على إدارة الهلال الأحمر التركي الاستقالة فورًا بعد الفضيحة

 

ما الذي يتبادر إلى أذهانكم عند الحديث عن مؤسسة الهلال الأحمر؟    
إنها مؤسسة تسعى للمساعدة في أوقات الكوارث... تقبل التبرعات بالدم للمحتاجين... إنها مؤسسة "خيرية"... إنها مؤسسة ضرورية... إنها مؤسسة يجب أن يدعمها الجميع، ويعمل على تقويتها من خلال التبرع بالأموال... إنها مؤسسة "فوق السياسة"... وما إلى ذلك.    
بمعنى أن هناك خواطر وملاحظات إيجابية في أذهاننا عن الهلال الأحمر وقد نشأنا وتربينا جميعا على ذلك منذ أيام الدراسة الابتدائية.
وبما أننا نتحدث عن مؤسسة تعمل "لصالح" الجميع بالتبرعات التي تجمعها، فإنه ينبغي على الهلال الأحمر، في أي بلد كان، أن يكون مؤسسة مفتوحة وشفافة ونزيهة وقانونية بصورة لا يمكن مقارنتها بأي مؤسسة أخرى. وذلك لسبب بسيط وهو أنها إذا كانت مؤسسة لا تحظى بثقة المجتمع، فإن مقدار التبرعات التي تحصل عليها سيكون منخفضًا. ضرر ذلك سيلحق بنا جميعًا في النهاية بلا شك.
الموقع الرسمي للهلال الأحمر التركي  (www.kizilay.org.tr)يلخص مهمته جيدًا حيث يقول: "كمؤسسة طليعية يسعى الهلال الأحمر لتقديم المساعدة للمحتاجين والضعفاء، وتعزيز التضامن في المجتمع، وضمان إمدادات الدم بشكل آمن وتقليل حالات التعرض للخطر في أوقات الكوارث أو الفترات الاعتيادية".
في حين أن "رؤيتها" كما يرد في الموقع:    "يحاول الهلال الأحمر أن يكون مثالاً للخدمة الإنسانية يحتذى به في تركيا وكافة أرجاء العالم، كما يسعى إلى الوقوف إلى جانب الناس في أصعب أوقاتهم."
وعندما وقع زلزال في مدينة ألازيغ، تحولت العيون بشكل طبيعي إلى الهلال الأحمر وإدارة الكوارث والآفات. وإذا بنا نرى تغريدات ورسائل نصية قصيرة صادمة للناس وكأنهم استحموا بالماء البارد، إذ دعت تلك الرسائل إلى التبرع للهلال الأحمر، ثم أعقبتها تغريدات متتالية مؤيدة من حسابات موالية للحكومة تشير إلى تبرعهم بعشر ليرات تركية.
بالطبع، لا غرو ولا عجب في تبرع الناس للهلال الأحمر، لكن تصوروا أن مدينة ضربها زلزال شديد، ويتحدث الناس عن وجود وفيات، وتستمر الهزات الارتدادية، وأصيب الناس بالدهشة والقلق... فهل هذه هي اللحظة المناسبة لدعوة الناس إلى التبرع للهلال الأحمر أم عليه أخذ زمام المبادرة والإقدام على فعل اللازم؟
لا ريب أن ما يجب فعله في مثل هذه الأوقات هو تقديم معلومات للناس عن الخطوات التي تتخذونها والمهام التي تنجزونها في سبيل مساعدة المنكوبين. لذا وجدنا أن رئيس الهلال الأحمر كرم قنيق اضطر إلى حذف تلك المشاركات عقب ردود الفعل الموجهة له.
وفي الساعات اللاحقة انتشرت أخبار تقول بأن الهلال الأحمر قدم تبرعًا لوقف "أنصار" الموالي للحكومة بنحو 8 ملايين دولار! كان الخبر مثيرًا للغاية؛ كيف لا؟ فقد أعطت مؤسسة تجمع تبرعات أصلاً منحًا لمؤسسة أخرى! كانت غير عادية. لذا فإن الخبر غير صحيح بأغلب الاحتمال!    
لكن ظهرت صحة الخبر بعد ذلك، فرئيس الهلال الأحمر كرم قنيق نفسه أكد صحته وساق ذريعة تدل على غياب العقل والمنطق، فقد قال: "التهرب الضريبي شيء وتجنب دفع ضريبة شيء آخر!" ربما سيكون هذا التصريح سندًا مهمًّا للشركات الراغبة في التهرب من الضرائب قائلة: أيها القاضي، نحن لا نتهرب من الضرائب، وإنما نتجنب دفع الضرائب. وهذان أمران مختلفان!
ومع أن الاقتصاد ليس مجال تخصصي، لكن حتى أنا فهمت أن ما قام به رئيس الهلال الأحمر لا يمكن وصفه بأنه أمر "طبيعي" و"عادي" جدًا وليس فيه أي بأس.
فضلاً عن ذلك فإن المتبرع بثمانية ملايين دولار للهلال الأحمر هو شركة باشكنت (العاصمة) للغاز التي تعمل ضمن مجموعة "طورونلار" القابضة.    والواقع أن التصريح الذي أدلى به محمد طورون، أحد رؤساء الشركة، كان مثيراً أيضًا بقدر تصريح كرم قنيق على الأقل: "طالما أنه كان خطأ، فكان يجب على الهلال الأحمر أن لا يقبل التبرع..."
من المعلوم أن مجموعة شركات طورونلار القابضة يرأسها عزيز طورون، وهو أحد مؤسسي وقف "أنصار"، ومن زملاء أردوغان من أيام دراستهما في مدرسة الأئمة والخطباء، وهي الآن تعمل في مجال الطاقة والعقارات والغذاء. ومن الواضح أنه تجمع بين هذه الشركة ووقف أنصار رابطة قلبية "عميقة".
حسنًا فأين تم إنفاق هذا التبرع يا ترى؟ لقد أنفق هذا المبلغ في سبيل إنشاء ناطحة سحاب مخصصة لتكون سكنًا طلابيًّا تابعًا لمؤسسة خدمة الشباب والتعليم التركية (تورجيف) (TÜRGEV) في أغلى مكان بمدينة نيويورك. فلماذا يقوم الهلال الأحمر بالتوسط في مثل هذا التهرب الضريبي أو تجنب دفع الضرائب، على حدّ تعبيره؟     ألا يحق للجمهور أن يتساءل سبب ذلك؟ ألا يجب على الصحفيين أن يتساءلوا؟
لكن إذا دخلتم إلى موقع الهلال الأحمر، يواجهكم شرح طويل ينتهي على النحو التالي: "إن الهلال الأحمر هو القاسم المشترك لمجتمعنا. ولا يميز الهلال الأحمر بين المانحين أو المحتاجين على أساس اللغة، والدين، والعرق، والفكر. ولا يمكننا أن نشكك في نوايا أي جهة مانحة باستثناء الأشخاص والجماعات التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية (كدعم الإرهابيين، والاتجار بالمخدرات، وما إلى ذلك). كما لا يحق للهلال الأحمر أن يرفض مساعدة المانحين ما عدا هذه الجماعات. والهجمات المتعمدة التي تستهدف مثل هذه العلامة التجارية القيمة لبلادنا من أعظم الشرور التي يمكن أن ترتكب ضد الهلال الأحمر، أي الأمة التركية. إن مهمتنا الكبرى كرئيس الهلال الأحمر السيد كرم قنيق وأعضاء مجلس إدارتنا تتمثل في نقل الهلال الأحمر إلى المستقبل باعتبار أنه قيمة وطنية لها من العمر 152 عاما وموروثة من الإمبراطورية العثمانية والغازي مصطفى كمال أتاتورك. وينبغي أن لا ننسى أن الأصل هنا الهلال الأحمر ليس الأشخاص.".
هذه التصريحات ليست إلا كلامًا تافهًا وعبارة عن مغالطات بدون شك! فضلاً عن أن الهلال الأحمر قام بوصم الانتقادات وردود الفعل التي تعرض له بـ"الهجوم" عليه! وكأننا نحاسبه على قبوله مثل هذا التبرع، بل السؤال الذي يلح نفسه هو: لماذا جعلتم من الهلال الأحمر أداة لخطوة من الواضح أنها تهرب من الضرائب؟
لنستمع إلى ردّ رئيس الهلال الأحمر كرم قنيق من خلال تغريدة نشرها في 2 فبراير الجاري: "لقد شهدنا في الأيام الأخيرة هجمات جائرة وغير مبررة تستهدف الهلال الأحمر والجهات المانحة له. ولأننا كنا مركزين على زلزال مدينة ألازيغ فلم نتمكن من متابعة وسائل الإعلام كما ينبغي. لكننا سنشارك مع الجمهور مرة أخرى جميع عمليات التبرع التي تمت في عهدنا في أقرب وقت ممكن".
بالطبع سوف تزود الرأي العام بالمعلومات! هذا ليس لطفًا منك، بل هو واجب عليك بواقع منصبك. ولكن التوسط في التهرب الضريبي لا يقع ضمن مهامك. إن الذين يلقون ظلاًّ على الهلال الأحمر ويثيرون شبهات حوله ويهزّون مكانته ليسوا أولئك الذين يتساءلون عن مصير التبرعات، بل أولئك الذين يحاولون التستر على هذه الفضيحة من خلال الزعم بأن الهلال الأحمر يتعرض للهجوم اقتداء بـ"الموضة" التي يتبعها السياسيون في تركيا.
إن المنصب الذي تشغله ليس ملكًا خاصًّا لك أيها السيد كرم قنيق. فإذا كنت تهتم حقًا بسمعة ومكانة الهلال الأحمر يجب عليك أن تستقيل فورًا وتخضع للمحاكمة أمام القانون.
 

- يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/kizilay/sayin-kinik-kalkin-o-koltuktan
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.