لماذا سيرحب أردوغان بأي عقوبات أميركية على تركيا؟

استقر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريق مساعديه على حزمة عقوبات سيتم فرضها على تركيا ردا على شرائها منظومة الدفاع الصاروخي (إس-400) من روسيا، لكنها قررت تأجيل إعلانها لما بعد يوم الاثنين، وهو الذي وافق الذكرى الثالثة لمحاولة الانقلاب العسكري الفاشلة على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

غير أن الرئيس الأميركي نفسه، وفقا لما ذكرته وكالة بلومبرغ للأنباء، يمثل "البطاقة الرابحة" فيما يتعلق بالعقوبات، وقد يعمد إلى تعطيل أي قرار أو تأجيله.

وتخاطر تركيا بالوقوع تحت طائلة قانون أميركي يتيح فرض عقوبات على الأعداء، وكذا الاستبعاد من البرنامج الخاص ببناء وتشغيل الطائرة المقاتلة الأميركية (إف-35) وهي أحدث المقاتلات الأميركية، إن هي استقرت على تركيب النظام الصاروخي الروسي.

لكن ورغم هذا التهديد، فإن أردوغان تحدث يوم الأحد ببعض من أكثر خطاباته حدة ضد الغرب. وفي المقابل، كال المديح لروسيا، إذ قال لمجموعة من الصحفيين الموالين للحكومة إن صفقة شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسي لهي "أفضل صفقة في العصر الحديث."

وأبلغ أردوغان الصحفيين أيضا إن ترامب قدم له ضمانات بأن تلك العقوبات المشار إليها لن تدخل حيز التنفيذ.

الأمر الغريب هو أن وزارة الدفاع الأميركية لم تصدر أي بيانات ردا على استلام الدفعة الأولى من أجزاء المنظومة الدفاعية من روسيا يوم الجمعة.

كما كان مقررا أن تتحدث إيلين لورد، نائبة وزير الدفاع لشؤون المشتريات والاكتفاء، لتفسير الموقف من تركيا فيما يتعلق ببرنامج المقاتلة (إف-35) في إيجاز صحفي يوم الجمعة، وفقا لشبكة (يو.إس.إن.آي نيوز) الإخبارية.

لكن وبعد التأجيل لمرتين، تم إلغاء الإيجاز يوم الجمعة دون تفسير.

ويوم الاثنين، أرجأ البنتاغون إيجازا آخر بخصوص هذا الأمر.

هذا السلوك أثار تكهنات بأن ترامب ربما يقرر تأجيل العقوبات المخطط لها أو إلغائها، ربما بعد تهديد تركيا بمنع الولايات المتحدة من استخدام قاعدة إنجيرليك الجوية في جنوب تركيا، والتي تعد مركزا رئيسيا للعمليات الأميركية في الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه، تحشد تركيا قوات بطول الحدود مع سوريا، استعدادا على ما يبدو لما قد يكون هجوما جديدة تشنه في شمال شرق هذا البلد العربي المجاور المبتلى بالحرب حيث تتمركز قوات أميركية.

وهناك احتمال لأن تشن تركيا هجوما في سوريا، ولو على نطاق محدود، ردا على العقوبات الأميركية، وهو أمر يضع ضغطا على القوات الأميركية هناك وكذلك على إدارة ترامب.

ويوم الأحد، قال أبرز عضو جمهوري في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأميركي، مايكل مكول، إن حصول تركيا على منظومة الدفاع الروسية (إس-400) يعد أمرا "مثيرا للمشاكل بدرجة كبيرة".

وقال النائب مكول متحدثا لقناة فوكس الإخبارية إن تركيا "لا يمكنها اللعب على الحبلين، إذ لا يمكن أن تكون عضوا بحلف شمال الأطلسي وتشتري معدات عسكرية روسية".

وتشير التوقعات في واشنطن إلى صدور قرار بتعليق مشاركة تركيا رسميا في البرنامج الخاص بالمقاتلة (إف-35) خلال أيام، وهو برنامج تشارك تركيا فيه بشكل مستمر منذ عام 1999.

وبعد ما قاله وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يوم الأحد من ضرورة فرض عقوبات على تركيا وفقا للقانون الأميركي، كان من المتوقع أن يحذو ترامب حذوه، لكن من الواضح أن هذا أمر غير مؤكد إلى أن نرى توقيع الرئيس نفسه على الأمر.

ورغم جميع المؤشرات التي تشير إلى نية واشنطن فرض العقوبات على تركيا، فإن أردوغان يبدو مصرا على استفزاز الأميركيين وحملها على تنفيذ تلك التهديدات من خلال تأكيده في كل مناسبة ممكنة على أهمية تعزيز التعاون مع روسيا.

الأكيد هو أن أي عقوبات ستفرضها الولايات المتحدة ستُلحق الضرر بالاقتصاد التركي المنهك أساسا جراء ارتفاع نسب التضخم والبطالة وضعف العملة (الليرة) وثقل ديون الشركات.

ويمكن القول إن أردوغان يتسبب في إبعاد المستثمرين الأجانب عن تركيا من خلال قراره بعزل محافظ البنك المركزي وتقويض استقلال هذه المؤسسة والإشارة إلى ضرورة خفض أسعار الفائدة في وقت يتحدث فيه معظم الاقتصاديين عن حاجة تركيا لرفع أسعار الفائدة سعيا للسيطرة على نسب التضخم.

ويبدو أن أردوغان يمارس سياسة مزدوجة قد تودي بتركيا إلى التهلكة. لكن لِمَ؟ لماذا يصر على أن يتحمل الشعب تلك التكلفة؟ ولماذا يصر على ما يبدو على أن تقع هذه المصيبة؟

عند هذه النقطة، لا يسعني سوى التكهن بأن أردوغان يرغب بالفعل في أن تُفرض عقوبات على بلاده ليدفع باتجاه قطيعة كاملة في العلاقات مع الولايات المتحدة.

ربما يكون السبب وراء ذلك هو أن الحفاظ على الصداقة مع الغرب لم يعد يأتي بالنفع على نظامه. لكنه بالتأكيد لن يرغب في عقوبات بعينها من شأنها الإضرار بمصالحه الخاصة أو بمصالح المقربين منه.

وقال بوراك بيلجيهان أوزبيك، أستاذ العلوم السياسية، متحدثا لخدمة بودكاست التابعة لموقع أحوال تركية يوم الاثنين إن أردوغان يرغب في استمرار فرض حالة الطوارئ سعيا لتعزيز سلطاته.

أحزاب المعارضة من جانبها تكسب قوة دفع على ما يبدو، وتظهر تصدعات وشروخ في داخل حزب أردوغان نفسه، إذ يتطلع حلفاء سابقون للرئيس انقلبوا عليه لتشكيل كيانات خاصة بهم قد تسهم في تقسيم جمهور ناخبيه.

لم يعد هناك من أمل لأردوغان، ولا يمكن لأي سياسات اقتصادية أن تعالج المشاكل الاقتصادية العميقة التي تعانيها البلاد.

في هذه المرحلة، يبدو أن مسيرة أردوغان السياسية كخبير في تقديم الحلول قد ولت.

السبيل الوحيد أمام الرئيس التركي للنجاة هو إقناع الأتراك، بما في ذلك الأكراد وبقية الأقليات، بأن الخيارات الوحيدة أمامهم هي "استمراره هو شخصيا وإلا أحرقنا البلاد".

هو نفس الاسلوب الذي استخدمه السلطويون التاريخ. والوقت وحده كفيل بأن نعرف إن كان هذا سيساعد أردوغان على تشديد قبضته على السلطة، لكن سياسة حافة الهاوية التي يتبعها ستضر مجددا باقتصاد تركيا واستقرارها وأمنها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/why-would-turkeys-erdogan-ask-us-sanctions
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.