لغز الحد الأدنى للأجور في تركيا

بدأت مفاوضات لتحديد الحد الأدنى للأجور في تركيا الأسبوع الماضي. ويمثل الحد الأدنى للأجور عاملاً حاسماً للرفاهية والقدرة التنافسية في تركيا، كما أنه يؤثر على الأرصدة العامة للحكومة.

وتطالب النقابات العمالية بتحديد الحد الأدنى للأجور عند 2578 ليرة (444 دولاراً) شهرياً صافية بعد حساب ضرائب لعام 2020، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 27.6 في المئة على أساس سنوي. ومع ذلك، عند الأخذ في الاعتبار معدل التضخم والدورة الانتخابية وارتفاع معدل البطالة وهيكل لجنة الحد الأدنى للأجور - التي تتخذ القرار النهائي بشأن زيادة الأجور - قد يكون الرقم النهائي أقل بكثير من ذلك، وربما حوالي 10 في المئة.

تحاول الحكومة تعويض التأثير السلبي للزيادات في الحد الأدنى للأجور على القدرة التنافسية من خلال حوافز التوظيف التي يمولها صندوق البطالة. ومن خلال تحويل العبء إلى صندوق البطالة الذي يملك فائضاً، تزيل الحكومة أيضاً الضغوط من على الميزانية المركزية في وقت يفوق فيه العجز الأرقام المستهدفة. ومع ذلك، فإن هذه السياسة غير مستدامة لأن التكلفة التي يغطيها الصندوق قد تصل إلى 20 مليار ليرة في عام 2019.

تتشكل لجنة الحد الأدنى للأجور، التي بدأت العمل في الثاني من ديسمبر، من ممثلين عن الحكومة والشركات والعمال ويقودها مسؤول حكومي. وبعد الانتقال إلى النظام الرئاسي في يوليو 2018، خضعت اللجنة مباشرة لسلطة الرئيس. ومن خلال الممارسة العملية، يتم اتخاذ القرارات بشكل عام من خلال اتفاق بين ممثلي قطاع الأعمال والحكومة مع الرأي المخالف من جانب العمال.

ومنذ عام 2000، وافق العمال على قرارات اللجنة ثلاث مرات فقط في الأعوام 2004 و2016 و2019 وهي السنوات التي تمت فيها الموافقة على زيادات كبيرة. وفي السنوات العشرين الماضية، تم تحديد الحد الأدنى للأجور مرة واحدة فقط بموافقة بالإجماع في عام 2019 عندما وافق الرئيس رجب طيب أردوغان على زيادة كبيرة قبل الانتخابات الرئاسية التي أدخلت النظام الرئاسي الجديد.

ويتمثل أحد أسباب الخلافات المتكررة في أن ممثلي العمال يجلسون على الطاولة ولديهم مطالب كبرى مشيرين إلى عتبات الفقر في تركيا، كما يفعلون في الجولة الحالية من المحادثات المتعلقة بالأجور. وهذا غير واقعي بالنسبة لتركيا، حيث ارتفع معدل البطالة غير الزراعية إلى 16.7 في المئة في ثلاثة أشهر حتى سبتمبر من هذا العام.

وترتبط زيادات الحد الأدنى للأجور بعلاقة وثيقة مع الدورات الانتخابية في تركيا، فعلى مدار السنوات العشر الماضية، حصل العمال على زيادة كبيرة في الرواتب في سنوات الانتخابات. جاءت الزيادة بنسبة 30 في المئة في عام 2016 على خلفية الانتخابات العامة لعام 2015، حيث كانت تمثل زيادة الحد الأدنى للأجور تعهداً انتخابياً أساسياً لجميع الأحزاب السياسية. وفي عام 2017، ارتفع الحد الأدنى للأجور بنسبة ثمانية في المئة فقط على الرغم من أن معدلات التضخم في عامي 2015 و2016 كانت حوالي تسعة في المئة. حدثت الزيادة الكبرى الثانية خلال السنوات العشر الماضية قبل انتخابات 2018، عندما تمت زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 26 في المئة إلى 2021 ليرة عام 2019، كما وعد أردوغان.

ويلعب الحد الأدنى للأجور دوراً رئيساً في تحديد الرفاهية الاقتصادية لشرائح كبيرة من المجتمع التركي والقدرة التنافسية لقطاع التصنيع التركي أيضاً لأن جزءاً كبيراً من أجور العمال يدور حول الحد الأدنى للأجور في الاتجاهين. ووفقاً لمؤسسة الضمان الاجتماعي التركية، حصل 43 في المئة من العمال على الحد الأدنى للأجور في عام 2017، وهو ما يمثل عادة حوالي 10 في المئة من أجور البلدان الأوروبية. وتقول النقابات العمالية إن السبب الرئيسي لهذا التركيز في قوة الأرباح يرجع للافتقار إلى ممارسات المفاوضة الجماعية في تركيا.

بيد أن الأرقام الرسمية لا تعكس الوضع الفعلي. وتعتقد وزارة المالية أن حوالي نصف العاملين الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور بشكل رسمي يتقاعسون عن الإبلاغ عن أرباحهم بالكامل لتجنب الضرائب الإضافية ومدفوعات الضمان الاجتماعي.

وعلاوة على التهرب من دفع مدفوعات الضمان الاجتماعي للحكومة، فإن ثلث الموظفين غير مسجلين في نظام الضمان الاجتماعي، ومن بينهم 1.8 مليون عامل يكسبون أقل من الحد الأدنى للأجور شهرياً، وفقاً لمعهد الإحصاء التركي الحكومي.

والحد الأدنى للأجور في تركيا مُلزم في قطاعات الاقتصاد الرسمي فقط. وأظهرت دراسة للبنك الدولي أن ما يقرب من نصف العاملين في القطاع غير الرسمي يكسبون أقل من الحد الأدنى للأجور. ويعكس هذا الأجر المنخفض في واقع الأمر توزيعاً منحرفاً للأرباح حول مستوى الحد الأدنى للأجور - فالحد الأدنى للأجور في تركيا كنسبة من متوسط الأجر هو الأعلى بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مما قد يحفز غياب الرسمية بين العمال من ذوي المهارات المتدنية.

ونتيجة لذلك، فإن الزيادة الكبيرة للحد الأدنى للأجور لا تؤدي فقط إلى ارتفاع البطالة، ولكنها تؤدي أيضاً إلى التحول للعمالة غير الرسمية، والتي بدورها يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة للعمال من ذوي المهارات المتدنية وفرصهم في العمل.

وقد زاد من تعقيد الوضع تدفق اللاجئين على تركيا في السنوات الأخيرة. فقد فر حوالي أربعة ملايين سوري إلى تركيا ويعمل جزء كبير منهم في القطاع غير الرسمي. وتشير بعض التقارير إلى أن أرباب العمل في جنوب شرق تركيا، حيث يتركز اللاجئون، يحددون جماعياً الحد الأقصى للأجور للعمال الأجانب، وهو أقل من الحد الأدنى للأجور.

وقد تكون الخطوة المفيدة للتعامل مع ازدواجية الأجور في المناطق المتخلفة في تركيا تتمثل في التحول إلى إطار الحد الأدنى للأجور في المنطقة، والذي اقترحته المنظمات الدولية على تركيا. ثمة تفاوت هائل في الدخل بين المناطق المختلفة في تركيا مع نظام الحد الأدنى الموحد للأجور.

ويُظهر مسح الدخل والظروف المعيشية أجراه معهد الإحصاء التركي عام 2018 أنه في حين كان متوسط الدخل المتاح في إسطنبول 34912 ليرة في السنة، حصل سكان مقاطعات فان وموش وبدليس وهكاري الواقعة في شرق وجنوب شرق تركيا، على أقل ثلث هذا المبلغ.

ومع ذلك، تشعر أنقرة بالقلق إزاء احتمال تآكل هيكل الدولة الوحدوي في تركيا، وتعارض أنقرة تقديم مقترحات للحد الأدنى للأجور لكل منطقة. تصر الوفود التركية على حذف العبارات التي تشير إلى مثل هذه المقترحات في وثائق السياسة التي صاغها البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومن المفارقات أن حوافز التوظيف والاستثمار في تركيا مهيكلة بالفعل على مستوى المناطق لأنها تقدم إعانات أكثر سخاء للمناطق الأقل نمواً.

ويؤثر مستوى الحد الأدنى للأجور على الأرصدة المالية الحكومية من خلال عدة قنوات. رفعت الزيادة الحادة في عام 2016 الحد الأدنى التراكمي للأجور فوق أعلى شريحة ضريبة على الدخل إلى مستوى 20 في المئة. لقد قامت الحكومة بحل هذه المشكلة من خلال دعم الحد الأدنى للأجور بالائتمان الضريبي الذي يُسمى بدل المعيشة. ومع ذلك، قدم هذا حافزاً إضافياً للإبلاغ عن أرباح أقل.

بالإضافة إلى ذلك، إذا قامت الشركات بتوظيف أشخاص عاطلين عن العمل، فإن الدولة تدفع أقساط التأمين الاجتماعي للعمال لمدة تصل إلى 4.5 عام. ويؤثر مستوى الحد الأدنى للأجور أيضاً على الشؤون المالية للحكومة من خلال برنامج التأمين الصحي العام إذ تدفع الحكومة أقساط الأسر التي يقل دخلها عن ثلث الحد الأدنى للأجور. ويبلغ القسط التأميني للأسر الأخرى ثلاثة في المئة من الحد الأدنى للأجور.

والحد الأدنى للأجور هو المحدد الرئيسي للقدرة التنافسية لقطاع التصنيع التركي. وعلى الرغم من قول إن الزيادات في الحد الأدنى للأجور تؤثر سلباً على القدرة التنافسية للشركات التركية من خلال زيادة تكاليف العمالة، فإن الإعانات المؤقتة الشاملة للتوظيف تقلل من متوسط التكلفة الفعلية للحد الأدنى لأجر العامل بالنسبة لأصحاب العمل.

ومع ذلك، تضع هذه الحوافز عبئاً إضافياً على أموال الدولة كما أنها غير مستدامة. فقد وصلت حوافز الأقساط التي يمولها صندوق البطالة إلى 12.6 مليار ليرة في الأشهر العشرة الأولى من عام 2019 مقارنة بنحو 10.7 مليار ليرة في عام 2018 و2.5 مليار ليرة في عام 2017. وتضغط هذه المدفوعات على موارد الصندوق الذي قد يشهد زيادة تكلفة حوافز التوظيف إلى 20 مليار ليرة عام 2019.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/turkeys-minimum-wage-conundrum
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.