لا تتوقعوا الكثير من لقاء ترامب-أردوغان

من المقرر أن يلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش مشاركتهما في اجتماع قمة مجموعة العشرين الاقتصادية في أوساكا باليابان يومي الجمعة والسبت المقبلين.

وببساطة، إن لم يطرأ تحول جوهري على المواقف المعلنة لأحد الرجلين أو كليهما فيما يتعلق بالقضايا الشائكة العالقة بين تركيا والولايات المتحدة، فلا يمكن أن نتوقع الكثير من التحسن في العلاقات المتوترة بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.

حطّ أردوغان الرحال في أوساكا في أعقاب الهزيمة المؤلمة التي تعرض لها مرشح حزبه الحاكم في جولة الإعادة من انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول. لكن تجدر هنا الإشارة إلى أنه رغم الهزيمة، فإن دوره على الساحة الدولية لم يهتز.

سيتجنب ترامب ومستشاروه العبث بأنف أردوغان أو محاولة استغلال هزيمة إسطنبول، رغم أنهم – وفيما بينهم – سعداء ولا شك بنهاية حقبة من التفوق الانتخابي للرئيس التركي وحلفائه.

وستركز حسابات الرئيس الأميركي وفريقه في التعامل مع أردوغان على واقع استمراره في السيطرة على مفاصل القوة الوطنية في تركيا والدعم الكبير الذي يحظى به في البرلمان وبين أبناء الشعب التركي.

وسيعمل ترامب ومساعدوه على تجنب تبني منهج صدامي كيلا يتخذه أردوغان ذريعة لمعاودة نهجه الهجومي ضد الغرب وسياساته بغرض التنصل من المشاكل الاقتصادية الكبيرة التي تعانيها تركيا وهو يسعى لإبعاد اللوم عن نفسه بعد الهزيمة الانتخابية.

فسوء إدارة الاقتصاد هو السبب في الانتصار الذي تحقق لمرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو في انتخابات إسطنبول وليس سياسات الحكومات الأجنبية.

ورغم محاولات الاتفاق على جدول أعمال في أوساكا، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل الخلافات الكبيرة بين أردوغان ونظيره الأميركي والمشاكل العالقة بين بلديهما.

فوجود قوات أميركية في سوريا قد منع الجيش التركي من التعامل بالشكل الذي يحلو له مع وحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا.

ترتبط هاتان القوتان اللتان يهيمن عليهما الأكراد بصلات مع حزب العمال الكردستاني، الجماعة المحظورة التي تقاتل منذ عقود ضد الجيش التركي وتصنفها أنقرة وواشنطن على قوائمهما للجماعات الإرهابية.

لكن واشنطن – وعلى عكس أنقرة – لا توسع نطاق تصنيفها للإرهابيين ليشمل المجموعات الكردية الموجودة في شمال سوريا، حيث قاتلت إلى جوار القوات الأميركية في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وقد يسيء أردوغان تفسير هذا الموقف، باعتباره أحد الأسباب الرئيسية وراء هزيمة مرشحه وحليفه بن علي يلدريم في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول بينما يسعى رجل تركيا القوي لإلقاء اللوم على الآخرين في هذا الفشل.

ورغم وجود خطط لسحب هذه القوات من المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا، فإن وجود ولو مجموعة صغيرة من المقاتلين الأكراد لشيء يضق مضجع أردوغان ويقلق الجيش التركي.

ستحتاج تركيا ولا شك دعما أميركيا لتتحقق لها السيطرة على منطقة آمنة في شمال سوريا في ظل المعارضة القوية التي تبديها كل من سوريا وروسيا لهذه الفكرة بحيث يكون الدعم الأميركي موازنا لدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للرئيس السوري بشار الأسد.

لكن الدعم الأميركي المنشود تركياً لم يتحقق حتى الآن، ولا يزال غير مرجح في ظل المواقف الراهنة رغم التعليقات الإيجابية التي تصدر عن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو.

يطلب ترامب الكثير من أجل أن يقدم دعما قويا لتركيا لكي تمضي قدما في مغامرتها بشمال سوريا، ولا يبدو أردوغان عازما على تغيير مواقفه.

أما فيما يتعلق بإيران، فيبدو أن الولايات المتحدة قد أحجمت – على الأقل في اللحظة الراهنة – عن القيام بعمل عسكري مباشر ضد طهران، لكن العقوبات القوية التي تؤثر أيضا على تركيا تبدو مؤثرة بحق.

فبالنظر لحاجة تركيا الواضحة للتمويل الغربي المباشر بغية الخروج من أزمتها الاقتصادية، لا يبدو من المرجح أن يتيح ترامب الفرصة لأردوغان ومؤيديه ومستشاريه المقربين للحصول على استثناءات من العقوبات الموقعة على إيران.

هناك أيضا ما يتعلق بالتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط وما يحيط بها من مشاكل. فقبرص وهي بلد عضو في الاتحاد الأوروبي ستواصل مساعيها لاستكشاف مخزونات جديدة في مياهها الإقليمي بينما لن يكون بوسع تركيا فعل الكثير في هذا الصدد.

وإن استطلعنا موقف روسيا من هذه القضية فسنجدها على الأرجح تفضل ألّا تخرج هذه المخزونات القادمة من منطقة شرق البحر المتوسط إلى الأسواق ومن ثم تهبط بأسعار النفط والغاز الطبيعي، لكن هذا قد لا يتحول بشكل مباشر إلى اصطفاف بجوار الموقف التركي المعارض للاستكشافات في مياه يعترف العالم بأنها تحت سيطرة قبرص.

وفي أوساكا، قد تسعى العديد من الأطراف لإبلاغ تركيا بعدم معارضة جهود الاستشكاف تلك، رغم أن الولايات المتحدة لن تسمح للاتحاد الأوروبي على الأرجح بقيادة هذه المساعي، على الأقل في الوقت الراهن.

الأهم من هذا أن التعليقات الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية وأعضاء الكونغرس تشير إلى أن تركيا في حال مضت قدما في صفقة شراء نظام الدفاع الصاروخي (إس-400) من روسيا فسيجري استبعادها من برنامج التدريب والتطوير الخاص بالطائرات المقاتلة الأميركية (إف-35). ولا يخفى على أحد ما يحمله هذا من تبعات مؤلمة لصناعات الدفاع والطيران في تركيا.

وربما يظن أردوغان أن بوسعه إبرام اتفاق مع ترامب لتخفيف العقوبات الأميركية المؤكد أن تواجهها تركيا فور إتمام صفقة (إس-400) مع روسيا. وإن كان هذا حقا هو ما يظنه الرئيس التركي، فإن حساباته ولا شك خاطئة.

ورغم أن التحقيقات الأميركية الرسمية لم تعثر على أي دليل يثبت تواطؤ ترامب أو فريقه الانتخابي مع المساعي الروسية للتلاعب بنتيجة الانتخابات الأميركية عام 2016، فإن المزاج العام في الكونغرس، سواء بين الديمقراطيين أو الجمهوريين، لا يفضل التعامل مع دول أجنبية قريبة من روسيا.

كما أن كون تركيا – وهي البلد العضو في حلف شمال الأطلسي - تستهين بحلفائها وتواصل الاستفزاز من خلال علاقاتها الوثيقة مع روسيا. وعلى عكس البرلمان التركي الموالي لأردوغان، فإن المشرعين الأميركيين لا يتلقون تعليمات من البيت الأبيض.

يفضل ترامب وبشكل واضح من يرى فيهم قادة أقوياء من أمثال؛ بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جون أون والرئيس الصيني شي جين بينغ.

أما أردوغان وآخرون فيحظون بالقبول من قبل ترامب، رغم ما تشير إليه وسائل إعلام أميركية ودولية من كون هؤلاء غير أصدقاء للولايات المتحدة.

لكن هذا الإعجاب لم يسفر عن سياسات مثلما يرغب الآخرون. فعلى سبيل المثال، كثفت الولايات المتحدة من دعمها لأوكرانيا، وبقيت العقوبات على كوريا الشمالية، وفُرضت تعريفات جمركية إضافية على الصين بينما بدا ترامب مترددا في التعامل بشدة مع تركيا.

إلى أي حد إذا يرغب ترامب في مساعدة أردوغان؟

يصنف الرئيس الأميركي الآخرين إلى فئات فيطلق على بعضهم وصف الخاسرين ويسمي البعض الآخر رابحين، أو حتى قد يستخدم ألقابا أشد قسوة.

الآن لم يعد أردوغان قويا مثلما كان، إذ لم يعد حصانا رابحا، فلقد خسر قبل أيام فقط معركة إسطنبول.

بالطبع خسر ترامب معركة مماثلة في مسقط رأسه، نيويورك، لكنه ووفقا لطريقة تفكيره، يرى في أردوغان طرفا خاسرا لأنه حين سعى من أجل إعادة الانتخابات وتحقق له ذلك، فإنه خسر مرة أخرى وبفارق أكبر.

كما أن ترامب، ورغم كونه ابن نيويورك، فإنه مسجل كأحد قاطني ولاية فلوريدا، بعكس أردوغان الذي يتخذ من إسطنبول مقرا لإقامته رغم أن عائلته تنحدر من منطقة أخرى.

لا يعني هذا أن ترامب يدعم المعارضة في تركيا، بل نسعى فقط لتسليط الضوء على طريقة تفكيره وحساباته للأشياء.

باختصار، فإن الدافع بالنسبة لترامب – إن وجد - فإنه ضعيف للغاية ليقبل التعامل مع أردوغان، ما لم يتراجع الرئيس التركي عن صفقة صواريخ (إس-400) ويتعاون فيما يتعلق بالعقوبات على إيران ويواصل الالتزام بتجنب الهجوم على الولايات المتحدة وسياساتها في سوريا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/dont-expect-much-erdogan-trump-meeting
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.