لا إخوان لتركيا في العراق يخدمون أجندتها، فمن هم رجالاتها هناك؟

 

لندن - ظلّت حركة الإخوان المسلمين، بفروعها عبر المنطقة العربية، في خدمة أجندة تركيا منذ سنوات، خاصة في العقدين الماضيين بعد أن ابتعدت أنقرة عن نهجها العلماني الذي كان أساس الدولة التركية الحديثة.
فمنذ صعود الرئيس رجب طيب أردوغان، أصبح الإخوان المسلمون أداة لتركيا تتسلل من خلالها إلى الدول العربية وتتدخل في شؤونها الداخلية، بهدف تحقيق الطموحات الجيوستراتيجية والاقتصادية لحزب العدالة والتنمية وزعيمه بشكل شخصي.
والعراق بالطبع ليس مُستثنى من طموحات تركيا التوسّعية، حيث أن الجار الجنوبي يتمتع بثروة نفطية هائلة، بينما يتعامل مع الظروف السياسية والأمنية الهشة.
في حين تواصل تركيا التدخل في الدول العربية مثل سوريا وليبيا واليمن، بما في ذلك من خلال دعم الجماعات الإسلامية المتشددة، تختلف استراتيجيتها للتسلل إلى العراق بسبب عدم وجود فرع قوي للإخوان يمكن الاعتماد عليه.
بعد سقوط نظام حزب البعث عام 2003، لم يتمكن الإخوان المسلمون في العراق، ممثلين بالحزب الإسلامي العراقي، الذي تعود جذوره إلى أربعينيات القرن الماضي والذي تم إنشاؤه بالفعل في الستينيات، من لعب دور رئيسي في حكم العراق، وذلك بسبب الهيمنة القوية للأحزاب الشيعية المدعومة من إيران واحتكارها لمؤسسات الدولة، وأهمها رئاسة الوزراء.
ساعد النظام الذي نشأ بعد الغزو الأميركي عام 2003 على تقييد تجربة الإخوان الحاكمة في الأدوار التكميلية والثانوية في ما يسمى بالديمقراطية على أساس الحصص الحزبية والعرقية والطائفية.
ومن أجل أن يُحافظوا على حصة في السلطة وكذلك المنافع المادية والامتيازات الأخرى، دخل الإخوان المسلمون في العراق في تحالفات مع الأحزاب الشيعية، وهو ما خدم في نهاية المطاف مصالح إيران في البلاد، بما في ذلك من خلال مساعدة طهران على تعزيز ملفاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، بما يُهدّد سيادة العراق.
في السنوات الأخيرة، حافظت طهران على علاقات واسعة مع قادة الحزب الإسلامي في العراق، الذين أصبحت لقاءاتهم مع المسؤولين الإيرانيين، بما في ذلك في طهران، متكررة بشكل متزايد.
يصف د.مهند سلوم، الباحث المتخصص في الدراسات العربية والإسلامية، في تقرير لمركز كارنيغي للشرق الأوسط، الحزب الإسلامي العراقي بأنه "وقع ضحية تشابك السياسات السنية العراقية ومزالق العمل في بيئة طائفية عرقية مستقطبة بشكل متزايد". وقال إن الحزب الإسلامي العراقي لم يتمكن لذلك من تعزيز شعبيته ولا استعادة دور مهم في حكم العراق.
يقول سلوم في ورقة بحثية بعنوان "عودة غير سعيدة: عن ماذا تخلّى الحزب الإسلامي العراقي للحصول على السلطة؟"، إن الحزب الإسلامي "لم يؤيد المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الذي تقوده الولايات المتحدة وحافظ على علاقات جيدة مع نظرائه الشيعة والأكراد. وقد سهل ذلك دور الحزب الإسلامي العراقي في حكم العراق (وإن كان ذلك ثانويا بالنسبة للأحزاب الشيعية القوية).
"ومع ذلك، فقد دفع الحزب ثمناً، حتى قبل تناقص شعبيته بين السنة في انتخابات مايو 2018، لأنه فشل في الوفاء بوعود الخدمات والأمن. لقد أبدى [الحزب الإسلامي العراقي] مرونة، ولكن ما لم يتمكن من زيادة شعبيته، فمن غير المرجح أن يستعيد دورًا ذا مغزى في حكم العراق."
شهدت جميع الأحزاب الدينية، سواء كانت سنية أو شيعية، انخفاضًا في شعبيتها في العراق بسبب ما يقرب من عقدين من سوء الإدارة. وقد اتُهمت الأطراف بالفساد الراسخ الذي أدى إلى إفقار المجتمع ووصوله بالفعل إلى حافة الهاوية. وكانت الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في أكتوبر 2019 إلى حدّ كبير استجابة لهذا الاتجاه. لكن وعلى الرغم من حركة الاحتجاجات التي طردت الحكومة القديمة وجلبت حكومة جديدة بوعود الإصلاح وظروف معيشية أفضل، لم تهدأ التظاهرات بالكامل.

 

وكيل بديل / تركمان العراق
تُفسّر العوامل المذكورة أعلاه عدم اهتمام تركيا بالإخوان المسلمين العراقيين والزعماء السنة بشكل عام لمواجهة النفوذ الإيراني في البلاد. وبدلاً من ذلك ، تفضل تركيا التعامل مباشرة مع الأحزاب السياسية التي تقود الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان المستقلة التي يديرها أكراد عراقيون في شمال العراق.
في موازاة ذلك، يلعب الأتراك أيضًا بطاقة الأقلية، مُستغلين الهويات العرقية والقومية بدلاً من الأبعاد الدينية والطائفية.
إنّ اللعب التركي على القومية للتسلل إلى الساحة السياسية العراقية واضح بشكل متزايد مع تركيز أنقرة على محنة التركمان العراقيين، الذين لديهم ميزتان مقارنة بمكونات المجتمع العراقي الأخرى: معاقلهم الرئيسية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، ولا سيما كركوك التي تملك احتياطيات نفطية ضخمة، وصراعها الأيديولوجي مع الأكراد الذين لا يزالون، بحسب أنقرة، يشكلون تهديدًا بسبب مشروعهم في الاستقلال.
وحتى مع ذلك، فقد تعاملت أنقرة مع حكومة إقليم كردستان في شمال العراق، خاصة في المجال النفطي، حيث يتم تصدير النفط من كركوك ومنطقة الحكم الذاتي عبر خط أنابيب يعبر الأراضي التركية باتجاه ميناء جيهان على البحر الأبيض المتوسط.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، لم تُخفِ أنقرة جهودها لمحاولة دعم تركمان العراق في كركوك، على أمل أن يتمكنوا من خلال تحويلهم إلى مواقع قيادية، من السيطرة على الموارد النفطية هناك، مما يسهل على تركيا الوصول إلى الأراضي النفطية الوفيرة .
وعلى هذا الصعيد، شددت الجبهة التركمانية العراقية مؤخراً مطالبتها لحكم كركوك عبر شخصية تركمانية "بعد أن كان ذلك من نصيب العرب والأكراد على مدى السنوات الـ 17 الماضية"، وذلك بحسب بيان صدر مؤخراً عن رئيس الجبهة التركمانية أرشد صالحي يدعو فيه السياسيين العراقيين للدخول في حوار من أجل تغيير الإدارة المحلية في المحافظة.
وتعليقًا على هذا البيان، قالت وكالة أنباء الأناضول التابعة للحكومة التركية إن "الممثلين العرب والتركمان في كركوك يشكون من أن معظم المناصب الإدارية المهمة في المحافظة يشغلها ممثلون عن الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني".
ويُمكن تفسير ذلك من خلال المطامع التركية بشأن وجود ثروة نفطية ضخمة مثل كركوك التي يسيطر عليها الأكراد، مما يمنحهم قوة متزايدة في المنطقة.
تعكس التصريحات الأخيرة للمسؤولين الأتراك طموح أنقرة لاستخدام التركمان كجسر للتدخل في كركوك. قال دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية التركية، إن الأقلية التركمانية العراقية، التي لها صلات عرقية بتركيا، لن تترك وحدها في كركوك، مُشيرا إلى أن هناك آلاف المتطوعين الوطنيين "على استعداد للانضمام للقتال من أجل الوجود والوحدة والسلام في المدن التي يسكنها التركمان وخاصة كركوك ".
من جهته، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إنّ "كركوك تضم الأكراد والعرب، لكنّ الهوية الأساسية للمحافظة هي أنها إقليم تركماني".
ومن هنا، يُحذّر المثقفون العراقيون وقادة الرأي من الاستهانة بطموحات تركيا في العراق. ويُشيرون إلى أنّ زيادة التدخل العسكري التركي في العراق تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، من المُحتمل أن يكون حجة ووسيلة لاختبار ردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية قبل الغزو الفعلي والاحتلال المستقبلي لأراضٍ عراقية.
وغالبًا ما تمثّلت مثل هذه التحذيرات في خارطة متداولة في تركيا، وتمت الموافقة على إدراجها في المناهج الدراسية، تظهر فيها محافظات الموصل وكركوك وصلاح الدين ودهوك وأربيل والسليمانية العراقية، بالإضافة إلى أجزاء كبيرة من سوريا، كجزء من الأراضي التركية.

 

 
يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً:
https://ahvalnews.com/turkey-iraq/iraq-turkey-has-no-muslim-brotherhood-serve-its-agenda