كيف تبرّر الأناضول جرائم السلاطين العثمانيين وتتحايل على التاريخ

إسطنبول - تحاول وكالة "الأناضول" التركية الرسمية العودة إلى التاريخ العثماني، في تقارير لها تحت عنوان "إضاءات عثمانية"، وذلك في محاولة منها لتبرير الأخطاء التاريخية التي اقترفها سلاطين عثمانيون، أو جرائم ارتبكت تحت راية الإمبراطورية العثمانية، بزعم تصويب القراءات التاريخية أو التعتيم عليها عبر مواجهتها بنقائضها..

يلفت محللون أنّ الوكالة التركية تعمل على استدراج الحوادث التاريخية والتقاط زاوية معيّنة منها لغايات سياسية راهنة تخدم سياسات حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، وزعيمه رجب طيب أردوغان الذي يتّهمه معارضوه بأنّه يسير بتركيا إلى الدكتاتورية والاستبداد وحكم الفرد.

وعلى طريقتها في ما تصفه بـ"مرصد تفنيد الأكاذيب" الذي تسعى من خلال إلى الردّ على أيّة تقارير إعلامية تنتقد السياسة التركية أو تعارضها، وتقوم بانتقاء فقرات إخبارية للتعليق عليها وإظهار أنّها تستهدف النيل من سمعة تركيا وصورة رئيسها.

في تقرير بعنوان (حقيقة "قتل الإخوة" من أجل العرش بالتاريخ العثماني "إضاءات عثمانية") عملت "الأناضول" على الردّ على مَن يتناولون التاريخ العثماني بالوقائع المعروفة تاريخياً، ويقرؤونها في سياقها التاريخيّ، سواء كان في الدراسات الأكاديمية أو في الأبحاث التاريخية، أو في الوثائقيات والأعمال الدرامية التي تعالج محطّات من تاريخ السلاطين العثمانيين، ورحلات بعضهم الدموية إلى العرش.

ومن باب دسّ السمّ في الدسم، وعبر إيراد بعض الحقائق التي لا يكون هناك خلاف كبير حولها، تمهّد "الأناضول" وتعترف بها للالتفاف لاحقاً عليها، ومن ذلك استهلالها بأنّه "لا شك أن الدولة العثمانية ليست دولة ملائكية، وتاريخها العريق يتضمن مواقف وفترات جائرة غير سوية، حتى وإن توسعت وأقامت بنيانها على أساس الدين الإسلامي، ومن أوجه هذا الجور هو حوادث القتل على السلطة والعرش."

وبعد الإقرار بوجود الجور في التاريخ العثماني، تستدرك "الأناضول" الأمر، وتشدّد على عدم جواز إغفال أمرين تخصرهما بتعميم التجريم على الممالك والدول الأخرى، والقول بأنّ الدولة العثمانية ليست متفرد في هذا الأمر، وأنّ الصراعات نشبت في كثير من الممالك وتمّت التصفيات الجسدية للخصوم، وتستشهد بالدولة الأموية والعباسية في هذا السياق، وبشكل خاص الأمين والمأمون نجلا هارون الرشيد.

وتنتقل بعد ذلك إلى الأمر الثاني والذي يكون مربط الفرس في التقرير، وهو تبرير حوادث القتل من قبل السلاطين في السلطنة العثمانية، والادّعاء "أن حوادث القتل على السلطة في الدولة العثمانية تم التلاعب بحقيقتها ودوافعها في كثير من الأحيان، وتم اجتزاء بعضها من سياقها التاريخي، لتُظهر في النهاية أن السلاطين العثمانيين كانوا يقتلون المنافسين المُحتملين على السلطة دون مبررات قانونية."

تعمل الوكالة التركية على النهوض بدور مصحّح التاريخ، أو المؤرّخين الذين يعيدون كتابة التاريخ من أجل خدمة المصالح السياسيّة الحديثة، وبحثاً عن نقاط القوة لتضخيمها، ونقاط الضعف لتقزيمها والتعتيم عليها، من دون اعتبار للحقائق والمصداقية والعلم والمنطق والمسؤولية التاريخية وحق الأجيال الحديثة واللاحقة بالاطّلاع على حقائق التاريخ من غير تحوير أو اختلاق أو تلفيق.

وفي هذا الإطار لا مشكلة لدى الوكالة التي تقع تحت هيمنة الحزب الحاكم، بحسب ما يقول معارضون أتراك، في تأثيم مَن تمّ قتلهم من منافسي السلاطين، وشيطنتهم، عبر تبنّي الرواية الرسميّة، وترقيع ما يشوبها من ثغرات، عبر إضفاء قراءة رغبوية لتمرير مصالح سياسية راهنة.

أوردت "الأناضول" حادثة قتل عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة، قتل عمه دوندار لمخالفته الرأي، وتدّعي أنّ الحقيقة التي تصفها بالمؤكّدة، والتي تسندها إلى مؤرّخ عثمان نفسه، وهو خيرالله الهندي، ونقلها عنه المؤرخ التركي "قادر مصر أوغلو"، والتي تقول: "أن دوندار كان طرفا في مؤامرة دبرها الحاكم البيزنطي "بيله جك" بغرض اغتيال عثمان وصعود دوندار إلى السلطة، وهذا أمر له مستنده الشرعي والقانوني الذي لا يقبل الجدال، وتُقره كل دساتير الأرض، وهو القتل عقوبة للخيانة العظمى."

كيف يوضع التاريخ في خددمة سياسات أردوغان
كيف يوضع التاريخ في خددمة سياسات أردوغان

لا يخفى أنّ هناك كثيراً من الأحداث والوقائع التاريخية في تاريخ الدول والممالك، وفيها أحداث يندى لها الجبين، سواء من حيث الإجرام بحقّ الأهل أو بحقّ الشعوب، لكن ذلك لا يعني أن يقوم المعاصرون بتبريرها، واختلاق الأعذار لها، وإضفاء طابع المشروعية عليها.

وجدير بالذكر أنّ وعي التاريخ لا يكون عبر التغافل عن حقائقه، أو تبرير أحداثه، بل تكون في مواجهته، بعيداً عن تمرير أيّة أغراض سياسيّة راهنة، وبعيداً عن قصد الشيطنة والتجريم بحقّ الآخرين، وهذا ما تتجاهله "الأناضول" وتحاول الالتفاف عليه وإظهاره على أنّه ضحيّة مؤامرات تاريخية مدبّرة وأنّها تعيد تصويب الأخطاء وتعمل على "تفنيد أكاذيب" الآخرين بحق تاريخ السلطنة العثمانية.

وعلى هذا المنوال نسجت "الأناضول" التبريرات، وكالت الاتّهامات بالتواطؤ مع الأعداء والخيانة والغدر للمقتولين من إخوة السلاطين وذويهم ممّن كانوا منافسين محتملين لهم، بحيث أعادت الحكم عليهم، ودمغتهم بوصم الخيانة والغدر تماشياً مع الرواية الرسمية وتقنيعاً حداثياً لها.

وأعادت "الأناضول" موضعة النصوص التاريخية من أجل تحريف سياقاتها، ومن ذلك مثلاً الحديث عن "المادة المعروفة بقانون قتل الإخوة المنسوبة إلى السلطان محمد الفاتح والتي تجيز للسلطان تصفية الأمراء المنافسين بالاتفاق مع العلماء"، والتي تعتبر أبرز أهم القضايا التي ثار حولها الجدل.

وقالت في تبرير هذه المادة إنّه "وعلى الرغم من أن بعض المؤرخين قد نفوا نسبة هذا القانون للسلطان الفاتح، إلا أن المؤرخ التركي البروفيسور أحمد آق كوندز، قد رجح ثبوت هذه المادة في قانون الفاتح، إلا أنه قد أوضح أن القانون مقيد بإيقاعه بحق من يعلن العصيان ويحاول مغالبة السلطان بالسلاح للاستيلاء على الحكم أو التعاون مع أعداء الدولة، وله مرتكز شرعي فقهي، وهو مسألة الخروج المسلح على الحاكم الشرعي ولو كان من إخوته."

وبعد ذلك انتقلت "الأناضول" إلى بدايات تأسيس الجمهورية التركية على أنقاض السلطنة العثمانية، وكيف أنّ مصطفى كمال أتاتورك حين وضع القوانين للجمهورية التركية، كانت هناك بعض المواد تنصّ "على عقوبة الإعدام ضد كل من يحاول تجزئة تربة الوطن والعمل ضد حياده، كما أن تهمة التواطؤ مع أي دولة أجنبية جريمة تستحق الإعدام في كل القوانين بتهمة الخيانة العظمى."

ويلفت محللون أنّ مسعى "الأناضول" يندرج في سياق إعادة العمل بعقوبة الإعدام في تركيا، حيث ألغت عقوبة الإعدام في عام 2004، على الرغم من عدم تنفيذ أي إعدامات منذ عام 1984. وستضع إعادة تطبيق عقوبة الإعدام حداً لمحاولة تركيا الراكدة بالفعل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وبعد الانقلاب الفاشل في 15 يوليو 2016، برز الجدل حول عقوبة الإعدام والمطالبات بإعدام مدبري الانقلاب. ورد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالقول "إذا أقرّ البرلمان القانون سأصادق عليه دون تأخير". كما استجاب حزب العدالة والتنمية الحاكم بإيجابية لدعوة دولت بهجلي؛ زعيم حزب الحركة القومية، الذي أثار نقاشًا بالإعلان عن اقتراحه بإعادة تطبيق عقوبة الإعدام مستشهداً بتزايد حوادث العنف ضد المرأة والاغتصاب والاعتداء الجنسي وقتل النساء، قائلاً: فإن "إدراج عقوبة الإعدام في تشريعاتنا مرة أخرى سوف يردع هؤلاء المجرمين والبربريين".

فهل تنطلق "الأناضول" من جانب تبرئة الماضي وتنقيته ممّا تصفه بالأكاذيب أم تفتح الباب لتمرير جرائم معاصرة تقترَف في تركيا تحت ستار الماضي، وكيف أنّ المتواطئين والخونة والمتعاملين مع الأعداء موجودون في الحاضر كما كانوا في الماضي، وينبغي التعامل معهم بطريقة لا ترحم لحماية البلاد ووحدتها..!