أحوال تركية
يوليو 26 2019

كيف يعيش المواطن التركي في ظل الارتفاع الكبير للأسعار؟

كيف يتدبّر المواطن التركيّ البسيط معيشته اليومية؟ كيف يتكيّف مع الارتفاع الكبير للأسعار؟ كيف يلبّي مستلزمات أسرته وهل بإمكانه حقّاً أن يلبّيه؟ الحدّ الأدنى للأجور في تركيا لا يكفي فرداً فكيف بأسرة كاملة؟

تدهورت أوضاع ملايين الأتراك بعد فقدان الليرة لأكثر من أربعين بالمئة من قيمتها منذ حوالي عام ونصف العام، وعلى الرغم من الوعود الكثيرة التي تطلقها الحكومة من أجل إعادة الاستقرار للاقتصاد، وإعادة الثقة به، إلّا أنّها لم تنعكس على حياة المواطن التركي البسيط بأيّ شكل من الأشكال بعد.

وعاقب المواطنون الأتراك في المدن الكبرى؛ إسطنبول، أنقرة، إزمير.. وغيرها من المدن التركية، في الانتخابات المحلية الأخيرة التي جرت في تركيا في نهاية مارس الماضي، حزب العدالة والتنمية الحاكم، وزعيمه الرئيس أردوغان، بأنّ صوّتوا للمعارضة، وذلك من منطلق إيصال رسالة واضحة فحواها أنّ فشل الحزب والحكومة في معالجة الأأوضاع الاقتصادية لن يمرّ بهذه السهولة، ولن يكون لحزب يهرب إلى الأمام، ويطلق الوعود تلو الوعود، مستقبل في تلك المدنهم، إن لم يقدّم نتائج ملموسة تنعكس على حياتهم بشكل مباشر، بعيداً عن التأميل وإلقاء اللوم على الآخرين.

ويدأب أردوغان على تحميل الآخرين مسؤولية ارتفاع الأسعار وانهيار الليرة، ويزعم أنّ هناك مؤامرة على اقتصاد بلاده، وأنّ تركيا تواجه إرهاباً اقتصادياً، في الوقت الذي يصرّ على إدارة الأزمة الاقتصادية بعقلية بعيدة عن منطق العصر، وعن العلمية والموضوعية، بطريقة توصف بأنّها شعبوية لا تعتمد على أيّ أساس علميّ أو موضوعي.  

وأشاد أردوغان اليوم الجمعة بقرار البنك المركزي أمس بخفض أسعار الفائدة إلى 19.75 بالمئة من 24 بالمئة بما يتجاوز التوقعات. وأضاف أنه يجب استمرار تيسير السياسة النقدية بوتيرة تدريجية حتى نهاية العام. وجاء تحرّك البنك المركزيّ بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إقالة أردوغان المفاجئة لمحافظ البنك مراد جتين كايا، واستبداله بنائبه مراد أويصال، في خطوة أثارت قلق المستثمرين. وقال أردوغان لأعضاء من حزب العدالة والتنمية الحاكم اليوم إن أسعار الفائدة المرتفعة أكبر عقبة أمام الاقتصاد التركي، الذي انزلق صوب الركود بعد أزمة العملة في العام الماضي.

وقال أكبر اتحاد للنقابات العمالية في تركيا يوم الجمعة إن الحد الأدنى للأجور في تركيا لا يكفي للموظف، ناهيك عن أسرة مكونة من أربعة أفراد. ووفقًا للتقرير الصادر عن نقابة العمال، بلغت النفقات الأساسية للأسرة المكونة من أربعة أفراد 6760 ليرة (1،195 دولارًا)، في حين أن تقدير الإنفاق الشهري لأربعة أفراد للحصول على تغذية كافية، يُعرف باسم عتبة الجوع، أو خطّ الفقر، بلغ 2075 ليرة (367 دولارًا).

إن تركيا تنتهك أحكام الميثاق الاجتماعي الأوروبي بشأن حقوق العمال
إن تركيا تنتهك أحكام الميثاق الاجتماعي الأوروبي بشأن حقوق العمال

وقال تقرير صدر عام 2018 من قبل اتحاد نقابات العمال الكبرى، إن حوالي 10 مليون عامل تركي يتلقون الحد الأدنى للأجور. وحددت الحكومة التركية الحد الأدنى للأجور عند 2020 ليرة (358 دولارًا)، لكن نقابة العمال حسبت تكلفة المعيشة الشهرية للعامل الواحد بـ 2،393 ليرة (424 دولارًا).

وقال التقرير إنّ "الحد الأدنى للأجور الذي أصبح مصدر رزق لملايين الموظفين لا يكفي لدعم عامل واحد، ناهيك عن أسرة مكونة من أربعة أفراد". وفي الوقت نفسه، ارتفع متوسط ​​الإنفاق الشهري على الطعام لعائلة مكونة من أربعة أفراد بمقدار 437 ليرة (77.5 دولارًا) منذ بداية عام 2019، وبواقع 1،176 ليرة (208.5 دولارًا) على أساس سنوي، وفقًا للتقرير.

وتأثر أصحاب الأجور في تركيا بأزمة العملة التي قضت على ما يقرب من الثلث من قيمة الليرة في عام 2018، مع تضخم أسعار المستهلكين بشكل عام أكثر من 20 في المئة طوال الأشهر الأولى من هذا العام. 

بالإضافة إلى أنّ الحدّ الأدنى للأجور لا يكفي لإعالة فرد واحد، فإنّ هناك بطالة مرعبة في تركيا، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى وجود 4 مليون عاطل عن العمل، في حين تشير إحصائيات غير رسمية إلى أنّ عدد العاطلين عن العمل يتجاوز الـ6 مليون عامل.

وهناك انخفاض في الشراء، والمستهلكون يقلصون مشترياتهم، في حين أنّ الأسعار في الأسواق والمتاجر متقاربة للغاية. وفي فبراير الماضي، وضعت الحكومة برنامجا يستهدف التجارة في الفاكهة والخضراوات في سوق الجملة بغرض خفض أسعار المستهلكين. وأشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضمنا في خطاب في نهاية يناير إلى أن الوسطاء والسماسرة مسؤولون عن رفع الأسعار.

وقالت اللجنة الأوروبية للحقوق الاجتماعية، في مارس الماضي، إن تركيا تنتهك أحكام الميثاق الاجتماعي الأوروبي بشأن حقوق العمال في العديد من المجالات الرئيسة، بما في ذلك الأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة ومتطلبات الفصل من العملكما قالت إنّ تركيا فشلت فيما يتعلق بموضوع الأجور، التي لا تمكّن العمال، بعد كل الخصومات المسموح بها، من إعالة أنفسهم ومن هم مسؤولون عن إعالتهم أيضاً. فالعمال يقضون أكثر من 60 ساعة عمل في الأسبوع؛ والموظفون المدنيون لا يحصلون على مزيد من الإجازات بدلاً من الأجر مقابل أوقات العمل الإضافي، وعدم وجود إشعار للفصل، وهي المهلة اللازم إعطاؤها للعامل في حال الفصل، أثناء فترة الاختبار.

يؤكّد محلّلون اقتصاديون أنّ الإحصائيات التي سجلتها وكالة التوظيف التركية ومعهد الإحصاء التركي ومؤسسة الضمان الاجتماعي تُظهر جميعها انهياراً حاداً في سوق العمل، وتزداد البطالة بمعدل ينذر بالخطر، يفقد الآلاف وظائفهم كل يوم. وهناك أعداد متزايدة كل شهر.

ويشير محلّلون إلى أنّه مع الأخذ في الاعتبار التأثير الضار على المدى الطويل للأزمات الاقتصادية على العمالة، يمكن توقّع أن أولئك الذين فقدوا وظائفهم لن يتمكنوا من العودة إلى العمل لبضع سنوات. ويجدون أنّ تركيا تحتاج إلى اتخاذ خطوات عاجلة لتوفير بدائل أكثر فعالية لصندوق البطالة لمساعدة العمال العاطلين عن العمل.

تزداد البطالة بمعدل ينذر بالخطر
تزداد البطالة بمعدل ينذر بالخطر