علي عبادي
سبتمبر 18 2019

لو عاد أتاتورك اليوم فسيواجه الاعتقال

في بعض الأحيان يكون من المستحيل تقريباً معرفة ما الذي يثير فكرة للوهلة الأولى في أذهاننا. ولكن عندما بدأت في كتابة هذا المقال، أعرف أن ما دفعني إلى التفكير مسلسل بيفورينرز النرويجي على شبكة إتش بي أو التلفزيونية ومسألة سوبرمان القديمة قبل ذلك.

في المسلسل، تبدأ الأضواء الوامضة فوق البحر في استحضار أناس من الماضي إلى النرويج الحديثة. ومع كل ومضة، يبدأ أشخاص من العصر الحجري والفايكنغ وأشخاص من القرن التاسع عشر وأشخاص من عصور أخرى في الظهور في جميع أنحاء العالم.

لا يعرف أحد كيف سافر هؤلاء الأشخاص عبر الزمن، ولا يتذكر المسافرون أنفسهم ما حدث لهم. وبعد وصولهم، يواجهون فترة تكيف صعبة. وعلى الرغم من أن الناس يشعرون بالدهشة لرؤية أسلافهم يظهرون فجأة، إلا أن هناك أشخاصاً لا يرحبون بمن يأتون من الماضي، مثلهم في ذلك مثل الناس في البلدان الأوروبية الذين لا يحبون المهاجرين وطالبي اللجوء.

وفيما يتعلق بمسألة سوبرمان القديمة، يعود جوناثان كنت، الذي توفي قبل سنوات، بطريقة ما من بين الأموات للدخول في حياة ابنه كلارك (سوبرمان) لفترة قصيرة. إن فكرة الموتى، أو أولئك الذين يُعتقد أنهم ماتوا، الذين يعودون فجأة إلى الحياة يمكن أن تطرح بعض الأفكار المثيرة للاهتمام.

والفكرة التي بدأت تراودني هي: إذا عاد مصطفى كمال أتاتورك من بين الأموات، فما الذي سيحدث له؟ كيف سيرى ما يحدث في تركيا، لا سيما في السنوات العشر الماضية؟ إذا عاد أتاتورك، بعد مرور 81 عاماً تقريباً على وفاته، وأبلغه أحدهم بما يحدث هنا، فثمة فرصة جيدة ألا يفهم وأن يتم اعتقاله بسبب أي انتقادات يعبر عنها.

جنباً إلى جنب مع الجيش التركي، أنقذ أتاتورك البلاد من الانقسام. وأسس أتاتورك دولة جديدة. لن يكون من السهل أن نوضح له سبب ذبح طلاب المدارس العسكرية على جسر البوسفور أثناء محاولة انقلاب. يعرف الجندي الذي قضى حياته على الخطوط الأمامية أنه من المستحيل تقريباً على الطلاب الذين يدرسون في مدرسة عسكرية أن يكونوا ضمن الانقلابيين. لن يفهم بشكل خاص لماذا يحمي القانون الآن أولئك الذين ذبحوا هؤلاء الطلاب الصغار أو لماذا يوجد الآن الكثير من طلاب المدارس العسكرية في السجن ... لكن بالطبع، إذا بدأ أتاتورك بطرح تساؤلات بشأن هذا الموضوع، فلن يتردد ممثلو الادعاء الجدد لدينا في إعداد لائحة اتهام تتهمه بدعم الانقلاب.

إذا قمت بالسير مع أتاتورك على امتداد مضيق البوسفور، فسيكون من الصعب للغاية شرح أمر مدرسة كوليلي الثانوية العسكرية، التي قد تكون بيعت للعرب أم لا، والمدارس العسكرية التي تم إغلاقها بسبب عدم وجود حاجة إليها (!) ومصانع أجزاء الدبابات التي تم بيعها وتصاريح فتح مناجم جديدة التي تم منحها على الرغم من الدمار البيئي الذي تسببه أو المباني التي شيدت في الغابات المحترقة. إذا قال مؤسس الأمة، لا سمح الله، إن الأشخاص الذين يديرون البلاد ويتخذون هذه القرارات ليس لديهم أدنى فكرة عما يفعلونه، فإن ممثلي الادعاء سيوجهون إليه تهمة إهانة الرئيس أو محاولة تدمير الدولة.

ولن يكون من السهل أيضاً شرح كيف نجت المؤسسات الدينية الصغيرة التي أُغلقت قبل سنوات وبسطت سيطرتها على الدولة والجيش. ومع ذلك، إذا قال أتاتورك أي شيء عن جماعة دينية تلو الأخرى تتولى مناصب قوية في الدولة، أو إذا فكر في إغلاق كل هذه المنظمات، فسوف يواجه القضاة واحتمال الاعتقال.

كان أتاتورك هو الذي جاء بمصطلحات الهندسة إلى اللغة التركية، لكن ماذا لو رأى الوضع الحالي للنظام التعليمي، حيث تم تحويل جزء كبير من المدارس إلى مدارس دينية، أو رأى أن خريجي المدارس الدينية الآن في أعلى قيادات الدولة؟ سيتعين إبلاغ أتاتورك، الذي شدد على الحاجة إلى فصل الدين عن الدولة، أنه لا يوجد لاهوتيون وخريجو مدارس دينية في أعلى مستويات أجهزة الدولة، بل أيضاً أن هؤلاء الأشخاص المتدينين على أعلى المستويات مشوشون بشأن قضايا مثل الزواج من الفتيات الصغيرات وأخذ الهدايا للقيام بعملهم.

لن يغضب أتاتورك عندما يعلم أن اسمه لم يرد ذكره في خطاب ذكرى تشاناكالي لوزارة الشؤون الدينية وخطاب الثلاثين من أغسطس (عيد النصر)، أو أنه قد تم حذف اسمه من العديد من المؤسسات العامة مثل جمعية اللغة التركية. لم ينقذ أتاتورك البلاد لتصبح مشهورة. ومع ذلك، سيكون غاضباً من أن مزرعة غابات أتاتورك، التي تبرع بها من أجل مصلحة الأمة، قد فُتحت للبناء على الرغم من جميع أشكال الحماية التي وضعها. وعلى الرغم من أنه تبرع بهذه الأرض بنفسه، فلا يوجد أحد يمنع بيعها. يبدو البناء في هذه الأيام هو الطريق إلى إنقاذ الأمة. لكن إذا احتج أتاتورك على كل هذا، فقد يجد شرطة مكافحة الشغب في انتظاره، إلى جانب ممثل الادعاء والقضاة.

إذا عاد أتاتورك، فسيتعين على شخص ما أن يشرح الموقف الذي يعيشه الأطفال في هذا البلد. لكن كيف يمكن تفسير سبب إجبار فتيات صغيرات كثيرات على الزواج دون وجود قوانين لحمايتهن أو سبب نشأة مئات الأطفال مع أمهاتهم في السجون أو لماذا تنتظر جثث الأطفال الموتى أياماً في الثلاجة بسبب حظر التجول على مدار الأربع والعشرين ساعة أو لماذا مات طفل في الشارع بعد إصابته في رأسه بعبوة غاز مسيل للدموع أطلقتها الشرطة أو كيف أطلق رجال عصابات النار على طفل كان يساعد قوات الدرك؟ والأسوأ من ذلك، عندما يجتمع كل هؤلاء الأطفال في الجنة، هل هناك طريقة لتوضيح أن قطاعاً من المجتمع يعتبر بعضهم من الأبطال بينما يعتبر البعض الآخر خونة لدرجة أن أمهاتهم يتعرضن لصيحات الاستهجان في التجمعات السياسية؟

بالطبع، إذا تساءل أتاتورك عن سبب عدم وجود صحفيين يكتبون عن كل هذا، فعليك أن تخبره أن عدداً كبيراً من الصحفيين عاطلون عن العمل أو في يقبعون في السجون. يجب عليك أيضاً تحذيره: "قد تكون جدنا، لكن اليوم، إذا كنت ستكتب عن شيء لا نحبه، فاختر كلماتك بعناية. فليس القتلة واللصوص هم الذين يقبعون خلف القضبان في السجون بل أولئك الذين لديهم وسيلة تعبير بالكلمات".

وإذا سأل، "كيف تكون أحوال المرأة في هذا البلد؟ ما الذي تفعله النساء في تركيا الحديثة؟ فعليك أن تشعر بالعار وأن تبلغه بأن النساء يتعرضن للقتل وأنه لا توجد حماية للنساء اللائي تتعرضن للتهديد وأن هناك قطاعاً في المجتمع يعتقد أنه من الطبيعي أن تتعرض النساء للأذى أثناء السير في الشوارع بعد حلول الظلام بسبب ارتداء السراويل القصيرة أو الشرب.

إذا عاد أتاتورك ورأى كل هذا، فقد يسأل عن مكان الشباب، أولئك الذين استدعاهم قائلاً "هيا يا شباب تركيا!". هذا ما يمكنك قوله له: "لقد وجد هؤلاء الشباب طريقهم أو شقوا طريقهم إلى بلدان أخرى. أولئك الذين يحاولون إنقاذ البلاد فقدوا وظائفهم أو تم الزج بهم في السجون. قد تقول إن هذه ليست طريقة إدارة الأمور، ولكن لمجرد أن تقول هذا فحسب، قد توجه إليك اتهامات بأن لديك صلات بمنظمة إرهابية ويمكن الحكم عليك. فلتضع هذا في الحسبان".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-democracy/if-ataturk-returned-he-would-be-arrested
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.