كيف يدير أردوغان صراع تركيا التاريخيّ المتجدّد مع الغرب

أنقرة - يبدو أنّ توجّه تركيا نحو الغرب ينحسر بشكل كبير ويكاد يصل إلى مراحله الأخيرة ويحتضر على يدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يقوم بتحويل تركيا شرقاً مرة أخرى.

وفي هذا السياق قال محلل لصحيفة جيروزاليم بوست في تحقيق نشر يوم الأحد إن الإرث الذي خلفته معاهدة عمرها قرن وفرضتها القوى الأوروبية على الإمبراطورية العثمانية ساعد في تشكيل السياسة الخارجية التركية التي توسّعت مؤخرًا في المنطقة.

أشار المحلل إلى أنّ معاهدة سيفر كانت إهانة ساحقة للعثمانيين، حيث عرضت تفكيك إمبراطورية السلاطين، وتركت دولة منهكة يمكن أن يلعق فيها الشعب التركي جراحه.

احتشد الأتراك حول المارشال الميداني مصطفى كمال أتاتورك، القائد العسكري العثماني الوحيد الذي لم يهزم في الحرب العالمية الأولى. وكان أتاتورك العقل المدبر للدفاع التركي عن غاليبولي، وهو نصر محوري شكل الهوية التركية بقدر ما شكّل ترافالغار الهوية البريطانية.

ومن رماد الإمبراطورية العثمانية، تجنب أتاتورك الأيديولوجية السياسية الإسلامية وأشعل نار القومية التركية العلمانية. وغير راضٍ عن الشروط المفروضة في سيفر، أطلق أتاتورك حرب الاستقلال التركية، مع اليونان وفرنسا والمملكة المتحدة، من بين دول أخرى. وتحت قيادة أتاتورك، خرجت الحركة الوطنية التركية منتصرة على منافسيها، واستردت عددًا من الأراضي المفقودة وأقامت تركيا علمانية حديثة.

إن انتصار دولة تركية جريئة على القوى الغربية التي تسببت في سقوط العثمانيين من النعمة هي قصة متأصلة بعمق في الثقافة السياسية التركية. ومع ذلك، كانت هناك دائمًا أصوات عبر تاريخ تركيا الحديث أعربت عن عدم رضاها عن الأحداث التي وقعت قبل قرن من الزمان، معتقدة أن أتاتورك لم يدفع بعيدًا بما يكفي في معاهدة لوزان.

هذه المشاعر لم يعبّر عنها سوى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي طالب بإعادة التفاوض على المعاهدة عندما زار أثينا في ديسمبر 2017، وكانت أول زيارة من نوعها إلى اليونان من قبل رئيس دولة تركي منذ 65 عامًا.

ويرى مكسوت سيريم، كبير مساعدي الرئيس، الملقب بـ "الحارس السري" لأردوغان، أن المعاهدة قد انتهت، وفقًا لمحادثة هاتفية تم التنصت عليها وتم تقديمها إلى محكمة تركية.

وبحسب محلل جيروزاليم بوست لقد صاغ أردوغان عقيدة سياسية جديدة، حيث أخذ القومية التركية القوية لأتاتورك وصبها بطموح عثماني جديد انتقامي وأجندة إسلامية راديكالية. وقد ولّد هذا شعوراً بالعمل غير المنجز، وساد تطلع إلى استعادة الأراضي التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية القديمة للحكم التركي.

وقد أدت هذه القومية الجديدة أيضًا إلى سعي أردوغان لاستخدام حكومته كوصي على الشعوب التركية، ويتجلى ذلك بشكل واضح في دعمه لأذربيجان في التصعيد الأخير في منطقة ناغورني قره باغ المتنازع عليها. ولا يستطيع الإسلامي العازم على تدخله نيابة عن باكو أن يتجنب لفت الانتباه، لأنه نشر مجموعة من الإرهابيين السوريين بقيادة قائد سابق في داعش لمحاربة ركنهم.

ولا تزال أصداء سيفر ولوزان تتردد في جميع أنحاء أروقة السلطة في أنقرة. اعتقادًا منهم أن سقوط الإمبراطورية العثمانية كان بسبب عدم قدرتها على تأمين السيادة البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط، فابتكر الضباط العسكريون في عام 2006 مفهوم "الوطن الأزرق"، الذي يدعي السيادة على مساحات شاسعة من بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط. بعد أن كان من بنات أفكار خصومه الأكثر صخباً، وخصص أردوغان هذه السياسة لنفسه وكان ينفذها بثقة.

حتى أن أردوغان استند إلى سيفر في توبيخه لأولئك الذين يتحدون أنشطته في البحر الأبيض المتوسط، قائلاً: "(بعد أن رفضت معاهدة سيفر قبل 100 عام، لن تنحني تركيا أمام ضغط سيفر الحديث عليها في شرق البحر المتوسط." وتراه يخفي نفسه في حالة من الغضب المبتذل، ويواصل محاولة توجيه روح أتاتورك، واصفًا طموحاته التوسعية بأنها تمثّل تحدي مستضعف شجاع في مواجهة المستعمرين الأوروبيين.

وصل هذا الخطاب إلى ذروته هذا الأسبوع عندما وصف أردوغان الصحة العقلية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنها موضع تساؤل، ردًا على حملة الرئيس الفرنسي للحفاظ على القيم العلمانية في أعقاب قطع رأس مدرس أظهر رسوم كاريكاتورية للنبي محمد في الصف. ورد ماكرون باستدعاء السفير الفرنسي في تركيا.

وقد اشتبك الاثنان عدة مرات في الآونة الأخيرة حيث اتخذ ماكرون موقفاً رافضاً للاستفزازات التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وانتقد بشدة نشر أنقرة للجهاديين السوريين للقتال في ليبيا. واستدعى الرئيس الفرنسي السفير في أنقرة بعد تصريحات تحريضية من أردوغان، الذي رد منذ ذلك الحين بالدعوة إلى مقاطعة جماعية للبضائع الفرنسية. وتولى ماكرون في كثير من الملفات القيادة الغربية ضدّ الطموحات التركية.

يلفت المحلل إلى أنّ هناك تشكيلة سياسية مسمومة يتم توزيعها وتقديمها في أنقرة. وتشمل مكوناتها الإسلام السياسي المتشدد، والقومية العرقية التركية، والأحلام الوحدوية باستعادة الأراضي العثمانية، وسيادة الاعتقاد بنظرية المؤامرات الغربية ضد تركيا. والنتيجة الوحيدة المحتملة هي أن التوترات ستستمر في التصاعد بينما يوجه أردوغان بلاده بعيدًا عن الديمقراطيات الليبرالية الغربية ونحو ما يمكن توصيفه بنادي الديمقراطيات المقيّدة بقيادة روسيا والصين.