كيف تمنع فرنسا تشكيل كيان تابع لأردوغان والإخوان في ليبيا

تسعى فرنسا إلى منع تشكيل كيان سياسيّ تابع للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتيّار الإسلامي السياسيّ المتمثل بالإخوان المسلمين في ليبيا، لما يعنيه ذلك من مخاطر على أمن فرنسا وأوروبا والمتوسط، وما يمكن أن يتسبّب به للمنطقة من كوارث على المدى البعيد، بحسب محللين.

ومن أجل ذلك تحاول فرنسا استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية في ليبيا حيث تنخرط قوى إقليمية بشكل أكبر يوما بعد يوم، فيما تواجه اضمحلال نفوذها بعد اتهامها بدعم المشير خليفة حفتر، وفق ما يرى محللون.

ولا ترغب فرنسا بتشكل إسلام متشدد في ليبيا مقرب من جماعة الإخوان المسلمين، القريب من القطريين والأتراك على حد سواء، وتعمل على محاربة أي صيغة محتملة من هذا القبيل على حدودها الجنوبية في المتوسط.

ورغم نفيها لذلك علناً، يُعتقد أن باريس تراهن على المشير خليفة حفتر، بعد إطلاقه في أبريل 2019 هجوما على طرابلس، مقر حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج، المدعومة من الأمم المتحدة.

وبعد فترة من الجمود امتدت لأشهر على جبهات القتال، سجلت القوات الموالية لحفتر مؤخراً سلسلة هزائم عسكرية. وتنظر فرنسا بقلق لتدهور الوضع ميدانيا نظراً لأن التحديات المستقبلية لا تتعلق بالمستقبل الليبي وحده.

ومن بين العديد من القوى الإقليمية المنخرطة في النزاع الليبي، تدعم الإمارات العربية المتحدة وروسيا معسكر حفتر، بينما تدعم تركيا وقطر حكومة الوفاق الوطني.

وأعرب وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان الأسبوع الماضي عن أسفه للتدخل المتزايد لموسكو وأنقرة في النزاع.

وقال لو دريان "لا يمكن أن نتخيل حالة مماثلة من المنازعات، شبيهة بـنموذج النزاع السوري، على بعد 200 كيلومتر من السواحل الأوروبية"، متحدثاً عن وجود مرتزقة سوريين في كلا المعسكرين.

وأجرى وزير الخارجية الفرنسي مشاورات مع السراج تناولت "ضرورة" إعادة فرض وقف إطلاق النار في ليبيا، ووقف "التدخلات الخارجية" في هذا البلد، خلال أول اتصال رسمي بين باريس وطرابلس منذ شهور.

وحول ما إذا كانت تساور فرنسا شكوكاً بشأن خليفة حفتر بسبب انتكاساته العسكرية الأخيرة، يقول الباحث في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغفاورة جيمس دورسي، "سأكون حذراً للغاية بشأن فكرة عدول فرنسا" عن دعمها له.

وأضاف "من المنطقي جداً أن تواصل فرنسا دعم حفتر"، مشيرا على وجه الخصوص إلى أن هذا الدعم من شأنه الإسهام في الحد من كافة أشكال عمليات التهريب التي تغذي التنظيمات الجهادية في الساحل وبحيرة تشاد، الواقعة على الحدود الجنوبية لليبيا.

ماركون والسراج وحفتر
هل تستعيد فرنسا زمام المبادرة في ليبيا

واعتبر الباحث في قسم السياسة والعلاقات الدولية في أكسفورد سامويل راماني من جهته أنه "مع ضعف موقف حفتر، تحمي فرنسا ظهرها وتحاول موازنة علاقاتها" مع أطراف النزاع الليبي.

ويرى أن فرنسا تسعى بالدرجة الأولى إلى تحقيق الاستقرار، موضحا "أنها ترى أن أفضل فرصة لتحقيقه تكمن في تعزيز سلطة رجل قوي مثل حفتر".

ويشير آخرون إلى أن باريس يجب أن تقاتل من أجل ضمان استمرارها في التأثير على هذا الصراع الذي يفلت من يديها. وأجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السبت مشاورات مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تدعم بلاده حفتر، حول "تعزيز التنسيق بين البلدين" حول الملف الليبي.

ويشير خبير في الملف من باريس إلى أن "الإشكالية تتحول إلى ملف إقليمي أكثر فأكثر، وهذا ما يثير القلق، لكنه يفتح في نفس الوقت المجال أمام طرح مبادرة سياسية".

وأضاف "أن فرنسا قلقة للغاية. قد تصبح ليبيا مركزاً جديدا للجهاد وهناك مصالح كبيرة على المحك".

ولا يتوقع باسكال أوسيور، مدير مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية، حدوث تحول فوري في الموقف الفرنسي. واعتبر أن أحد المخاوف في باريس تكمن في "تزايد تدخل الجهات الخارجية لدرجة التوقف عن طلب رأيها".

وأوضح "كلما زاد عدد اللاعبين البارزين على الأرض مع وجود مجموعات مقاتلة وطائرات وصواريخ مضادة للطائرات وحتى قوات، قل تأثير فرنسا"، متحدثاً عن اتفاق تم التفاوض عليه مباشرة بين موسكو وأنقرة، لا يصب في صالح فرنسا، في هذا البلد الذي تعمه الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011.

ويُرجح أن تكون تركيا وروسيا، التي تدعم كل منهما طرفاً في النزاع كما هو الحال في سوريا، اتفقتا على تقاسم النفوذ على أساس المناطق التي يسيطر عليها كل من حكومة الوفاق وحفتر.

كما لا ترغب فرنسا بتشكل إسلام متشدد في ليبيا مقرب من جماعة الإخوان المسلمين، القريب من القطريين والأتراك على حد سواء.

ويرى أوسيور "أن معضلة فرنسا تكمن في عدم السماح لمحور السراج وأردوغان وقطر بنشر فكر الإخوان المسلمين المناهض لأوروبا وبالتالي التخفيف من تدخله (في النزاع)، دون أن تجد نفسها، آلياً في معسكر لا يمكن الدفاع عنه".

ويختلف أردوغان صاحب الطموح، مع الأوروبيين حول العديد من القضايا. ويشير العسكري الفرنسي السابق إلى أنه "عندما يكون أردوغان في طرف، فإننا نميل تلقائيا إلى النظر في الاتجاه الآخر".