سبتمبر 08 2019

لماذا يفتخر أردوغان بأجداده العُثمانيين؟

باريس / عبدالناصر نهار - رغم انقضاء ما يُقارب 100 عام على نهاية حكم الدولة العثمانية، إلا أنّ بعض العرب لا زالوا مُقتنعين بإرث دولة الخلافة وتاريخها "الناصع"، فيما باتت غالبية الدول العربية تعتبرها العامل الأساس في عصور التخلف والانحطاط التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، وما زالت.
وتتعالى اليوم أصوات كثيرة تدعو لإعادة كتابة تاريخ العثمانيين في المنطقة باعتباره "غزواً واحتلالاً"، وهو ما حدث بالفعل في السعودية من خلال التغيير الجذري الذي شهدته مناهجها الدراسية مؤخراً، ووصف الدولة العثمانية بأنها "غازية" بعد أن كانت تُطلق عليها دولة "الخلافة العثمانية".
وفي تطوّر دبلوماسي سريع هذه الأيام، شهدت العلاقات التركية-اللبنانية توتراً كبيراً واستدعاءً مُتبادلاً لسفيري البلدين في أعقاب تصريحات الرئيس اللبناني ميشيل عون الذي وصف ممارسات الدولة العثمانية بـِ "الإرهابية" واتهمها بـ "إذكاء الفتن الطائفية وبقتل مئات الآلاف"، الأمر الذي استدعى ردّاً تركياً شديد اللهجة بعيداً عن أيّ لباقة دبلوماسية معروفة ولو في حدودها الدنيا، وسط تساؤلات تاريخية مشروعة عن مُبرّرات اعتبار الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان بلاده وريثاً شرعياً لما يراه "أمجاد الامبراطورية العُثمانية".
قبل حوالي 5 سنوات، وحين وصلت شهرة المسلسل التركي "حريم السلطان" أقصاها داخل تركيا وخارجها في معظم الدول العربية والإسلامية، خرج الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان غاضبا ومُنتقدا العمل بقوله "ليس لدينا أجداد مثلما يجري تصويرهم في المسلسل".
في إحدى أهم الحلقات، ثارت حينها الضجة الأكبر في تركيا، إذ ظهر السلطان القانوني وهو يُعدم ابنه الأمير مصطفى، بسبب اعتقاده بخطر انقلابه على العرش، وهو المشهد الذي انزعج منه أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم، في مقابل استغلال بعض مُعارضي أردوغان الفرصة لدعوته إلى القيام بإجراء حازم ضدّ ابنه بلال، الذي لمع اسمه كثيرا في عالم الفساد بالبلاد.
في الحقيقة، وفي إحدى مراحل التاريخ الطويلة كانت تركيا أشد اقتراباً من الوطن العربي، لكنّه اقتراب تخريبي مُدمّر، وذلك في أثناء سيطرة الدولة العثمانية على مقدرات العرب لمدة تزيد عن أربعمائة عام، لم يُقدّم خلالها العثمانيون أيّ مُساهمة في نهضة المناطق العربية آنذاك، وكان همّهم الوحيد طلب المال والولاء والطاعة، والتنافس في الحصول على الجواري الحسان.
باختصار مثّل العثمانيون السبب الأول في تراجع المكانة الحضارية للعرب الذين تزعموا العالم المُتحضّر خلال الخلافتين الأموية والعباسية على وجه الخصوص، بينما كان العثمانيون مُجرّد قبائل رعوية لا حضارة لها، جاءت من شمال غرب الصين.
فرض العثمانيون على العرب عزلة كاملة لقرون طويلة عن الشرق، وعن الغرب الذي كان يبحث مع بدء الغزو العثماني للدول العربية، عن الخروج من عصور الظلام والجهل لمواكبة التطوّر الحضاري للعرب والمسلمين.
كان للبلاد العربية قبل الغزو العثماني حضارتها ومكانتها المرموقة، ولم تكن غايات العثمانيين بعد قدومهم غزاة لا فاتحين، إلا طلب الولاء ونهب الأموال وتهجير الحرفيين المهرة والصناعيين المُبدعين وتجنيد الشباب والرجال لحروبهم الهمجية، فترك العثمانيون الناس على ما كانوا عليه حتى عجزوا عن مواصلة تطوّرهم، فتخلفوا ودخلوا في خلافات دينية وعرقية ساهمت في عزلتهم الحضارية.
واكتفى الولاة العثمانيون المُعينون على الولايات الإسلامية، ببذل الجهود وإثبات الولاء للدولة المركزية بدون تقديم أيّ إنجاز حضاري يذكره التاريخ، إذ كانوا يبقون في الحكم لمدة ثلاث سنوات فقط خوفاً من محاولة استقطاب الناس والتمرّد والاستقلال عن أملاك السلطان.
لا نذكر من إنجازات العثمانيين سوى السفربرلك، وكارثة التهجير الجماعي لأهالي المدينة المنورة التي كان سببها فخر الدين باشا، وإنجازات جمال باشا السفاح في إعدام شهداء أيار/مايو من رموز الفكر والثقافة في كل من دمشق وبيروت، كما نذكر أيضا فشل السلطان عبدالحميد الثاني في الحفاظ على القدس على عكس ما يدّعيه الأتراك، وغير ذلك الكثير من مُمارسات الظلم والقمع الإرهاب.
ولم يشتهر أهم السلاطين والأمراء العثمانيين، إلا بإعدام أشقائهم وأبناءهم، وتمّ وصفهم بالهمجية والبربرية، إذ كان قتل الأخوة مُباحاً للظفر بالسلطنة ومُشرّع بشكل قانوني، وكان لذلك آليات مُعتمدة ووسائل مُباحة.
وتفشّى استخدام هذا القانون الفريد من نوعه بدرجة كبيرة سعياً للحصول على منصب السلطان، لدرجة أنّ فترات كثيرة من تاريخ العثمانيين شهدت مخاوف كبيرة من انقراض العائلة العثمانيّة بسبب قتل الغالبية العظمى من أخوة وأبناء السلاطين، كما تقول كافة المصادر والمراجع التاريخية المُعتمدة.
بالطبع فإنّ تركيا جار مُهمّ للدول العربية، لكنّها ما تزال تعيش في أزمة هوية منذ سقوط الخلافة العثمانية، ورغم تبدّل الاتجاهات في تاريخ السلطنة والجمهورية التركية، إلا أنّ المحصّلة واحدة، خراب وتحريض وقتل، وهذا ما يُمكن تلمّسه بشكل خاص في الدور الإجرامي لحكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم اليوم في الأزمة السورية وإشعال الحرب الأهلية وإعادة احتلال الكثير من المناطق شمال سوريا.
في بلادنا، لا نذكر أيّ مَعلم أو إنجاز حضاري خلّده العثمانيون في أيّ من مُدنها، بينما التاريخ مليء بما فعله الأتراك في البلدان العربية من سرقة لعقولها ونهب لخيراتها وقضاء تام على حضارتها.
وفي حقائق الجغرافيا، كما في حقائب التاريخ القديم والمُعاصر، كل ما يُشير إلى اغتصاب الأتراك أجزاء كبيرة من الأراضي العربية الواقعة شمال سوريا، والعمل على تهجير السكان عبر عمليات التغيير الديموغرافي والتتريك.
الشعب السوري على وجه الخصوص لن ينسى خديعة أردوغان وأجداده الكبرى، ولا شعاراته الجوفاء، وكيف كان هو بنفسه أحد أهم عوامل التحريض وإثارة الفتنة الطائفية والقومية في سوريا، وكيف أنّ رصاص "الجندرمة" التركية، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة، قتل ما يزيد عن 500 مدني سوري أعزل، مُعظمهم من النساء والأطفال من الذين حاولوا عبور الحدود على مدى الأعوام السابقة، فضلاً عن الاستغلال السيء لورقة اللاجئين إقليمياً ودولياً والسعي لطردهم اليوم.