سبتمبر 20 2019

لا مكان للأئمة الأتراك في مساجد فرنسا

باريس / عبدالناصر نهار – تسعى الحكومة الفرنسية للتعامل بجدّية مع التحذيرات المُتكرّرة للرئيس إيمانويل ماكرون من أنّ الإسلام السياسي يُمثل تهديداً ويسعى للانعزال عن قيم الجمهورية الفرنسية، خاصة في أعقاب صدور تقارير لمراكز أبحاث ليبرالية في باريس تدعو للتصدّي لـِ "صناعة الإسلاميين" ومُكافحة الخطاب المُتطرّف، كتنظيم الإخوان المسلمين في مصر، ومصنع الإسلام السياسي في تركيا.
وتعمل الحكومة الفرنسية جاهدة للسيطرة على تمويل وتوجّهات وإدارة المساجد على أراضيها، والعمل على إبعاد المُتشدّدين والمُتبرعين من ذوي الأجندات الخفية.
وفرنسا الدولة الأولى في أوروبا من حيث عدد المسلمين على أراضيها (ما يزيد عن 6 مليون مسلم)، باتت اليوم لا ترغب في توظيف أئمة أتراك وتسعى لطرد الموجودين منهم على أراضيهم، فضلا ً عن إغلاق عدد محدود من المساجد المُتهمة بنشر الفكر المُتطرف، ومنها مساجد تحصل على دعمٍ تركي حكومي.
ويُتهم الأئمة الأتراك بأنهم أذرع لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم في تركيا، لدرجة مُساهمتهم في أعمال التجسّس على المواطنين الأتراك في فرنسا، كما أنّ عددهم الكبير لا يتناسب مع تعداد الجالية التركية المتواضع مقارنة بأعداد المسلمين من أصول جزائرية ومغاربية.
وكما هو معروف، فإنّ القانون الفرنسي العلماني، يمنع الحكومة من تقديم أيّ دعم مالي للمؤسسات الدينية كافة.
وكانت كل من تركيا وفرنسا، قد وقعتا في عام 2010 إعلان نوايا بخصوص رفع عدد الموظفين الدينيين الأتراك في فرنسا، ولكن ما تمّ فعلياً هو تقليص لعدد الأئمة الأتراك، وهو ما بدأ بالفعل مع مطلع العام الماضي، وما زال مُستمراً حتى اليوم، حيث دأبت فرنسا على تخفيض عدد الأئمة القادمين إليها من تركيا بمعدل سنوي، والاستعاضة عنهم تدريجياً بأئمة مولودين في فرنسا.
ومنذ سنوات، والحكومات الفرنسية تبحث في آليات تأهيل مُتخصصين في الإسلام المُعتدل، مع ضمان تلبيتهم لمُتطلبات الاندماج في المُجتمع الفرنسي، من إتقان للغة الفرنسية، والحرص على التنوع الثقافي، واحترام تراث وتاريخ وقانون البلاد، والحفاظ على مبادئ وقيم الجمهورية والعلمانية.
وكان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان قد تباحث في عدّة مناسبات مع ماكرون بخصوص أسباب عدم توظيف الأئمة الأتراك في فرنسا، وطالبه كذلك بالتعاون في إعادة افتتاح كلية الشريعة بجامعة سترازبورغ التابعة بدورها لكلية الشريعة بجامعة إسطنبول، والتي تم افتتاحها في عام 2012 للعمل على تخريج موظفين دينيين مؤهلين.
وسترازبورغ هي المدينة التي شهدت كذلك في ذات العام افتتاح مسجد سترازبورغ الكبير، باهتمام فرنسي حكومي كبير، وبتضامن مُلفت من المسيحيين واليهود الفرنسيين في المدينة، مؤكدين على فصل الإرهاب عن الإسلام، مما يستبعد أي رسالة سلبية تجاه الإسلام جراء إغلاق كلية الشريعة التركية، باستثناء التجاوب مع المخاوف المشروعة من فكر الإسلام السياسي القادم من تركيا.
وتُعتبر جامعة سترازبورغ المؤسسة التعليمية الوحيدة في فرنسا التي تتيح دراسة الشريعة الإسلامية، وذلك من منطلق إتاحة الفرصة لاكتساب معرفة وافية بالدين والفكر والمجتمع الإسلامي.
وترى صحيفة "لبيراسيون" الفرنسية أهمية تدريب كوادر مُتخصّصة في الإسلام المُعتدل في فرنسا، وتؤكد على ضرورة أن تكثف جامعة سترازبورغ، الرائدة في مجال الدراسات الدينية والفلسفية، جهودها لصالح إسلام يريد أن يعيش ويتعايش في فرنسا، ويُعزّز دوره في التسامح والانفتاح على الآخر.
وكان رئيس الشؤون الدينية التركية علي أرباش، قد حذّر من أنّ الجهود الرامية لإظهار الإسلام دينا مخيفا تزداد يوما بعد يوم، وكشف أن لتركيا مئات المساجد والأئمة والوعاظ في أوروبا والولايات المتحدة.
وفي إطار جهود محاربة مصانع الإسلام السياسي، يُذكر أنّ تعليم اللغة العربية في المدارس العامة الفرنسية قد عاد للانطلاق بقوة العام الماضي، وذلك في أعقاب إطلاق تحذيرات لباحثين ومراكز دراسات من زيادة عدد الطلاب الذين يتعلمون العربية في المساجد بمُعدّل 10 أضعاف، والتي تستغل ذلك لزرع أفكارها الدينية الخاصة في عقول الطلبة.
وكان مؤتمر لليونسكو حول الإسلام في القرن الـ 21 عُقد مؤخراً هذا العام، وحذّر بدوره من استيراد الأئمة من خارج أوروبا، حيث رأى بعض المُشاركين أنّ أئمة المساجد في أوروبا لم يرتقوا بعد لمستوى حضاري لائق، فهم المسؤولون الأساسيون، بنظرهم، عن الإرهابيين وخلق أصحاب الفكر المتشدد.