانية تتعلق بالتعاون العسكري وتقضي بإرسال قوات تركية لدعم الحكومة حال طلبت هي ذلك، وقد كان."

ولم تشر الأناضول إلى أنّ أردوغان أرسل آلاف المرتزقة السوريين من سوريا إلى ليبيا للقتالة إلى جانب الميليشيات المتشددة في طرابلس، ولا إلى الأطماع التي صرّح عنها أكثر من مرة أنّ للإمبراطورية العثمانية تاريخاً في ليبيا، وأنه يقوم باستعادة أمجاد أجداده العثمانيين التاريخية هناك..

كما أغفلت عن الجرائم التي تسبّب بها مرتزقة أردوغان في ليبيا، وكيف أنّهم ساهموا بإطالة أمد الحرب بقتالهم إلى جانب ميليشيات طرابلس، ولعبوا دوراً في إراقة دماء الليبيين، لتحقيق مآرب أردوغان.

وبأسلوب مضلّل أقرب للإقرار بتأكيد ما وصفته سابقاً بالاتهامات، قرب حاولت الأناضول الزعم بأن التوسع يأتي من خلال النفوذ الاقتصادي الذي وصفته بالمشروع، وأن " الأتراك يسعون لإعادة المجد العثماني بالتوغل في الدول عن طريق التنفذ الاقتصادي والسياسي والغزو الثقافي"، وأنه "ما من دولة إلا وتسعى لتصدير ثقافتها، وتحقق الاستفادة القصوى على كافة الأصعدة من خلال إيجاد موطئ قدم لها في الدول الأخرى، واستمالتها كحلفاء لها لتأييد مواقفها الدولية، فلم تأت تركيا بجديد، وهذا أمر مشروع طالما كان نائيا عن الإضرار بالآخرين، وكل ذلك يدور في فلك تقاطع المصالح."

وفي نهاية تقريرها عادت الأناضول للدوران في الحلقة المفرغة نفسها، وترقيع سياسات أردوغان وتجميلها، من خلال القول بأن "القيادة التركية تعمل جاهدة على إحياء التراث العثماني، وربط الأتراك بأمجاد ماضيهم، وهذا واضح جلي حتى في الأعمال الدرامية التي تشجعها الدولة والتي تتناول الحقب التاريخية للعثمانيين، والهدف من ذلك هو إيجاد فكرة مركزية للنهضة الحديثة التي بدأتها حكومة العدالة والتنمية منذ توليها شؤون البلاد"..

كما برّرت ذلك بالقول "إنه ما من مشروع نهضوي إلا ولابد له من فكرة مركزية يجتمع عليها الناس، تنطلق من هويته الثقافية الأصيلة كما قرر علماء الاجتماع، ولذا نستطيع القول أن استدعاء الأتراك للماضي العثماني هو دعامة أساسية من دعائم نهضتهم، يستنهض هممهم، ويأخذ بأيديهم إلى القيم الأصيلة البنّاءة، وأما القول بأن هناك مشروعًا توسعيا يعملون عليه فهو مجرد ادعاءات لا يستقيم لها بُرهان ولا ينهض لها دليل".

وتعليقاً على ذلك، يلفت مراقبون إلى أنّ من حقّ كلّ دولة أن يكون لها مشروعها النهضوي، ولكن من الغريب أن تبرّر تركيا لنفسها احتلال أراضي الآخرين، والتدخّل في شؤونهم، وزرع الفتن بينهم، وتتباهى بذلك، وأنها إنما تبني مشروعها النهضوي.

ويشيرون كذلك إلى أنّ مشروع أردوغان وحلمه باستعادة أمجاد الدولة العثمانية، وهوسه بأن يلعب دورا لسلطان العثماني الجديد في القرن الحادي والعشرين، يعتمد أساساً على التخريب والتدمير وإراقة دماء أبناء المنطقة لتحقيق أطماعه التوسعية وأوهامه الشخصية.