لماذا لا يهتم ترامب بآيا صوفيا

عادة ما يردّ قادة أميركا الشمالية وأوروبا على تصرّفات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشدّة. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعدّ استثناءا بارزا. فحتى في مواجهة انتهاكات أردوغان أو استفزازاته التي تمسّ الولايات المتحدة، يواصل ترامب إظهار احترامه وإعجابه بنظيره التركي.  ونجحت إدارة الرئيس ترامب في التصدي لدعوات فرض عقوبات شديدة ضد تركيا، على الرغم من أن قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات ينص على ذلك. ولا نتوقع أن يتغير هذا خلال الأشهر الثلاثة التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة.

لاقى تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد انتقاد الكثيرين. ومثل العديد من القادة الغربيين، كان ترامب يفضل أن تظل آيا صوفيا متحفا مفتوحا للجميع على قدم المساواة. فقد كان رمزا لتركيا الحديثة والمبادئ الغربية الليبرالية لحرية المعتقد وفصل الدين عن الدولة.

وعلى الرغم من أن المسجد بقي مفتوحا للجميع بغض النظر عن انتمائهم الديني (في ساعات محددة من اليوم)، إلا أنه يؤكّد تفضيل المواطنين المسلمين على غيرهم. ولكي يكون المرء مواطنا من الدرجة الأولى في تركيا، يجب على أن يكون مسلما ينبذ القيم العلمانية التي بنى مصطفى كمال أتاتورك على أساسها الجمهورية الحديثة.

لا يهم هذا ترامب كثيرا، لأسباب شخصية وسياسية وأيديولوجية.

أولا، وعلى الرغم من تصوير ترامب لنفسه كمسيحي متديّن، يبدو أنه يستخدم ذلك كنوع من المظاهر أكثر من كونه التزام مضامين الدين.

صحيح أن استغل رفع الكتاب المقدس لالتقاط صورة أمام كنيسة القديس يوحنا بالقرب من البيت الأبيض في 1 يونيو لإبراز الحاجة إلى حماية الكنائس من الحرق العمد، إلا أن معرفته بمحتوى الكتاب يبقى سؤالا مفتوحا.

في هذا، يختلف مع أردوغان. فعلى الرغم من أننا لا يمكن أن نطلع على باطنهما، إلا أننا نستطيع أن نحكم على ما نراه ظاهريا، حيث يبدو الرئيس التركي ممارسا لدينه أكثر من ترامب.

ثانيا، تأتي معتقدات ترامب الدينية من فرع من المسيحية لا يعلق أهمية كبيرة على الهياكل المادية والمؤسسية لمسيحية ما قبل الإصلاح. لكنه ينتمي إلى البروتستانتية، مثل وزير خارجيته مايك بومبيو ومعظم أنصاره.

عامة، لا تزين الكنائس البروتستانتية بأيقونات يسوع ومريم والقديسين مثلما نرى في آيا صوفيا. ويزور ترامب كنائس عادية وغير مزخرفة، على عكس الكنيسة التي تحوّلت إلى مسجد مما فرض اخفاء جل ما يزيّن جدرانها.

من جهة أخرى، يجب ألا تفاجئنا حقيقة سماع الأصوات المنتقدة الأعلى من المسيحيين الأرثوذكس والشرقيين والكاثوليك لتاريخهم مع الفن والديكور الكنائسي. ولكن الأصوات الكاثوليكية كانت خافتة، مما يعكس التصور بأن آيا صوفيا كانت في الأساس كاتدرائية أرثوذكسية على الرغم من أنها بنيت قبل فترة طويلة من الانقسام بين روما والقسطنطينية في 1054.

ثالثا، جعل ترامب وبومبيو من احترام الحرية الدينية حجر زاوية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية. لكن، لو قرر أردوغان تحويل كنيسة مسيحية نشطة مزدهرة أو كنيس يهودي أو حتى أيزيدي أو مكان عبادة غير مسلم إلى مسجد، لكانت عبارات الغضب صاخبة وقوية. لكن ما فعله أردوغان ليس أكثر من التراجع عن علمنة الموقع الذي كان مسجدا لمدة 500 سنة قبل أن يحوله أتاتورك إلى متحف.

لا ينبغي أن نخطئ في فهمنا لما يحدث، فإن أردوغان يوجه هذا الانتصار الإسلامي ضد إرث أتاتورك أكثر مما يوجهه ضد حرية غير المسلمين الدينية.

في النهاية، إذا وافق ترامب على وجوب احتفاظ الحكومة اليونانية أو الكنيسة الأرثوذكسية بحقوق التصرف في آيا صوفيا، فكيف سيرد على السلطات المكسيكية بشأن بعض المواقع في كاليفورنيا وأريزونا ونيو مكسيكو؟

لذلك، وبعد أن أكد أردوغان على أن الأجانب لا يمكنهم التدخّل فيما يحدث داخل تركيا، انتظروا اعتماد الاتحاد الأوروبي لنفس الحجة عندما يشكو من تشريعات أو سياسات معادية للمسلمين داخل الدول الأعضاء.

باتباع نفس النموذج التحليلي، يمكن للمرء دراسة خلفية ترامب الشخصية والسياسية والأيديولوجية لفهم سبب امتناعه عن توجيه انتقادات شديدة لأردوغان بشأن القضايا الأخرى المثيرة للجدل، مثل تدخّله في ليبيا أو سوريا أو انتهاكاته التي طالت الأكراد أو اصراره على النتقيب على الهيدروكربونات في شرق البحر المتوسط. ​​ويعكس استعداد ترامب المسبق للتوافق مع أردوغان تفضيله للقادة "الأقوياء"، وحرصه على إبقاء قاعدة دعمه راضية مع عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية.

وفي مرحلة يواصل فيها أردوغان جهوده المكلفة لتوسيع نفوذه في تركيا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، يمكن أن يطمئن إلى أن ترامب لن يعارضه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/erdogan-trump/why-trump-could-not-care-less-about-hagia-sophia
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.