لماذا أسكت حزب العدالة والتنمية كبير أئمة آيا صوفيا؟

في يوليو 2020، عُيّن أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة مرمرة، محمد بوينوكالين، كبير أئمة مسجد آيا صوفيا.

ينحدر بوينوكالين من عائلة ذات علاقات طويلة في السياسة والطوائف الدينية والأعمال، وسرعان ما برز اسمه. وهو أول إمام تعينه تركيا وهو حامل للأستاذية، ويُدير ثلاثة حسابات على تويتر باللغات التركية والإنجليزية والعربية.

أثار هذا الوجود على وسائل التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان غضب النخبة الحاكمة في حزب العدالة والتنمية، بينما حصل الإمام على دعم كبير، يبدو حقيقيا، من الجمهور، ومعظم متابعيه من قاعدة الحزب المحافظة.

في مطلع فبراير، علق بوينوكالين على اقتراح الرئيس رجب طيب أردوغان الذي أراد صياغة دستور جديد. ووضع على حسابه على الانترنت هاشتاغ "ليكن الإسلام في الدستور". وتابع: "في دساتير 1921 و1924، كان دين الدولة هو الإسلام، ولم تكن هناك علمانية. يجب أن تعود الجمهورية إلى إعدادات المصنع". وتبع تعليقه العديد من المشاركات حول طبيعة الدستور المرتقب.

وضاعف تدخل بوينوكالين الضغط من داخل قاعدة حزب العدالة والتنمية لوضع دستور جديد يشمل القيم الإسلامية. وعند انتقاده، قال بوينوكالين أنه من واجبه كأستاذ في الشريعة الإسلامية أن يتكلم.

كانت المرة الأولى التي تحدت فيها نخب حزب العدالة والتنمية بوينوكالين علنا في 7 مارس، قبل اليوم العالمي للمرأة، عندما كان معظم التركيز العام على العنف ضد النساء.

قال بوينوكالين في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: "القتل هو القتل. ليس الجنس مهما. أيا كان الضحايا، رجالا أو نساء أو أطفالا، يظل شعارنا: ولكم في القصاص حياة".

وأضاف أن "التركيز المستمر على قتل النساء هو شعار ودعاية إعلامية لتحويل المرأة إلى عدو للرجل". تبع ذلك بمحاولة لشرح ما كان يقصده في حدود الشريعة الإسلامية والقصاص، بحجة أن القاتل يجب أن يُعاقب بالإعدام.

وردا على سؤال حول تعليقات بوينوكالين، قالت أوزليم زينجين، وهي نائبة رئيس تكتل حزب العدالة والتنمية: "لا أجدها مناسبة. ما كان ينبغي له أن يكتب هذا على تويتر، على الأقل في 8 مارس، في يوم المرأة". وأضافت أن عليه أن يلتزم بعمله الخاص.

(كانت آخر تغريدة للإمام بوينوكالين من آيا صوفيا قبل استقالته من المنصب تصف الرئيس التركي أردوغان بأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة)

لم توافق الدوائر المحافظة. وانطلقت حملة صارمة لدعم بوينوكالين على منصات وسائط اجتماعية متعددة. ووقف عدد قليل من الصحفيات المؤيدات لحزب العدالة والتنمية إلى جانب زينجين، لكن هذا زاد الطين بلة بإثارة غضب أنصار بوينوكالين. في النهاية، كان على زينجين، وليس الإمام، التزام الصمت.

جاء الجدل الكبير التالي بعد تدخل بوينوكالين في النقاش العام حول أسعار الفائدة. فمنذ 2013، طالب أردوغان بخفض أسعار الفائدة وإلغائها في النهاية. وخلال الشهر الماضي، أقال محافظ البنك المركزي ناجي إقبال لرفعه أسعار الفائدة في محاولة لكبح التضخم وتحقيق استقرار قيمة الليرة التركية.

في تكرار لتصريحات أردوغان شبه بعد إقالة أقبال، انتقد بوينوكالين أسعار الفائدة، المحظورة تماما في الإسلام، ونصح أنصاره والمجتمع الإسلامي الأوسع بالتحلي بالصبر في مواجهة الأزمة المالية المتزايدة في تركيا.

أرسل نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، بولنت توران، ردا لاذعا، متهما بوينوكالين بتقويض كل من ضحوا لإعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد. وأضاف أنه لا قيمة لوجود بوينوكالين على تويتر.

جاءت تصريحات توران بنتائج عكسية مثل تصريحات زينجين. تفاعل الآلاف بغضب على وسائل التواصل الاجتماعي: من هذا السياسي كي يجادل باحثا في الشريعة الإسلامية؟

بعد أيام قليلة، اتخذ توران نبرة أكثر تصالحية، مؤكدا أنه تخرج من مدرسة "إمام خطيب" الثانوية الدينية. ثم قال: "لا مانع من القول إنك ضد أسعار الفائدة والمثليين والمتحولين جنسيا. ولكن، إذا جعلت الأمر يتعلق بالسياسة اليومية، فسوف تدفع الثمن".

يبدو أن توران كان على حق. أعلن بوينوكالين يوم الخميس استقالته من منصبه في آيا صوفيا والعودة إلى الأوساط الأكاديمية. وتلى ذلك دعم متدفق للإمام على وسائل التواصل الاجتماعي واستمرار انتقادات لنخب حزب العدالة والتنمية.

لكن، لماذا أغضبت كلمات بوينوكالين كبار السياسيين في حزب العدالة والتنمية؟ لم تكن تصريحاته تنتقد الحكومة بالضرورة أو تتعارض مع أعراف الإسلام.

هناك ثلاثة تفسيرات موجزة.

أولا وقبل كل شيء، ليس ما قاله بوينوكالين، ولكن ما يمثله هو ما يغضب حزب العدالة والتنمية. يكتب بوينوكالين عن الأمور السياسية وهذا خط أحمر لسياسي حزب العدالة والتنمية.

تأسست مديرية الشؤون الدينية التركية (ديانت) خلال العقد الأول من الجمهورية التركية للسيطرة على الإسلام. ويعتبر الأئمة العاملون في مساجد ديانت موظفين عموميين ممنوعين من الانخراط في السياسة. إذ أن الدولة هي التي تتحكم في ما يمكن أن يقوله الأئمة في الأماكن العامة، وليس العكس. واعتمد حزب العدالة والتنمية هذا الخط العلماني الأحمر على مدى العقدين الماضيين.

ثانيا، تحمل كل الأنظمة الاستبدادية كراهية شديدة "للخبراء". ويجادل المعلقون المحافظون بأن سنوات التعليم العلماني قد نجحت مع أولئك الذين يعارضون بوينوكالين، وأن البلاد يجب أن تعتاد على الأئمة الذين لا يرغبون في تفسير الإسلام وفقا لرغبات السياسيين. ومثل الأنظمة الاستبدادية الأخرى، يجري أردوغان اختبارات الصمود على قاعدته الخاصة لمعرفة الاتجاهات الناشئة.

ويكمن التفسير الأخير في الخوف العميق من صعود طبقة رجال الدين، المعروفة في الإسلام بالعلماء. فرغم أن حزب العدالة والتنمية دعم صعود القيم الدينية للسيطرة على جميع جوانب الحياة، إلا أنه يفضل إبقاء العلماء في المسجد.

أرسلت هذه الخلافات العامة المفاجئة بين كبار سياسيي حزب العدالة والتنمية وبوينوكالين وأنصاره إشارة تحذير إلى الحزب، تقول إنهم لا يستطيعون الفوز بتحدي بوينوكالين علنا في نظر الجمهور.

منح بوينوكالين المحافظين، وبعضهم أعضاء في الجماعات الدينية المؤثرة، فرصة للتعبير عن غضبهم تجاه حزب العدالة والتنمية. ووجدت الطوائف الدينية حريات وانتيازات كبيرة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، فلماذا لا تطالب الآن بالمزيد من المؤسسة السياسية؟ ما هو دور الإمام إذا لم يتحدث عن القيم والمبادئ الإسلامية؟

تصبح القضية هنا شائكة أكثر. حيث يتناقص الاهتمام العام بمساجد ديانت بينما تزدهر الفتاوى الدينية مما يمكن للشيوخ الوعظ دون عوائق. ولا يبدو أن حزب العدالة والتنمية مهتم بتحرير الإسلام من سيطرة مؤسسات الدولة.

لقد حمل بوينوكالين، بصفته إمامًا لأعلى مسجد في البلاد، مرآة في وجوه سياسيي حزب العدالة والتنمية لم يعد بإمكانهم تجاهلها. إن حصر الإسلام السياسي في المساجد لم يعد ممكنا، بل يجب إدارته بجدية أكبر.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hagia-sophia/why-was-hagia-sophias-top-imam-silenced-akp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.