لماذا كل هذا الصخب بشأن إدلب؟

كان من المفترض أن يتوجّه زعماء ألمانيا وفرنسا وروسيا – المستشارة أنغيلا ميركل والرئيسان إيمانويل ماكرون وفلاديمير بوتين – إلى إسطنبول لإجراء اجتماع مع "شخصِي". هكذا يصف الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان نفسه، خاصة عندما يلتقي زعماء دول أجنبية. وبالطبع فإن هذه القمة، وهي واحدة في قائمة طويلة، كان قد دعا إليها أردوغان، وقرر ماكرون وميركل الانضمام إليها على عجَل؛ لكن للأسف انتهى الأمر بالفشل مع رفض بوتين الشديد.

وكان موضوع النقاش الرسمي هو كيفية إرساء وقف لإطلاق النار في مدينة إدلب الواقعة شمال غربي سوريا. لكن الأجندة الخفيّة للأوروبيين، وعلى وجه الخصوص ألمانيا، كانت كيفية ضمان عدم تدفق المزيد من اللاجئين على أوروبا من تركيا عبر اليونان، وذلك من خلال وقف إطلاق النار المفترض هذا. وكانت أجندة أنقرة الخفيّة كسب الوقت لصالح الجهاديين التابعين لها في إدلب.

والافتراض الأساسي واضح جداً، ومفاده أن العملية الجارية التي ينفّذها الجيش العربي السوري والقوات الجوية الروسية تتسبب في نزوح لاجئين وأنه يجب منع هذا من خلال وقف لإطلاق النار. وبالمناسبة، فإنه لم يسبق أبداً أن كانت هناك حرب بدون لاجئين!

ولأشهر، ظلت وكالات الإغاثة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، ومنظمات المجتمع المدني، تدق ناقوس الخطر وتحذر بصوت جهير من أن العملية العسكرية الجارية لاستعادة إدلب في شمال غربي سوريا ستخلق أزمة من العيار الثقيل في المدينة التي تعج بالمسلّحين المتطرفين ويعيش فيها نحو ثلاثة ملايين مدني حسبما تشير التقديرات.

ووفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن التقديرات تشير إلى أن "أكثر من 900 ألف شخص تركوا منازلهم أو الأماكن التي كانت تؤويهم في إدلب خلال الأشهر الأخيرة. ومعظم هؤلاء موجودون الآن في شمالي إدلب وفي حلب، وهو الأمر الذي يعقّد الوضع الإنساني الكارثي بالفعل هناك، في ظل برودة الطقس الشديدة.

"تشير التقديرات إلى أن هناك حالياً أكثر من أربعة ملايين مدني في شمال غربي سوريا، أكثر من نصفهم نازحون في الداخل. وظل الكثيرون يعيشون كنازحين لسنوات، واضطروا إلى الفرار عدة مرّات. ونحو 80 في المئة من النازحين الجدد هم من النساء والأطفال. ويواجه الكثير من المسنين أيضاً أوضاعاً خطيرة".

ووفقاً لمبعوث النظام التركي إلى الأمم المتحدة، فإن "الأزمة في إدلب تزداد سوءاً. يستمر النظام في استهداف المدنيين، وإخلاء المدن والقرى. نزح أكثر من مليون شخص داخلياً خلال الشهرين الأخيرين، وهذا هو أكبر نزوح جماعي منذ عام 2011. يعيش الناس في إدلب بين مطرقة العنف وسندان البرد القارس ونقص الغذاء. هذه المأساة الإنسانية لها تداعيات خطيرة تتجاوز حدود سوريا. يجب على مجلس الأمن الدولي أن يرفع صوته ويعطي رسالة واضحة: يجب على النظام أن يتوقف عن قتل شعبه. لابد أن تتوقف الانتهاكات على الفور لتجنب المزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية الكارثية بالفعل".

أخيراً، دعا 14 من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم الأربعاء الماضي إلى وقف العملية التي ينفّذها الجيش العربي السوري وروسيا، وذلك في خطاب مشترك لصحيفة (لا ستامبا)، قالوا فيه إن كارثة إنسانية تحدث.

وما من شك في أن النظام السوري بعيداً كل البعد عن أن يكون بريئاً؛ فهو يتحمّل نصيب الأسد من المسؤولية عن الحرب الأهلية الدائرة منذ تسع سنوات. وقد حكم العلوين الأغلبيةَ السنيّة لعقود بقبضة من حديد، على الرغم أنهم أقلية.

وقد ظهرت ملامح الإبادة الجماعية بوضوح في المذبحة التي ارتكبتها القوات الحكومية بحق أهالي حماة لقمع انتفاضة فبراير عام 1982، حيث قُتل نحو 20 ألف شخص خلال ثلاثة أسابيع وفقاً لتقديرات منظّمات حقوق الإنسان. وتُعتبر تلك المذبحة من أسوأ جرائم الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين. ومع ذلك، فإنه لم تُجر أي تحقيقات في تلك المذبحة، ولم تُناقَش علناً. ولانتفاضة عام 2011 والحرب الأهلية الدائرة جذور نابعة من الانتهاكات التي لا تُحصى بحق المسلمين السُنّة على وجه الخصوص وبحق الإخوان المسلمين في سوريا.

ومع ذلك، فقد تبدّلت الأمور بشكل كبير بعد سنوات الحرب الأهلية التسع. فأولاً وقبل كل شيء، لقد صُبغت الانتفاضة بصبغة راديكالية تماماً وهيمن عليها تنظيما الدولة الإسلامية والقاعدة. وجاء الجهاديون الأجانب من كل حدب وصوب للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، الذي أخذ يتوسّع، بينما خسرت المعارضة كل التعاطف الدولي الذي اكتسبته في بداية الصراع. واليوم، باتت تركيا وحدها تقف إلى جانب المعارضة، بدعم مالي من قطر، إلى جانب مداهنة الدول الغربية. وبات من شبه المؤكّد أن المعارضة الجهادية لن تحصل على أي شيء يُذكر من مباحثات السلام المستقبليّة، عندما تتحرر المنطقة من الغزو والتدخلات الخارجية.

ولسوء الحظ، فإنه في ظل الوضع الراهن قد فات الأوان للدعوة إلى وقف لإطلاق النار والحديث الصاخب عن ضرورة أن يجد المجتمع الدولي حلّاً سياسياً للحرب الأهلية. ومن الواضح جداً أن المجتمع الدولي لم يفشل فحسب في هذه المهمة، وإنما باتت الأطراف تتبنى الآن مواقف متضاربة. لهذا السبب تحوّل ما بدأ نزاعاً إلى حرب أهلية.

وفيما يتعلّق "بالكارثة الإنسانية"، فإن البلدات المتنازع عليها باتت شبه خاوية على عروشها مع استمرار سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين جرّاء القصف من الجانبين. وهناك أدلة متنامية على أن المدنيين في إدلب وحلب أقرب إلى العودة إلى منازلهم، بعد القضاء على الجهاديين، من أن يعبروا صوب تركيا. هذه الرغبة في العودة لا تنطبق فقط على النازحين في الداخل، وإنما نتسحب أيضاً على اللاجئين؛ فقد أظهر مسح أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الآونة الأخيرة أن 75.2 في المئة من السوريين في دول المنطقة عبّروا عن رغبتهم في إعادة التوطين طوعاً.

لماذا إذن كل هذه التحذيرات المثيرة للقلق؟ تتلاقى حسابات أنقرة ووكلائها الجهاديين المتشائمة مع "فوبيا اللاجئين" التي يعاني منها الأوروبيون وانتهازية وكالات الإغاثة الدولية، للإعلان عن حالة طارئة لا وجود لها أصلاً، على الأقل من حيث الحجم الذي يدور الحديث عنه.

والفوبيا الأوروبية موثّقة توثيقاً جيداً، ومعروفة بقدر ما تُعرف انتهازية وكالات الإغاثة. لكن ماذا عن تركيا؟

لم تنتهك أي من الدول المضيفة اللاجئينَ بقدر ما فعلت تركيا؛ فالسوريون في تركيا عمالة رخيصة، وغرباء يعانون من الاضطهاد والكراهية، وكبش فداء من جميع الشرور. والكثير من المنتمين لما يسمى بالجيش السوري الحر المدعوم من أنقرة جرى تجنيدهم من بين اللاجئين في تركيا. وعندما سُئل الملك عبد الله بن الحسين، ملك الأردن، في الآونة الأخيرة عن سبب حصول تركيا على مساعدات مالية بمليارات الدولارات بينما لا تحصل بلاده على تلك المليارات، قال غاضباً "نحن لم نهدد بإرسال اللاجئين إلى أوروبا.. لأننا نعتقد أن هذه مسؤولية ويجب أن نعتني بهم".

وهناك تناسٍ مستمر لحقيقة أن تركيا ليست الدولة التي لديها أعلى كثافة من اللاجئين مقارنة مع عدد سكانها، وإنما لبنان، يليها الأردن. في واقع الأمر، فإن هذين البلدين المضيفين للّاجئين لا يثيران ضجّة حول ضيوفهم، بينما تفعل تركيا ذلك باستمرار.

وملخص القول أن دعوة أنقرة لوقف إطلاق النار، والتي روّج لها المجتمع الدولي، إما لسذاجته أو من باب السخرية، تخدم أنقرة ووكلائها الجهاديين لكسب مزيد من الوقت بهدف إعادة تنظيم الصفوف وتعزيز وجودهم في شمالي سوريا؛ فهم يعرفون أن العملية الجارية عندما تنجح، ستمتد إلى إنحاء أخرى من الأراضي التي تحتلّها تركيا، وهو الأمر الذي سيُنهي النفوذ التركي في سوريا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/idlib/why-so-much-alarm-over-idlib
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.