كيف يمكن لحلف شمال الأطلسي معاقبة تركيا

في الذكرى السبعين لتأسيس حلف شمال الأطلسي، لا يوجد بين الأعضاء دولة ضلّت عن الأفكار التأسيسية للحلف، بقدر ما فعلت تركيا في السنة الأخيرة. لكن بينما يجتمع الأعضاء في لندن لحضور قمة هذا الأسبوع، ما زال قادة حلف شمال الأطلسي يفكرون في كيفية الرد.

وإذا كنا نتحدث عن الإساءات التي فعلتها أنقرة في الأونة الأخيرة، فيجب أن نبدأ بشرائها أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400، والتي حصلت تركيا على أول مكوناتها في شهر يوليو الماضي. تأسس الحلف في الأساس للتصدي للاتحاد السوفيتي. وفي قمة وارسو عام 2016، صنف الحلف روسيا كأكبر تهديد للاستقرار.

وبعد مرور نحو 30 عاماً على انهيار الاتحاد السوفيتي، ما زال أعضاء الحلف ينشرون أنظمة صديقة لحلف شمال الأطلسي، ويتجنبون المعدات العسكرية القادمة من موسكو وحلفائها. لكن شراء تركيا نظام إس-400 من روسيا أنهى هذه الآلية، ومنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مكسباً، وفقاً لمارك بييريني، الأستاذ الزائر في كارنيغي أوروبا.

وقال بييريني لموقع أحوال تركية "نشر إس-400 ألقى بظلاله على رغبة تركيا في المحافظة على التزامات الحلف" مضيفاً أن الأمر المثير لمزيد من القلق هو جانب سياسي، وأشار إلى أن "روسيا تنصب معداتها وتنشر جنودها على أراضي حلف شمال الأطلسي".

وجمّد البنتاغون مشاركة تركيا في برنامج الطائرات الأميركية المقاتلة من طراز إف-35 بسبب صفقة إس-400، التي جعلت تركيا تواجه أيضاً خطر التعرض لعقوبات أميركية. وقال مسؤولون في حلف شمال الأطلسي إن وجود أنظمة إس-400 في بلد عضو في حلف شمال الأطلسي سيخلق مخاطر أمنية لدفاعاتها. ويتوقع محللون أن يتجنب أعضاء حلف شمال الأطلسي تسليم تركيا طائرات مقاتلة من الجيل الخامس، مثل الطائرات إف-35، طالما أنها تنشر أنظمة دفاع روسية.

والإساءة التركية الثانية هي اعتداؤها المستمر حالياً على شمالي سوريا، والذي تسبب في نزوح نحو 300 ألف شخص، وتقارير كثيرة تتحدث عن جرائم حرب في الجزء الذي يسيطر عليه حلفاء تركيا من المعارضة. ووصف عدد من المراقبين البارزين الهجوم بأنه تطهير عرقي، لأسباب منها خطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتوطين ما يصل إلى مليوني لاجئ سوري عربي في المناطق التي كانت حتى وقت قريب بها أغلبية كردية.

وقال بييريني، الذي مع ذلك يتوقع أن يدعو مسؤولون أتراك الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي لدعم أهدافهم في سوريا، إن "الهجوم العسكري التركي على سوريا أُدين بالإجماع من جانب الدول الزميلة في حلف شمال الأطلسي، ولا يوجد تأييد لخطة إعادة توطين في غياب تسوية في سوريا تتفق عليها الأمم المتحدة".

في واقع الأمر، رفضت تركيا في الأسبوع الأخير أن تدعم خطة دفاعية من حلف شمال الأطلسي تخص بولندا ودول البلطيق قبل أن يقر الحلف بأن ميليشيا كردية تحاربها في سوريا منظمة إرهابية.

ويخشى مسؤولون في حلف شمال الأطلسي أيضا من أعمال التنقيب عن الغاز الطبيعي التي تنفذها تركيا في مياه شرقي المتوسط، والتي تقول جمهورية قبرص إنها مياهها الإقليمية، فضلاً عن اتفاق أنقرة مع ليبيا الأسبوع الماضي، والذي سيُعيد رسم الحدود البحرية لتركيا بما يصب في مصلحة أنقرة.

وقالت اليونان يوم الأحد إنها ستسعى للحصول على دعم حلف شمال الأطلسي، رداً على اتفاق تركيا مع ليبيا، والذي ترى أثينا أنه غير قانوني. وقال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إن "أي تحالف لا يمكنه أن يظل غير مبال عندما ينتهك أحد أعضائه القانون الدولي بشكل علني ويسعى إلى (إلحاق الضرر) بعضو آخر".

وإذا كان كل ذلك غير كاف، فقد قال أردوغان يوم الجمعة إن تحذير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن حلف شمال الأطلسي يموت، يعكس فهما "عقيماً وضحلاً" للحلف، ونصح ماكرون بأن يتأكد ما إذا كان "في حالة موت دماغي".

ودفع جيد بابين، نائب وكيل وزارة الدفاع الأميركية السابق، بأنه ربما تستحق تركيا أن تُطرد من حلف شمال الأطلسي. وشاركته الرأي أصوات بارزة أخرى، ومن بينهم ديفيد إل. فيليبس، كبير المستشارين السابق في وزارة الخارجية الأميركية، وتيودور كاراسيك، المستشار الأول في غلف ستيت أناليتكس.

ويتفق المحللون بشكل عام على أن طرد تركيا من الحلف غير مرجح، بالنظر إلى المميزات الجيوسياسية الضرورية التي تتمتع بها تركيا، وعلى وجه التحديد حدودها مع سوريا، حيث لدى روسيا وجود كبير ونفوذ متنام.

وقالت راشيل ريزو، الأستاذ المساعد في مركز الأمن الأميركي الجديد، والزميلة في مؤسسة روبرت بوش ستيفتونغ البحثية الألمانية، إن حلف شمال الأطلسي في موقف صعب.

وأوضحت أن الحزب بحاجة إلى تركيا لعدة أسباب، ومن ثم فإنه لا يستطيع نبذها بشكل كامل... إنها رقصة تحتاج إلى مرونة شديدة، يحاول كل من الطرفين تعلُّمها".

أضافت ريزو أن حلف شمال الأطلسي كيان قائم على التوافق، ومن ثم فإن أي عقوبات على مستوى الحلف بحق تركيا غير مطروحة على الطاولة، لأن أنقرة ستحتج ضدها ببساطة. حتى إذا كان مسؤولو حلف شمال الأطلسي قادرين على إيجاد وسيلة لمعاقبة تركيا، فإنها قد ترد وتزيد مستوى التوتر.

"أي عقوبات رسمية ضد تركيا من جانب حلف شمال الأطلسي ستصب في مصلحة روسيا لا محالة، لذا فإن هذا لن يحدث... ورقة اللعب المتاحة هي سياسة احتواء تركيا في بعض أنشطة حلف شمال الأطلسي الأكثر حساسية".

وقد يكون ذلك بدأ فعلاً في شهر مايو الماضي، حيث قالت تقارير عدة إن حلف شمال الأطلسي بدأ تجميد مشاركة مسؤولين أتراك في لجان واجتماعات عسكرية مهمة لحلف شمال الأطلسي، بسبب زيادة المخاوف الأمنية ذات الصلة بالصواريخ إس-400.

وترى ريزو أن مثل تلك العقوبات التدريجية تُحدث أثراً محدوداً على المدى الطويل. وقالت إن "القضايا القائمة مع تركيا ليست مجرد قضايا عسكرية، أو قضايا إس-400، إنها أكثر عمقاً من ذلك – في قلب ديمقراطيتها... إبقاء المعدات العسكرية خارج البلاد، أو تجميد مسؤولين أتراك خارج كيانات مهمة في حلف شمال الأطلسي لن يغير ذلك".

وعبّر بيرييني عن القليل من الأمل في أن يسفر اجتماع الثلاثاء، بين ماكرون وأردوغان والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، عن بداية لإصلاح علاقات حلف شمال الأطلسي مع تركيا.

وقال "لقد كسرت تركيا الكثير من الثقة مع حلفائها... قيادتها السياسية تعتقد أن هذا في مصلحتها، وفي رأيي هذا تقييم خطأ... اجتماع حلف شمال الأطلسي هو من ثم من المنتظر أن يكون متوتراً للغاية. وستظل السنوات القادمة شاهدة على وجود قيادة تركية على خلاف دائم مع حلفائها في الغرب".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-europe/how-nato-can-punish-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.