مصطفى غوربوز
يونيو 12 2019

كيف تفوقت السعودية على تركيا في السودان؟

صمت تركيا الطويل بعد الانقلاب على الديكتاتور السوداني عمر البشير يعني الكثير. رحبت أنقرة بمقربين من البشير تمكنوا من الفرار إلى تركيا، وفي الوقت نفسه، أيدت احتجاجات الشعب السوداني في الشوارع من أجل الانتقال الديمقراطي.

وعلى الرغم من أن دعم النظام ضد المتظاهرين قبل الانقلاب ودعم المتظاهرين بعد الانقلاب قد يبدو متناقضاً، إلا أن فهم تركيا أن الجنرالات السودانيين قد تحولوا صوب المحور السعودي دقيق، مما يجعل دعم أنقرة لحكومة مدنية ضد الجيش السوداني مناسباً بشكل استراتيجي من باب المناكفات للسعودية وحلفائها.

من الناحية الإيديولوجية، كان دعم تركيا للأحزاب الإسلامية المتحالفة مع جماعة الإخوان المسلمين يمثل دعماً للإرادة الشعبية في صناديق الاقتراع، وبالتالي فإن مقاربتها الحالية منطقية بهدف المنافسة على النفوذ هناك. من ناحية أخرى، تغاضت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان عن استبداد البشير بسبب الميول الإسلامية للنظام، التي يرجع تاريخها إلى انقلاب البشير عام 1989 الذي باركه حسن الترابي مُنظر جماعة الإخوان المسلمين في السودان.

ربما كانت المشكلة الأكبر تتمثل في حقيقة أن تركيا كانت تراهن على بطة عرجاء منذ عقد من الزمان: لقد تسبب نظام البشير في ظروف اقتصادية مزرية، في حين صعد أمراء الحرب الجشعون ورجال فاسدون من الطراز العالمي إلى أعلى مستويات السلطة. لقد أثبتوا استعدادهم لبيع الإيديولوجية الإسلامية، وأي شيء آخر، من أجل مصلحتهم الشخصية. لقد فهم السعوديون هذا جيداً واستغلوا الشقوق في سودان البشير.

عندما التقى أردوغان بالبشير في ديسمبر 2017، كان السودان يدعم التدخل الذي تقوده السعودية منذ أكثر من عام في اليمن، مع التزام بنحو ألف جندي. كان أردوغان يأمل في الاستفادة من رفع العقوبات التي كانت تفرضها الولايات المتحدة على السودان في أكتوبر 2017. وشملت الاستثمارات التركية المقترحة في السودان مطاراً جديداً في الخرطوم، ومنطقة تجارة حرة في بورتسودان على البحر الأحمر، واستثمارات القطاع الخاص في محطات الكهرباء، وإنتاج القطن وصوامع الغلال وتصنيع اللحوم. والأهم من ذلك، تعهد أردوغان بزيادة حجم التجارة التركية السودانية بمقدار حوالي 10 مليارات دولار، واشترى الحق في إعادة بناء جزيرة سواكن، التي كانت ميناءً عثمانياً كبيراً في الفترة من القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر. ومن خلال خطط لإنشاء رصيف بحري لاستقبال السفن المدنية والعسكرية، تأمل تركيا في الاستفادة من الموقع الجغرافي السياسي لسواكن وكذلك الإمكانات السياحية للجزيرة، والتي ستمكن الحجاج المسلمين من السفر إلى مدينة جدة عبر البحر في طريق رحلتهم إلى مكة.

لكن وراء رفع العقوبات الأميركية كانت هناك ديناميكية معقدة. بمساعدة من الإمارات العربية المتحدة، تعاونت المملكة العربية السعودية مع ضابط المخابرات السوداني الكبير، طه الحسين، في الحرب في اليمن. ترقى هذا الضابط وأصبح الساعد الأيمن للبشير بعد أن كشف عن محاولة انقلاب مزعومة. بصفته مدير المكتب الرئاسي، كان الضابط يتنقل بين السعودية والسودان والإمارات العربية المتحدة، ويحاول إقناع البشير بإرسال المزيد من الجنود السودانيين إلى اليمن في مقابل الدعم السعودي الإماراتي في رفع العقوبات الأميركية وحذف السودان من قائمة وزارة الخارجية الأميركية للدول الراعية للإرهاب. وكدليل على التزامهم.

وبحلول مارس 2016، وافق البشير على إرسال 6000 من أفراد النخبة، لدعم الجانب السعودي في اليمن. كانت مكافأته، جزئياً بفضل الضغط السعودي الإماراتي في واشنطن، تتمثل في أن رفعت الولايات المتحدة في أكتوبر 2017 مجموعة من العقوبات المستمرة منذ عقدين من الزمن، قائلة إن السودان بدأ في معالجة المخاوف بشأن الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان في دارفور.

كانت تركيا تراهن على انعدام الثقة بشكل عميق بين البشير والرياض. فعلى سبيل المثال، في يونيو 2017، بعد أن فرضت المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى في الخليج حصاراً على دولة قطر.

مثل هذه المواقف المحرجة كانت مثالاً لما أصبح عليه النظام الإسلامي في السودان. كانت أنقرة تبالغ في تقدير ما يمكن للبشير فعله في ظل نظام فاسد وغير كفء على نحو متزايد. منذ ذلك الحين، عمل الحسين بجد على خلع البشير، وفعل ضباط من الطموحين في الجيش والمخابرات الشيء نفسه. بعد الإطاحة بالبشير في أبريل، تعهدت السعودية والإمارات بنحو ثلاثة مليارات دولار في صورة مساعدة اقتصادية للمجلس العسكري السوداني الذي يشرف على الانتقال إلى الديمقراطية. عاد الحسين الآن إلى السودان، وينشغل بإقناع الجنرالات بالاستفادة من العقود المربحة مع الخليج.

نهج "الانتظار والترقب" التركي في السودان أمر ضروري. أعلن الرئيس الحالي للمجلس العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان أن سواكن جزء لا يتجزأ من السودان. وقد أوضحت تغريداته أنه يعتزم إلغاء اتفاق البشير مع تركيا بشأن سواكن. وقال البرهان في تغريداته "سواكن جزء لا يتجزأ من السودان، قيمتها لا تقدر بثمن وتاريخها لا يمكن أن يُباع، نؤكد أننا نحرص على سيادة أراضينا، ولن نرضى بالتواجد الأجنبي العسكري في السودان".

وفي ظل تزايد التوترات بين المجلس العسكري الانتقالي في السودان وجماعات المعارضة التي تقود حملة للعصيان المدني، من المرجح أن تزيد أنقرة من دعمها للانتقال المدني. ومع ذلك، مع اندلاع أزمة مماثلة في ليبيا ومع زيادة الضغط في محافظة إدلب السورية، فإن تركيا لديها ما يكفي من مشكلات للتعامل معها في سياستها الخارجية الإقليمية الفاشلة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/geopolitics/how-saudi-arabia-outmanoeuvred-turkey-sudan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.