كيف تم تطويع الإنتربول لخدمة نظام أردوغان؟

بالنسبة لبعض الأشخاص الذين تعرضوا لمحنة الاحتجاز نتيجة لنشرة حمراء أصدرها الإنتربول، فإن التجربة كانت مرعبة وعبثية لا تضاهيها في غرابتها وقسوتها إلا القصص التراجيدية. 
فلك أن تتخيل أن شخصا عاديا قد يتعرض للاحتجاز أثناء محاولة عبور حدود دولة ما للعمل أو لقضاء عطلة بسبب مذكرة سرية صادرة عن منظمة دولية. والأنكى من ذلك أنه قد يقبع في السجن لعدة أشهر حتى يتمكن من إثبات براءته من الاتهامات المذكورة في النشرة، والتي تكون عادة مبهمة في صياغتها وخطيرة في طبيعتها، مثل الإرهاب أو السعي للإطاحة بحكومة منتخبة. وعلى الرغم من أنه يتم إطلاق سراح هؤلاء الأشخاص في نهاية المطاف، إلا أنهم يبقون في دوامة من المشاكل القانونية، لأنهم ببساطة غير قادرين على تبرئة أسمائهم في ظل عدم السماح لهم بالاطلاع الكامل على الاتهامات والأدلة المزعومة ضدهم.
وهذا السيناريو المرعب أصبح بالنسبة لعدد متزايد من المعارضين السياسيين حول العالم خطرا حقيقيا وملموسا. ونظرا لمجموعة من الأسباب التي سبق عرضها في مقالتي السابقة حول هذا الموضوع، أصبح الإنتربول ونشراته الحمراء الشهيرة سلاحا جديدا في جعبة الأنظمة الاستبدادية وغير الليبرالية ضد منتقديهم الذين يعيشون في الخارج. وفي هذا السياق، لن تجد مثالا يجسد ظاهرة إساءة استخدام هذه الدول لصلاحيات الإنتربول أفضل من تركيا.
وكانت الحكومة التركية قد بدأت في إصدار نشرات حمراء ذات دوافع سياسية وغيرها من البلاغات عن طريق الإنتربول بأعداد كبيرة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016. ومن أبرز هذه النشرات تلك التي صدرت بحق صالح مسلم، وهو زعيم كردي سوري، وأنيس كانتر، لاعب كرة السلة المحترف في الولايات المتحدة.
لكن في حقيقة الأمر تركيا كانت قد بدأت إساءة استخدام النشرات الحمراء للإنتربول من أجل استهداف المعارضين وترهيبهم والسعي إلى تسليمهم على نطاق أصغر منذ سنوات. وتوضح القصص التالية لأوائل ضحايا هذه الممارسات كيف يمكن لها أن تعكر صفو حياة المعارضين الأتراك بشكل دائم.
ففي عام 2006، وجد بهار كيميونغور، وهو ناشط بلجيكي من أصل تركي، نفسه مستهدفا من جانب الحكومة التركية للمرة الأولى بعد أن أصدرت بحقه نشرة حمراء لاعتقاله عبر الإنتربول. وحملت هذه النشرة اتهامات تركية ضد كيميونغور بالارتباط بحزب جبهة التحرير الشعبية الثورية، وهي جماعة ماركسية تركية تصنفها كل من تركيا والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية. ووفقا لمنظمة (المحاكمات العادلة الدولية) التي ساعدت كيميونغور في قضيته، فقد ألقي القبض على الناشط البلجيكي ثلاث مرات على الأقل بسبب هذه النشرة. 
لكن في هولندا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا حيث تم الفصل في هذه الاتهامات، تم رفض جميع الادعاءات التركية. وخلصت محاكم هذه الدول إلى أن اتهامات تركيا تستند إلى أفعال تندرج تحت نطاق حرية التعبير والمعتقد، مثل المشاركة في احتجاجات ضد سياسات الحكومة التركية.
ومن بين من ساعدتهم منظمة (المحاكمات العادلة الدولية) أيضا الصحفية التركية وجدان أوزردم التي عاشت لسنوات تحت تهديد نشرة حمراء صدرت بحقها من تركيا. وتقيم أوزدرم في ألمانيا منذ عام 2004، ومُنحت حق اللجوء هناك في عام 2006 بعد أن أمضت ما يقرب من 10 سنوات في السجن في تركيا حيث تعرضت للتعذيب بحسب قولها. وفي عام 2012، أُلقي القبض على أوزدرم أثناء سفرها من البوسنة إلى كرواتيا. وحتى تلك اللحظة، لم يكن لديها أدنى فكرة بأنها كانت مطلوبة من جانب تركيا.
وتصف أوزدرم التجربة العبثية لاعتقالها في سياق حديثها لمنظمة (المحاكمات العادلة) بالقول "بالطبع كنت قد سمعت عن الإنتربول والنشرات الحمراء، لكنني كنت أظن أن السفاحين أو الأشخاص المشهورين أو المجرمين الحقيقيين هم من تصدر بحقهم هذه النشرات، ولم أفكر مطلقا في أنني سأكون يوما ما هدفا لنشرة حمراء. كيف أصف هذه التجربة؟ كان الأمر أشبه بالسقوط في هاوية سحيقة أو في حفرة عميقة جدا. لقد كان الأمر أشبه بلحظة توقفت فيها الحياة وانهار كل شيء في حياتي".
لم تكن أوزدرم مخطئة في تصوراتها بشأن الإنتربول. فقبل إنشاء نظام التقديم الفوري في عام 2002، كان إصدار نشرة حمراء أو أي بلاغ آخر عبر الإنتربول عملية معقدة وبطيئة. وكان الافتقار إلى الكفاءة في هذه العملية يضع قيودا إلى حد ما على ممارسات إساءة الاستخدام، وذلك لأن الدول الأعضاء كان يتعين عليها استثمار ما يلزم من وقت طويل لإتمام هذه العملية. وبالتالي، كانت الدول مضطرة لإعطاء الأولوية في نشراتها الحمراء لملاحقة المجرمين الحقيقيين. ولكن بين عامي 2001 و2017، ارتفع عدد النشرات الحمراء من 1418 إلى 13048، ويكشف العدد المتزايد للشكاوى ضد الإنتربول أن نسبة كبيرة من هذه النشرات الجديدة تستهدف المعارضين في الأساس.
وتشير الدلائل إلى أن معظم المعارضين المستهدفين من خلال النشرات الحمراء، مثل كيميونغور وأوزردم، لا يتم تسليمهم إلى بلدهم الأصلي. وفي تقرير للمجلس الأطلسي، أشار آرون ستاين، مدير برنامج الشرق الأوسط بمعهد أبحاث السياسة الخارجية، إلى أنه "في كل حالة جرى الإبلاغ عنها، يكون احتمال التسليم إلى تركيا مستبعدا، إن لم يكن مستحيلا، ويتم إطلاق سراح المتهم".
وقد يدل هذا في ظاهر الأمر على أن نظام الإنتربول يعمل بكفاءة، لكن في مقال نُشر مؤخرا في مجلة الديمقراطية التي تصدر كل ثلاثة شهور عن جامعة جون هوبكنز الأميركية، قال إدوارد ليمون، الباحث الزميل في كلية دانييل مورغان للدراسات العليا في واشنطن، إن التسليم ليس هو الهدف الأساسي لأي نظام يستهدف المعارضين المجاهرين بانتقاداتهم باستخدام النشرات الحمراء. وتوصل ليمون إلى هذه النتيجة بعد مقابلات أجراها مع 23 شخصا من روسيا وتركيا وطاجيكستان وأوزبكستان بعد أن صدر بحقهم جميعا نشرات حمراء.
وكتب ليمون في مقاله "حتى إذا لم تنجح الأنظمة الاستبدادية في تسلم خصومها، فإن مجرد وضع هؤلاء الأفراد على قائمة الإنتربول يحد من قدرتهم على السفر بحرية وتقنين وضعهم كمهاجرين وفتح حسابات مصرفية واستئجار العقارات والعثور على فرص عمل. وبهذه الطريقة، فإن هذه النشرة تتسبب في زيادة الأعباء والتكاليف على المعارضين، حتى بالنسبة لأولئك الذين يملكون خيار الفرار إلى الخارج".
وأضاف أن الدول الاستبدادية تستخدم الإنتربول لإضفاء شرعية على ادعاءاتها وإجبار الدول الأخرى على النظر في التهم الموجهة ضد خصومها السياسيين، حتى لو تم إسقاطها في نهاية المطاف، وذلك بهدف إلباس قمعها السياسي ثوب الشرعية القضائية.
وذكر ليمون أنه على الرغم من أن الإنتربول ليس سوى مركز لتبادل المعلومات ولا يملك سوى القليل من الرقابة على المعلومات التي تقدمها الدول الأعضاء، "تقوم وسائل الإعلام الحكومية التركية بنشر مقالات عن المعارضين المطلوبين عبر الإنتربول، مما يعطي الانطباع بأن المنظمة الدولية نفسها هي من تتهم هؤلاء الأشخاص بارتكاب جرائم". وبالطبع، فإن وضع اسم الإنتربول بجانب قائمة الاتهامات الملفقة لهم سيعطيها حتما قدرا من المصداقية.
ويركز الفرع التركي للإنتربول على الأفراد الأكراد ممن يرتبطون بصلات بحزب العمال الكردستاني وكذلك أتباع حركة فتح الله غولن والمعارضين الأتراك في أوروبا. بعبارة أخرى، تستهدف تركيا المنظمات المعنية بالشأن التركي والتي تعمل من الخارج، وكذلك الأفراد الذين انتقلوا مؤخرا للعيش في المنفى، والذين يرتبط الكثير منهم بهذه المنظمات. وتعمل النشرات الحمراء ليس فقط على ترهيب المعارضين في الخارج، وإنما أيضا على الضغط على الأفراد والمنظمات كي لا يجاهروا بانتقاداتهم في الداخل.
ويمكن أن تتسبب النشرات الحمراء، حتى وإن جرى رفعها لاحقا، في إلحاق الضرر بالأفراد إلى أجل غير مسمى. فعلى الرغم من إلغاء النشرة الحمراء الصادرة بحق كيميونغور في عام 2014، جرى توقيفه في اليونان في العام اللاحق واحتُجز مؤقتا لحين تأكد المسؤولين من حالة النشرة الحمراء الصادرة ضده. وفي وقت سابق من نفس العام، جرى توقيف زوجته في سويسرا أثناء سفرهما لقضاء عطلة عائلية.
كما أمضت أوزدرم ستة أشهر في السجن في كرواتيا قبل رفض الاتهامات الموجهة إليها، وخلال هذه الفترة تردت حالتها الصحية وأصبحت مريضة للغاية. وتم إلغاء النشرة الحمراء الصادرة بحقها في عام 2017.
ثم هناك الضرر الذي يلحق بالسمعة، إذ يقول كيميونغور عبر رسالة على البريد الإلكتروني:
"على المستوى المهني، كثيرا ما أواجه صعوبات بسبب السمعة السلبية التي التصقت بي دوليا بسبب النشرة الحمراء الصادرة ضدي. فأصحاب العمل يخشون حملات التشهير والانتقام التي يمكن أن يتعرضوا لها من قبل أنصار نظام أردوغان. ونتيجة لذلك، أحتاج دائما إلى التفكير في بدائل للاعتناء بعائلتي... وحتى لو تم رفعها، فإن النشرة الحمراء تظل عالقة على جسدك طيلة عمرك كندبة جرح غائر".
باختصار، تم تطويع الإنتربول في السنوات الأخيرة لخدمة مصالح الأنظمة الاستبدادية، ولا بد أن تقوم المنظمة بإصلاح إجراءاتها وأنظمتها إذا أرادت أن تواصل الالتزام بميثاقها فيما يتعلق بدعم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وسيناقش المقال التالي والأخير في هذه السلسلة الإصلاحات التي نفذها الإنتربول في السنوات الأخيرة، والخطوات التي يقول الخبراء إنه لا يزال يتعين اتخاذها من أجل الحد من الانتهاكات.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-interpol/how-interpol-co-opted-serve-anti-democratic-agendas-worldwide
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.