كيف يستغلّ أردوغان الأزمات للتغطية على سياساته الفاشلة

إسطنبول – يعمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على استغلال الأزمات من أجل التغطية على سياساته التي يصفها معارضون بالفاشلة، وذلك في سياق ما يوصف بلعبة الهروب إلى الأمام، وترحيل المشاكل، واللعب على مسألة الوقت من أجل تخفيف وطأتها وحدتها، والتمكن من اختلاق تبريرات وذرائع لتحويرها وقلبها لصالحه وخدمته.

يوصف أردوغان بأنّه تاجر الأزمات، يتقن اللعب على الحبال، ويحسن استغلال الظروف لصالحه، بحيث يبرز نفسه الزعيم الحريص على الأمن القومي، والحامي لحدود البلاد، في الوقت الذي يوصَف بأنّه يسعى لبناء إمبراطوريته الشخصية الديكتاتورية، على حساب المصلحة العليا لتركيا، وذلك بحسب ما يذكر معارضوه.

يفتعل أردوغان الأزمات ثم يحاول النهوض بدور المنقذ والمخلص، وذلك في إطار سياسة التلاعب بالجماهير، وإقناع الأتراك بأنّه يمسك بزمام الأمور، ويمكنه إيجاد الحلول الإسعافية، أو اجتراحها، وأنّ الآخرين يتسبّبون في مضاعفتها بانتقاداتهم له ولسياساته.

ولا يغفل في هذا السياق تحوير الأنظار إلى ما يصفها بنظريات المؤامرة، وأنّ الأعداء يتربّصون به وبالأمة التركية، وأنّه يقود الخطّ الدفاعيّ الأوّل ضدّهم، ولا يرفع الراية البيضاء، ولا يلجأ إليهم، ويحرص على تحويل الأمر إلى مسألة كرامة وطنية، وأمن قومي، والإيحاء الدائم بأنّه يخوض معركة وجودية لا مجال فيها للتهاون مع أحد، ولا التراجع عن إتمام الصفقات والسياسات التي يورّط تركيا بها، بحسب ما يلفت محللون.

الأزمة التي يسبّبها فيروس كورونا عالمياً، تبدو فرصة سانحة لإلقاء اللوم عليها من أجل التعتيم على فشله الاقتصادي، وللإيحاء أنّ الأزمة التي تتفشى عالمياً، تمنعه من انتشال اقتصاد بلاده من الأزمة التي تعصف به منذ أكثر من عامين، والتي فقدت فيها العملة التركية أكثر من أربعين بالمئة من قيمتها حتى الآن، وما تزال تداعياتها اليومية المستمرة تثقل كواهل المواطنين الأتراك.

وبعد سياسة الإنكار بداية، أعلن في الأسبوع الماضي بتركيا رسمياً عن اكتشاف حالة إصابة بفيروس الكورونا، ثم تضاعف العدد، وتحدثت تقارير إعلامية عن عشرات الإصابات التي تكتمت عليها الحكومة، وكان المعزولون الذين بلغ عددهم أكثر من 37 في المشفى الألماني بإسطنبول. 

ثمّ جاء بعد الإنكار الرسمي لأعداد المصابين بالكورونا، الدور على توجيه أصابع الاتّهام إلى الخارج، والزعم بأنّ هناك عدد من المعتمرين العائدين من السعودية، يشتبه بأنّهم مصابون بفيروس الكورونا، وترافق ذلك مع سيل من السخرية من تسييس الأمر، والتملّص من المسؤولية، والإساءة للسعودية التي كانت اتخذت تدابير احترازية مسبقة على التدابير التي أعلنتها تركيا في الأيام القليلة الماضية. 

والأزمة الاقتصادية التي لا تلوح أية بوادر لتجاوزها، كانت محور تلفيقات ومزاعم اعتاد أردوغان وفريقه الحكومي على تكرارها، معتمدين بذلك على فكرة "اكذب اكذب حتّى يصدّقوك"، والكذب هنا تمثّل في التحدث دوماً عمّا كانوا يصفونه بالإرهاب الاقتصادي الذي يستهدف تركيا، والمؤامرة العالمية التي تخطط ضدها.

أردوغان يبتز أوروبا باللاجئين
أردوغان يبتز أوروبا باللاجئين

وفي هذه الأثناء يكرّر أردوغان وصهره بيرات البيرق معه، وبقية أعضاء حكومته، وعودهم بأنّ الأزمة مقبلة على الانتهاء في وقت قريب، وستتجاوزها تركيا، وتخرج منها أقوى اقتصادياً، في حين أنّ الوعود لم تستطع إقناع المواطنين الأتراك، ولا حتّى أكثر من مليون من أعضاء حزبه الحاكم الذين انفضّوا عنه، وانضمّ قسم منهم لأحزاب منافسة له.

وتزامن ذلك مع كيل أردوغان الاتهامات لرفاقه القدامى أمثال علي باباجان، وأحمد داود أوغلو، وعبدالله غول، بالخيانة والتآمر، ومحاولة تحميلهم جزءاً من الفشل الحكومي السابق، في ضربة استباقية منه لفضّ الأتراك من حولهم، والتشكيك بنزاهتهم وشخصياتهم، ليبدي نفسه الزعيم الأوحد الذي يجب أن يثق به الأتراك.

وهناك الأزمة المستعرة في إدلب، حيث قتل عشرات الجنود الأتراك، وما تزال تركيا تواصل دعم الميليشيات المعارضة المتشددة الموالية لها، وتستغلها من أجل الإبقاء على نفوذها هناك، وإدامة عمر نقاط المراقبة التي توصف بأنها نقاط احتلال للأراضي السورية، تعمل الحكومة السورية على طردها منها، بدعم من روسيا التي تفاوض أردوغان، ويبدو أن رئيسها فلاديمير بوتين لا يقدم له أية تنازلات في هذا الخصوص.

أزمة إدلب التي شارك أردوغان بافتعالها أوقعته في مأزق داخلي وخارجي، فحاول الهروب إلى الأمام كعادته، وتحويل أزمته ومأزقه إلى نقاط ضغط وأوراق ابتزاز ضدّ دول الاتّحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، فبادر إلى فتح الحدود لخلق أزمة اللاجئين من جديد، والإلقاء باللاجئين على الحدود الأوروبية من أجل إحراج الحكومات الأوروبية وإرغامها على تقديم الدعم له، وتلبية طلباته ومساندة سياساته في المنطقة.

ومن خلال أزمة اللاجئين حاول تحصيل الدعم والمساندة من الولايات المتحدة، ومن حلف الناتو، لكن ذلك لم يتمّ بالشكل الذي تخيله أو حلم به أردوغان، بل اقتصر الدعم على جوانب سياسية، ولم يتعدّ ذلك إلى أيّ دعم عسكريّ، ولا إلى إنشاء منطقة حظر جوّي في إدلب كما تطالب تركيا..

وأزمة إدلب، بالإضافة إلى أزمة اللاجئين المفتعلة من قبل أردوغان، تأتيان بدورهما في سياق التغطية على الأزمة التي تسبّب بها التدخّل العسكريّ التركي في ليبيا، والتي تلقي بظلالها على الدول المشاطئة للبحر المتوسط برمته، حيث يقوم أردوغان بتهديدها بشكل مباشر، من خلال توسيع عمليات التنقيب عن النفط والغاز، ناهيك عن استخدام أسلوب القرصنة، وتزويد طرابلس بالمرتزقة والأسلحة من إجل إدامة التوتّر والضغط على الجوار العربي والإفريقي والأوروبي معاً، بحيث تكون مفاتيح التهدئة والحلّ بيده، وعلى الراغبين بخروج من الأزمات من التوجّه إليه واسترضائه.

يلفت محللون إلى أنّ سياسة افتعال الأزمات، ومن ثم استعمالها كأوراق ضغط وابتزاز في الداخل الوخارج، باتت مفضوحة، وتظهر تركيا على أنّها دولة مارقة في محيطها الإقليمي، وفي العالم، وعلى أردوغان التحلّي بالمسؤولية، والتعاطي بمنطق رئيس الدولة المسؤول، لا بمنطق أمير الحرب الباحث عن اقتناص بعض الامتيازات الآنية هنا أو هناك، والفوز ببعض المعارك المؤقّتة سواء في سوريا أو ليبيا، أو غيرهما من المناطق التي يعيث فيها دماراً وتخريباً.