لماذا يستمر الغرب في استرضاء أردوغان

باتت أفعال الحكومة التركية غير التقليدية ذات الوجهين في الداخل والخارج مكشوفة أمام الرأي العام. وما ظلّ لسنوات معروفاً عند أجهزة المخابرات حول العالم، صار اليوم مفضوحاً على وسائل التواصل الاجتماعي، يراه الجميع نصاً، وبالصوت والصورة.

أدى هذا إلى إدانات واسعة النطاق، من الرأي العام، ومنظمات المجتمع المدني، بل وحتى المشرّعين. لكن كل هذا ما زال غير كاف بعد لاسترعاء انتباه الحكومات الغربية، ولا المنظمات الدولية، على الأقل للكف عن استرضاء الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان.

دعونا نتذكّر بعض الحقائق التي تحدث عنها مشرعون ونشطاء وباحثون ونشطاء وصحفيون وخبراء شهيرون منذ أن بدأ الغزو التركي لشمال شرقي سوريا في التاسع من أكتوبر.

أولاً، وقبل كل شيء، جريمة الحرب المتمثّلة في قتل السياسية الكردية السورية هفرين خلف.

استخدام الفوسفور الأبيض ضد المدنيين والمقاتلين على حد سواء.

تدفع تركيا أموالاً لوكلاء جهاديين في سوريا وتزودهم بالعتاد، ويشمل هؤلاء أعضاءً سابقين في تنظيم الدولة الإسلامية، بالمخالفة للقانون الدولي.

غير مسموح بأي تقارير مستقلة في المناطق السورية الخاضعة للسيطرة التركية. والأخطر من ذلك، هو أن المنظمات الإنسانية الدولية لا يمكنها الوصول إلى تلك المناطق.

هناك تقارير عن انتهاكات لحقوق الإنسان، ارتكبتها القوات المحتلة، فضلاً عن الإعدامات الخارجة عن إطار القانون، والسلب وأخذ الرهائن.

نزح أكثر من 215 ألف سوري بسبب الهجوم على سوريا.

مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبي بكر البغدادي على يد قوات أميركية بالقرب من الحدود التركية يُعطي إشارة على تواطؤ محتمل بين تركيا والجهاديين المتطرفين.

سياسة تركيا الرسمية، والتي أعلنها أردوغان في الأمم المتحدة، هي إعادة توطين ما يصل إلى مليوني لاجئ سوري – موجودين حالياً في تركيا – في المنطقة التي تم احتلالها، وهي خطة ترقى إلى التطهير العرقي.

الشعب التركي يؤيد الغزو العسكري بقوة.

دعونا نتحول الآن إلى بعضٍ من ردود الأفعال الدولية.

عدد لا يُحصى من الأكاديميين، والمفكرين، وقادة الفكر، والنشطاء، والمنظمات العمالية حول العالم أدانوا الهجوم العسكري التركي، ودعوا المنظمات والهيئات الدولية إلى وقفه.

حصلت صحيفة (نيويورك تايمز) على مذكرة من ويليام روباك، أكبر مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية حول سوريا، قال فيها إن "العملية العسكرية التركية في شمالي سوريا، وفي طليعتها جماعات إسلامية مسلحة على قوائم أجورها، تمثل جهداً الغرض منه هو التطهير العرقي... يجب علينا أن نُصرّ على أن تتحمل تركيا ثمن هذه المغامرة بالكامل من سمعتها ودبلوماسيتها، وأن نسعى لمنع الرئيس أردوغان من إغراق هذه المنطقة غير المأهولة بلاجئين من السوريين العرب.

الاتحاد الأوروبي أدان الهجوم.

قال ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية – وهو مركز بحثي أميركي – في تغريدة إن "التخلي عن الوهم القائل إن تركيا أردوغان دولة حليفة من الناحية العملية، هو أمر تأخر كثيراً. يجب على الولايات المتحدة أن تسحب كل الأسلحة النووية، وتقلل اعتمادها على القواعد التركية، وتفرض قيوداً على تبادل المعلومات الاستخباراتية وبيع الأسلحة. يتعين عليها أيضاً أن تضع خطوطاً حمراء في سوريا".

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلة مع مجلة (ذا إيكونوميست) "لديكم عمل عدائي غير منسق، يقوم به حليف آخر في حلف شمال الأطلسي، وهو تركيا، في منطقة باتت فيها مصالحنا معرضة للخطر. لم يكن هناك تخطيط من جانب حلف شمال الأطلسي، ولا أي نوع من أنواع التنسيق. لم يكن حتى هناك أي تفاد للتضارب في حلف شمال الأطلسي.

وأخيراً، دعونا نتذكر الاسترضاء من جانب الإدارات الغربية والهيئات الحكومية الدولية.

تؤيد الإدارة الأميركية سياسة الاسترضاء العامة تجاه تركيا، وترضخ لمطالب أردوغان اللامتناهية. وتُعارض الإدارة الأميركية فرض عقوبات على تركيا، صوّت لصالحها مجلس النواب، وقرار المجلس بشأن مذابح الأرمن، متعللة بأن هذا سيكون من شأنه تعقيد العلاقات أكثر مع حليف مهم في حلف شمال الأطلسي.

رفضت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية اختبار عيّنات من أنسجة أُخذت من مدنيين يُشتبه في أنهم احترقوا بالفوسفور الأبيض، متعللة بأن هذه الحالة خارجة عن اختصاصها.

قال ينس ستولتنبرغ، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، في تصريحات لصحيفة (بيلد آم زونتاغ) الألمانية "يجب الإقرار بأن تركيا حليف مهم". أضاف أن "تركيا قدمت إسهامات مهمة لتدمير ما يسمى بالخلافة" في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

فشل مجلس الأمن الدولي في الاتفاق على بيان يدين العملية العسكرية التركية، بعدما عطلته الصين وروسيا والولايات المتحدة.

أدانت دول العالم الهجوم التركي، باستثناء أذربيجان وجورجيا وقطر وباكستان، لكنها لم تتخذ إجراءً ملموساً.

طلب ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من أردوغان وقف الهجوم، لكنهما لم يتخذا أي إجراء. وأوصى الاتحاد الأوروبي بتجميد تصدير الأسلحة – لا بحظر التسليح – وهي توصية لم ينفذها حتى جميع الأعضاء، وهي بالتأكيد غير كافية لوقف العدوان. وقالت شركة تحليل المعلومات الاستخباراتية ستراتفور "بينما ستضر علاقة أنقرة الحادة مع الغرب بقطاع الدفاع التركي، فإنها لن تشله. والأرجح أن تركيا ستنجو من العاصفة بسلام، لأنها في وضع يسمح لها بالاعتماد على صناعة الدفاع المحلية الآخذة في النمو لتغطية حاجاتها العسكرية، ولأنها ستبحث عن بدائل للدخول في شراكات دفاعية".

لماذا إذن الدول الغربية غير قادرة على شجب تركيا، أو تهميشها أو إيقافها؟ ولماذا هم يفعلون العكس، ويسترضونها؟

هناك ثلاث إجابات فورية.

أولاً، هناك الحساب الاستراتيجي المتمثل في إمكانية أن تبتعد تركيا عن المؤسسات الأطلسية، لينتهي بها الحال في أحضان روسيا. ولا تريد الدول الغربية أن تسكب الزيت على النار بقطع علاقات تركيا بتلك المؤسسات، خاصة حلف شمال الأطلسي.

الأمر الثاني هو أن هناك حسابات تكتيكية، تتمثل في احتمال أن تكف تركيا عن الالتزام بما يقتضيه اتفاق تم التوصل إليه في عام 2016، ومن ثم تتوقف عن منع اللاجئين من العبور إلى دول الاتحاد الأوروبي.

ثالثاً، هناك مصالح اقتصادية؛ فلدى الدول الأوروبية على وجه الخصوص مصالح مالية وصناعية كبيرة في تركيا، ومن ثم فإنهم حريصون على عدم استعداء أردوغان، لكي لا يخسروا أموالهم.

وبالنسبة للشقّين الأول والثاني، فإنهما لم يعودا صالحين. أمّا بالنسبة للمصالح الاقتصادية، فإن وجود اقتصاد تركي مستدام سيضُر بالمصالح الاقتصادية الأجنبية، إن آجلاً أو عاجلاً.

بعبارة صريحة، فإنه إذا ظلت روسيا غريماً أولاً لحلف شمال الأطلسي، فإن عضواً في الحلف مثل تركيا – التي تدور بالفعل في فلك النفوذ الروسي – لا تصبح فقط شريكاً فقَدَ معناه، وإنما تتحول إلى عدو. على سبيل المثال، إذا قررت روسيا ذات يوم أن تغزو إحدى دول البلطيق، فإن هناك فرصة كبيرة لامتناع تركيا عن التحرك وفقاً للمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي وتهب لمساعدتها. بمعنى آخر، فإن إبقاء تركيا قريبة من الغرب، لا يُبقيها بعيدة عن روسيا. وبقدر ما يسترضي الغرب تركيا، بقدر ما سيواجه إساءة من جانب أنقرة.

وفيما يتعلق باللاجئين، فإنه لم تعد هناك شراكة، وإنما ابتزاز مستمر في ظل تهديدات أردوغان بفتح الباب أمام سيل من اللاجئين يُغرق أوروبا إذا لم يلق مشروعه الرامي إلى إعادة توطين اللاجئين السوريين دعماً مالياً من الغرب.

وهناك ثلاثة أسباب لاسترضاء أردوغان.

أولاً، الوجود الروسي القوي والحازم في المنطقة، حيث تتصرف علناً كحليف لتركيا. يشكل هذا معوقاً كبيراً أمام الغرب، الذي يكره فكرة الدخول في مواجهة مباشرة ضد روسيا.

السبب الثاني هو أن علاقات ترامب بأردوغان تعني أنه سيعطل على الأرجح أي محاولة يقوم بها الكونغرس الأميركي لمعاقبة الرئيس التركي.

أما السبب الثالث، فهو احتمال انهيار تركيا بشكل كامل. فمغامرات البلاد الخارجية واقتصادها الكارثي قد يقودان إلى سيناريو يخلق كابوساً لثمانين مليون نسمة. فقط لنتخيل ملايين اللاجئين يفرون إلى أوروبا، وهذه المرة سيكونون أتراكاً.

لهذا السبب يمكن للغرب تحمُّل أردوغان واستبعاد أي خيار عسكري أو إجراءات لفرض عقوبات. لكن للأسف، فإن الاسترضاء لن يجعل تركيا تُغيّر مسارها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-politics/why-does-west-keep-appeasing-erdogan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.