لماذا لا تستدعي تركيا قواتها في الخارج لمواجهة تفاقم أزمة فيروس كورونا؟

باريس / بيروت – فيما تحدثت صحيفة ليبراسيون الفرنسية عن بدء القوات الأجنبية الانسحاب من العراق وسوريا لمواجهة أزمة فيروس كورونا المُنتشر بحدّة في الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا، أثيرت التساؤلات عن أسباب بقاء القوات التركية خارج حدود بلادها، سواء من خلال المُشاركة المُباشرة في حروب سوريا وليبيا وشمال العراق، أم من خلال قواعد عسكرية باتت منتشرة في كل من قطر والصومال بشكل خاص، بينما البلاد بحاجة ماسّة اليوم لعودة الجنود الأتراك فضلاً عن التكلفة الاقتصادية الباهظة لبقائهم خارج البلاد.
وفي حين ينتشر فيروس كورونا على نحوٍ مُتسارع في تركيا، تواصل الحكومة طمأنة السكان بأنّ الأوضاع تحت السيطرة، وذلك على عكس ما يتحدث عنه أطباء عن وجود تقصير كبير في محاربة تفشي الفيروس، مُبدين مخاوفهم من السيناريو الإيطالي المُروّع وفقاً توقعات لخبراء أتراك وغربيين، وسط مطالب أكرم إمام أوغلو عمدة إسطنبول، المدينة الأكثر مُعاناة من الوباء، بفرض العزل التام في البلاد واستدعاء الجيش للمُشاركة في فرضه بالقوة على المواطنين.
ويتوقع مراقبون سياسيون دوليون أن يحدّ الانسحاب الغربي المُتسارع من الصراعات المختلفة في المنطقة من الدعم التركي لحكومة الوفاق الوطني الليبية على وجه الخصوص.
ويُنذر تضرّر الدول الغربية بشدّة من وباء فيروس كورونا المستجد، ليس فقط بتغيير وجهة مواردها العسكرية بعيداً عن الصراعات الأجنبية، لكن أيضاً بالتوقف عن ممارستها دور الوسيط في محادثات السلام.
ومع تحذيرها من مخاطر استغلال الجماعات الجهادية في المنطقة لانسحاب القوات الأجنبية، أشارت يومية ليبراسيون الفرنسية إلى أنّ مخاوف اللاعبين الرئيسيين في الحرب السورية اتجهت نحو معركة جديدة وهي ضد فيروس كورونا، "فتركيا وروسيا وإيران لديها عمل كثير للقيام به داخل أراضيها بسبب تفشي الفيروس"، مُشيرة إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار بين موسكو وأنقرة في منطقة إدلب في شمال غرب البلاد يبدو مستمرا بشكل عام في ظل هذه الأوضاع.
ودعت الأمم المتحدة قبل نحو أسبوعين إلى وقف لإطلاق النار في دول تشهد نزاعات، للمساعدة في التصدي لكوفيد-19، إلا أن أمينها العام أنطونيو غوتيريش نبّه الجمعة إلى أن "الأسوأ لم يأت بعد"، فيما لا يزال تأثير الوباء غير واضح على نزاعات المنطقة من سوريا والعراق مروراً باليمن وليبيا.
ويمكن للوباء والتعبئة العالمية التي يفرضها أن يسرّعا رحيل القوات الأميركية من سوريا والعراق، ما قد يخلق فراغاً يمكن لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي تمّ تجريده من "خلافته" قبل عام، أن يستغلّه لإعادة تصعيد هجماته، رغم أنّ تنظيم داعش كان قد أعلن من جهته وقف عملياته الإرهابية في الغرب نتيجة أزمة فيروس كورونا.
وتصاعدت أصوات الأتراك في وسائل التواصل الاجتماعي لإعادة الجنود من سوريا وليبيا بشكل خاص، إلا أن معلومات المرصد السوري لحقوق الإنسان أكدت تواصل توافد الجنود الأتراك نحو الأراضي السورية في محافظة إدلب وما حولها، حتى تجاوز عددهم الـ 10250 جندي، وارتفع عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت منطقة خفض التصعيد منذ فبراير لأكثر من 5685 شاحنة وآلية عسكرية، في ظل تساؤلات حول الغاية من استمرار هذه الحشود العسكرية التركية، بدلاً من توجيهها نحو الداخل للمساعدة في مواجهة أزمة فيروس كورونا، وذلك على غرار ما يقوم به اليوم الجيشان الأميركي والفرنسي من تقديم المساعدة للسلطات الصحية والأمنية في بلادهم.
ويعيش العالم اليوم تحت رحمة فيروس كورونا المستجد الذي شلّ التجارة العالمية وأجبر نصف سكان العالم على ملازمة منازلهم، ويبدو هذا الوباء قادرا على إعادة هيكلة العلاقات الدولية وحتى تهديد حكومات.
وحذّر خبراء في جامعة هارفارد من أنّ الأرقام الحالية تُشير إلى أنّ تركيا تسير على خُطى إيطاليا في سرعة انتشار فيروس كورونا، خاصة وأن الكثير من الأشخاص غير مُدركين بعد لخطر تسونامي الفيروس الذي ينتظرهم فيما لو لم يتم اتخاذ المزيد من الإجراءات المُشدّدة.
وهذا ما أكده أيضا البروفيسور مايكل تانشوم، زميل في المعهد النمساوي للسياسة الأوروبية والأمنية في فيينا، من أنّ مُعدّل زيادة عدد حالات الإصابة في تركيا مثير للقلق، وقال "ستحدد الأيام القليلة المقبلة ما إذا كانت تركيا تتبع النمط الأوروبي الغربي".
أما في سوريا، فقد سُجّلت أول إصابة بالفيروس رسمياً بعد أسبوعين تقريباً من بدء وقف لإطلاق النار في إدلب (شمال غرب)، بموجب اتفاق روسي تركي وضع حداً لهجوم واسع شنّته دمشق لثلاثة أشهر.
ويعيش ثلاثة ملايين نسمة في منطقة سريان الهدنة وتشمل أجزاء واسعة من إدلب ومحيطها، إلا أن قدرة الهدنة على الصمود غير واضحة.
ويبدو أن المخاوف من قدرة الفيروس على الانتشار كالنار في الهشيم في كافة أنحاء البلاد التي استنزفتها تسع سنوات من الحرب، أوقف هجمات متفرقة على محاور عدة.
وعلى الأرجح، فإن قدرة مختلف السلطات المحلية، من الحكومة المركزية في دمشق مروراً بالإدارة الذاتية الكردية (شمال شرق) وائتلاف الفصائل على رأسها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) في إدلب، على التصدي لمخاطر الفيروس سيضع مصداقية الأطراف الثلاثة على المحك.
ويقول الباحث المتابع للشأن السوري فابريس بالانش لوكالة فرانس برس "يشكل الوباء وسيلة لدمشق كي تظهر أن الدولة السورية تتمتع بالكفاءة، وعلى كافة المناطق أن تعود إلى كنفها".
أما في ليبيا، فقد رحب طرفا النزاع بدعوة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار لكنهما سرعان ما استأنفا الأعمال القتالية وتبادلا الاتهامات بخرق الهدنة،.
ولعبت تركيا مؤخراَ دوراً عسكرياً مباشراً في النزاع الذي يمزّق ليبيا، دعماً لحكومة الوفاق الوطني في مواجهة القوات الموالية للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الذي اتخذ من شرق البلاد قاعدة له ويستمد شرعيته من مجلس النواب المنتخب العام 2014.
ولا يستبعد بالانش احتمال أن يحدّ الانسحاب الغربي المتسارع من الصراعات المختلفة في المنطقة من الدعم التركي لحكومة الوفاق الوطني.
ومن شأن ذلك أن يصبّ بالدرجة الأولى في مصلحة حفتر، الذي بدأ قبل عام هجوماً للسيطرة على العاصمة.
ونقل تقرير عن مجموعة الأزمات الدولية أن مسؤولين أوروبيين أفادوا أن الجهود المبذولة لضمان وقف إطلاق النار في ليبيا لم تعد تحظى باهتمام رفيع المستوى بسبب الوباء.
وحذّر خبراء في جامعة هارفارد من أنّ الأرقام الحالية تُشير إلى أنّ تركيا تسير على خُطى إيطاليا في سرعة انتشار فيروس كورونا، خاصة وأن الكثير من الأشخاص غير مُدركين بعد لخطر تسونامي الفيروس الذي ينتظرهم فيما لو لم يتم اتخاذ المزيد من الإجراءات المُشدّدة.
وهذا ما أكده أيضا البروفيسور مايكل تانشوم، زميل في المعهد النمساوي للسياسة الأوروبية والأمنية في فيينا، من أنّ مُعدّل زيادة عدد حالات الإصابة في تركيا مثير للقلق، وقال "ستحدد الأيام القليلة المقبلة ما إذا كانت تركيا تتبع النمط الأوروبي الغربي".