لماذا تأخر الاعتراف الأميركي بإبادة الأرمن على يد تركيا

اعترف مجلس النواب الأميركي للمرة الأولى بعمليات القتل الجماعي التي ارتكبت بحق الأرمن على يد الإمبراطورية العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى باعتبارها إبادة جماعية، وذلك من خلال تشريع أقره بكل سهولة بموافقة 405 أعضاء مقابل رفض 11 عضوا.

كانت المحاولات السابقة لتمرير قرارات في الكونغرس تدين الإبادة الجماعية قد واجهت معارضة شديدة من الحكومة التركية وجماعات الضغط التي اشترتها بالمال، غير أن جهودهم هذه المرة لم تقو على الصمود في مواجهة حالة الغضب التي أثارتها تركيا بما أقدمت عليه من تحركات على صعيد السياسة الخارجية في الآونة الأخيرة.

وأشاد براين أردوني المدير التنفيذي للجمعية الأرمنية في أميركا بمشروع القانون. وقال: "تمرير القرار رقم 296 في مجلس النواب الأميركي يعكس أفضل ما في أميركا".

وأضاف أن القرار "يمثل تتويجا لعقود من العمل الدؤوب لأعضاء الكونغرس، والجمعية الأرمنية في أميركا، والمجتمع الأرمني الأميركي في شتى أنحاء البلاد".

جاء القرار في وقت يشهد خلافا شديدا بين الكونغرس الأميركي وتركيا بسبب غزو الأخيرة لشمال شرق سوريا، ويُنظر إليه على نطاق واسع على أنه بمثابة عقاب لتركيا على أفعالها.

وقد أثار ذلك مخاوف لدى المحللين بشأن سوء استغلال ما وصفها هنري مورغنثاو، سفير الولايات المتحدة لدى الإمبراطورية العثمانية في العام 1915، بأنها "حملة إبادة عرقية" تشنها الإمبراطورية.

وعلى الرغم من أنه يمكن انتقاد توقيت قرار الاعتراف بالإبادة الجماعية الذي طال انتظاره والدوافع السياسية الكامنة ورائه، إلا أن القرار يظل أمرا إيجابيا حقا للأرمن.

وقالت إليس سيميردجيان، أستاذة تاريخ العالم الإسلامي/الشرق الأوسط في كلية ويتمان، لموقع "أحوال تركية" إن يوم تمرير قرار الكونغرس "كان يوما بالغ الأهمية للأرمن في جميع أنحاء العالم، والذين كانوا ينتظرون من الحكومة الأميركية الاعتراف بأمر تعلم أنه حقيقي منذ قرن من الزمان – وهو أن قتل ما يربو على مليون أرمني إبان الحرب العالمية الأولى كان إبادة جماعية".

وأضافت سيميردجيان: "الشتات الأرمني هم ذرية أولئك الضحايا الأرمن. أجدادنا شهدوا هذه الجرائم ونقلوا إلينا تلك الذكريات".

وفي حين أن هناك جدلا بين المؤرخين بشأن الإحصاءات التي تشير لمقتل 1.5 مليون من الأرمن وغيرهم من المسيحيين الشرقيين والفترة الزمنية الواقعة بين العامين 1915 و1923 الواردتين في نص قرار مجلس النواب، إلا أن حقيقة وقوع الإبادة الجماعية لا جدال فيها.

يقول هوارد إيسينستات، الأستاذ المساعد في تاريخ الشرق الأوسط لدى جامعة سانت لورنس والزميل غير المقيم في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (بوميد)، لموقع "أحوال تركية": "التواريخ الواردة في القرار، المتعلقة بالفترة بين العامين 1915 و1923، تبدو لي واسعة النطاق بشكل مبالغ فيه وتخلط بين الإبادة الجماعية الفعلية والحرب التالية، التي كان التطهير العرقي أيضا من سماتها في بعض الأحيان". وأضاف أن التقديرات المتحفظة تشير إلى أن عدد القتلى يتراوح بين 800 ألف ومليون قتيل.

وتابع: "فيما يتعلق بالقضية المحورية المتمثلة فيما إذا كان العثمانيون قد ارتكبوا إبادة جماعية بحق الأرمن وغيرهم من المسيحيين الشرقيين إبان الحرب العالمية الأولى، فيتفق المؤرخون بشكل جوهري... أنهم فعلوها".

أنفقت الحكومة التركية ملايين الدولارات على جماعات الضغط الأميركية للحيلولة دون تمرير القرارات التي اقترحت في السابق للاعتراف بالإبادة الجماعية. وقد حصلت مجموعة ليفينغستون، شركة الرئيس الجمهوري السابق لمجلس النواب بوب ليفينغستون، على 12 مليون دولار لمعارضة قرارات باءت بالفشل في الفترة بين العامين 2000 و2004.

وبعد أن استحوذ الديمقراطيون على مجلس النواب في العام 2006 والرئاسة في العام 2008، دفعت تركيا للزعيم السابق للأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب ديك غيبهارت - الذي أيد قرارات للاعتراف بالإبادة الجماعية وهو في الكونغرس – لتغيير موقفه والضغط على زملائه السابقين للتصويت برفض قرارات لاحقة. وحصلت شركته مجموعة غيبهارت على 1.7 مليون دولار في 2015 من الحكومة التركية.

على الرغم من أن تركيا تواصل الإنفاق بسخاء على ممارسة أنشطة الضغط على الحكومة الأميركية، إذ أنفقت 6.59 مليون دولار في العام 2018، لا يعتقد إيسينستات أن ذلك هو السبب الرئيسي وراء تلك الفترة الطويلة للغاية التي استغرقها الكونغرس الأميركي للاعتراف رسميا بالإبادة الجماعية.

وأضاف: "أعتقد أن السبب الرئيسي هو أن الإدارات المتعاقبة رأت ببساطة أن التكلفة الدبلوماسية لمثل هذا القرار كانت باهظة بشكل أكبر من اللازم".

ولا شك أن الأسباب التي تفسر نفي تركيا الشديد لوقوع الإبادة الجماعية بحق الأرمن هي أسباب معقدة. ويرى إيسينستات سببين بارزين وراء موقف تركيا.

فيقول: "لطالما خشيت تركيا أن يتمخض الاعتراف بالإبادة الجماعية إما عن مطالبات بالأحقية في أراض أو مطالبات بالتعويض... من العدل أن نتذكر حجم الثروات التي صودرت في بداية قيام الجمهورية من غير المسلمين الذين ماتوا أو نزحوا".

وتابع: "السبب الثاني والأكثر أهمية هو أن تلك الجرائم متداخلة مع تاريخ ميلاد تركيا الوطني. فالكثير من أبطال الجمهورية في مهدها متورطون بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وهذا يجعل من الاعتراف بالإبادة الجماعية أمرا مزعجا جدا لتركيا كونه يشير إلى أن الجمهورية نفسها كانت مشوبة بالفساد نوعا ما في بداياتها".

وتصف سيميردجيان قرار مجلس النواب الأميركي بأنه نجاح تاريخي للأرمن بعد عقود من المحاولات الفاشلة لتمرير مثل هذا القرار، على الرغم من أنه يرسم "الصورة الأكبر التي تبين كيف أن السياسيين قد يتأثرون بالمصالح الخاصة لدرجة أن ينكروا إبادة جماعية لمدة عشرات السنوات وأن يعترفوا بها فقط حين تخدم أهدافهم السياسية".

وباعتبارها مؤرخة، تشعر سيميردجيان بالحيرة تجاه تصويت مجلس النواب.

فتقول: "بالنسبة لي، تشكل عمليات الإبادة الجماعية مسألة أخلاقية. فنعترف بها للحيلولة دون حدوثها مجددا، والتوعية بشأنها، والتأكيد على أن حياة الإنسان لها قيمة. إذا كان لدى مشرعينا أي أسس أخلاقية، فعليهم الآن أن يقولوا الحقيقة عن عمليات الإبادة الجماعية التي تحدث فعليا في العالم وأن يعملوا على وقفها".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/armenian-genocide/deferred-decades-us-congress-formally-denounces-armenian-genocide
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.