لقاء أردوغان-ترامب: الضحك بأمر من الرئيس

أعتقد أن الاشمئزاز والشفقة من أقوى المشاعر وأكثرها توجيهًا في الحياة.

ومن الغريب أنهما قد يختلطان ببعضهما أحيانًا، ويصبح من الصعب تحديد أي هذين الشعورين هو السائد. والواقع أن كلاهما شعور سلبي، كلاهما قد يفصلكم عن الحدث الذي هو بؤرته، أو عن المعيشة خلال الزمان.

كلنا نعرف بطريقة أو بأخرى ماذا تعني الصفاقة والنفاق والندم، وكيف تجعلنا نشعر ببرود في الحياة اليومية. هذا هو الحال في السياسة أيضًا.

إن شعوري الاشمئزاز والشفقة اللذين تحدثت عنهما أعلاه قد أحسست بهما، وبشكل قوي ومكثف إلى حد كبير، حتى وإن لم يكن للمرة الأولى في الحياة السياسية في تركيا، عندما تم التصويت في المحكمة العليا في الجمعية العمومية للبرلمان التركي بشأن كل من "ظفر جاغلايان" وزير الاقتصاد، و"معمر غولر" وزير الداخلية، و"أغمن باغيش" وزير شؤون الاتحاد الأوربي، و"أردوغان بيرقدار" وزير البيئة الذين تورطت أسماؤهم في مزاعم الفساد في التحقيقات التي تمت بشأن أحداث 17-25 ديسمبر.

مصدر ذلك الاشمئزاز لم يكن رفض إرسال الوزراء الأربعة السابقين الذين تم التصويت عليهم واحدًا واحدًا إلى المحكمة العليا، ولكنها كانت تلك الصورة.

كانت تلك هي الصورة التي حبست في داخلها الضحكات الوحشية التي لم تُروض لهذا الكادر السياسي من الرجال ذي رابطات العنق، والابتسامات الدنيئة لنواب حزب العدالة والتنمية على حين كانوا يبرئون "جاغلايان".

تلك الصورة أطَّرت السياسة التركية، وكانت دليلًا وتسجيلًا وعلامة على حالة من الصفاقة والوقاحة والنفاق وانعدام الأخلاق وغياب الشخصية لن تتركها فترة طويلة.

بعد حوالي خمس سنوات، شعرت مرة ثانية بنفس المشاعر في صورة مقابلة رئيس الولايات المتحدة الأميركية ترامب وأردوغان في قمة مجموعة العشرين.

ففي هذه المقابلة التي كانت "ممتازة جدًا" بحسب وصف وسائل إعلام حزب العدالة والتنمية لم يرد أي رد إيجابي على مزاعم الولايات المتحدة الأميركية بشأن فرض عقوبات على تركيا، بسبب التوتر من منظومة الصواريخ إس-400، والمقاتلات الحربية إف-35.

في هذه المقالة لن أدخل في تفاصيل المقابلة ومعناها، فلقد كتب "إيلخان طانير" أحد أكثر الخبراء اطلاعًا على علاقات الولايات المتحدة الأميركية مع تركيا واحدًا من أهم التعليقات في هذا الشأن. يمكنكم قراءته من هذا العنوان: لقاء أوساكا قد يكون نهاية مرحلة في علاقات الولايات المتحدة الأميركية بتركيا.

في هذه المقابلة ترك موقف ترامب الخاص به، وغير الرسمي، وغير الحساس مكانه لسخرية ملفتة للنظر إلى حد كبير، ويمكن قراءة المسار السياسي للاجتماع على أنه نقطة تحول في العلاقات الأميركية-التركية، في حين أن ترامب نظر إلى أعضاء وفده وقال "انظروا إلى أولئك الناس. كم هو لطفاء. انظروا إلى الآخرين. كم هو من السهل فهمهم. انظروا إلى هؤلاء. إنهم "سنترال كاستينج، (أكثر الشركات شهرة ونجاحًا في توزيع الأدوار والتمثيل في الولايات المتحدة الأميركية، والتي لا تزال تمارس نشاطها منذ عام 1925). لا تستطيعون أن تجمعوا في أية مجموعة من أفلام هوليوود الأشخاص الذين يبدون متشابهين هكذا".

لقد أصبحت تاريخًا، مثل الصورة السابقة، تلك الابتسامات الدالة على الرضا عن النفس وعن الرؤساء، والتي ارتسمت على وجوه كل من: "مولود جاويش أغلو" وزير الخارجية، وبيرات البيرق وزير الخزانة العامة والمالية، وخلوصي أكار وزير الدفاع المدني، وفخر الدين فيدان وزير الاتصالات في رئاسة الجمهورية، وإبراهيم كالين المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، وخاقان فيدان مستشار الاستخبارات، وجودت ييلماز مساعد الرئيس العام لحزب العدالة والتنمية.

دعونا نلقي نظرة على حقيقة الحادث، وليس كيف أن حزب العدالة والتنمية "يغير الوضع". فمن المؤسف أن تركيا لم تعد بلدًا يؤخذ على محمل الجد على الساحة الدولية، بل صارت بلدًا يسخر منه ترامب بأسلوب ضمني.

ما هو أسوأ من ذلك، أنهم إما غير مدركين للموقف، أو أنهم متوترون بما يكفي لتلقي هذا النوع من الإهانة.

هناك ما هو أسوأ من ذلك؛ فهم إما لا يدركون الوضع، وإما أنهم ناضجون بما يكفي لاستيعاب مثل هذه الإهانة.

في تلك الصورة هناك قطيع من الرجال بلغت أعمارهم سن النضج والكمال، بعيدون تمامًا عن الكناية والمجاز والهجاء والتعريض لا يدركون حتى أنهم تعرضوا للسخرية أو التشويش، أو أنهم الإسلاميون السياسيون الذين حتى وإن بُصق على وجوههم فتحوا المظلات ظانين أنه المطر ينزل.

هؤلاء السادة الذي يصفقون عندما يحين الوقت لنعرات "يا أميركا.. من أنت؟" يقولون ذاك هو النجاح السياسي، وينتفخون في الهواء قائلين "لقد رأينا ترامب عن قرب، إننا لا نغتم وإن متنا".

إن خطاب من قالوا في فترة 17-25 ديسمبر " أيًا كان ما قيل لنا، فقد فعلناها" والمكان الذي أشاروا إليه لا يزال حيويًا وصالحًا.
في الآونة الأخيرة، ردَّ "بولنت أرينج" الذي تم تعيينه في المجلس الاستشاري الأعلى الذي تم تشكيله ضمن بنية الرئاسة، بلفظ "الوقحين" على الانتقادات التي تم توجيهها ردًا على زيادة رواتب أعضاء المجلس في أول اجتماع له من 13 ألف ليرة تركية إلى 18 ألف ليرة تركية، ثم أضاف "أريد أن أوضح أنه ليس لدى الأعضاء أي تصرف مثل الإعلان عن رواتبهم الخاصة. والسلطة المختصة الوحيدة في هذا الصدد هي رئيس جمهورية تركيا نفسه".

باختصار، إنها نفس الإجابة التي تخرج من أسفل كل حالة غريبة تقع في البلاد "الرئيس أراد ذلك".

ليت الصحافيين استطاعوا اليوم طرح أسئلة على الرجال الموجودين في ذلك الوفد بشأن سخرية ترامب منهم أنفسهم، فهذا يعني أن إجابة كل شخص في تلك الصورة كانت ستكون واحدة: "قال الرئيس اضحكوا".

من بلغوا من العمر مبلغًا لم ينسوا "وا حسرتاه يا نجدت"، التي لا تزال راسخة في الأذهان والتي تنبع من البرنامج المسرحي "بِر دَمَت/ باقة". اضحك هكذا يا مديات، يا سيفو.

إن المباحثات الدولية الحالية والاجتماعات التي ستحدد مصير البلاد تُذكَّرُ بتأثير الضحك غير الطبيعي في التسعينيات، والحراس وضحكات أباءهم، فمشاعر الاشمئزاز والشفقة تختلط؛ بعضها ببعض.

•    هذه المقالة تعكس آراء الكاتب. وليس بالضرورة أن تكون دائمًا متوافقة مع سياسة "موقع أحوال تركية" النشرية ومنظورها التحريري.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye-abd/erdogan-trump-gorusmesi-midyat-seyfo-gulun
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.