على المعارضة التركية أن تسعى جاهدةً لعدم تكرار أخطاء الماضي

حقق حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض نجاحات مذهلة في انتخابات تركيا المحلية هذا العام. لكن في ظل تورط بعض بلدياته في فضائح بالفعل، تخشى قيادات الحزب من تكرار تبدد حلم كبير بالوصول الى السلطة كما حدث في الماضي.

في عام 1989، كان حزب الشعب الجمهوري ما زال مُغلقاً بعد الانقلاب العسكري الذي حدث قبل ذلك بتسع سنوات، وكان الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي يحتل مكانته، وكان منافساً لحزب الوطن الأم في الانتخابات المحلية، التي كانت مشابهة بشكل واضح للانتخابات التي أُجريت هذا العام.

فقد أطلق حزب الوطن الأم حملةَ دعاية واسعة وقتها، حيث نشر صوراً لرجل جالس وهو مكتوف اليدين، في تحذير واضح للناخبين من أن مرشحي المعارضة سيواجهون قيوداً شديدةً إذا ما انتُخبوا.

وأبدى الرئيس رجب طيب أردوغان تلك المشاعر بحذافيرها بعد ذلك بنحو 30 عاماً، حيث حذّر الناخبين من أن مرشحي المعارضة في انتخابات العُمودية، الذين فازوا في الانتخابات المحلية هذا العام، سينتهي بهم الأمر إلى أن يصبحوا مجموعة من البط الأعرج.

لكن تهديدات أردوغان لم تُحرّك ساكناً لدى الناخبين هذا العام، حيث صوّتوا لصالح عُمد المعارضة في خمس من المدن الست الأكبر في البلاد. وكان ذلك هو الحال أيضاً مع حملة حزب الوطن الأم، التي لم تُجد نفعاً، وارتفع نصيب الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي من الأصوات فيها.

بيد أن المكاسب التي تحققت في عام 1989، قادت في نهاية المطاف إلى خيبة أمل كبيرة، لدرجة أن زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو حذّر حزبه مراراً لكي يتصرف برويّة "ليتجنّب الصدمة التي حدثت في عام 1989".

كان كليجدار أوغلو يُشير إلى سلسلة من الأخطاء والفشل، جعلت الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي يخسر موقعَ قيادة في عام 1989، لتضيع منه كل بلدية تقريباً من البلديات التي كانت بيده في عام 1994. كان ذلك هو العام الذي صعد فيه نجم أردوغان، حيث أصبح عمدة إسطنبول مع حزب الرفاه، سلَف حزب العدالة والتنمية الإسلامي، والذي سيطر أيضاً على العاصمة.

كانت الانتصارات في تلك الانتخابات المحلية هي أيضاً النقطة التي انطلق منها حزب العدالة والتنمية، ووصل إلى السلطة في عام 2002، وظل قابضاً عليها دون انقطاع على مدى 17 عاماً منذ ذلك الحين.

أحد العوامل الرئيسة التي تسببت في صدمة الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي، كان الفضيحة الكبيرة التي تفجّرت باكتشاف فساد ورشوة في إدارة المياه والصرف الصحي في إسطنبول.

فقد تبيّن وقتها أن آرغون غوكنيل، المدير العام لإدارة المياه والصرف الصحي في إسطنبول آنذاك، كان متورّطاً في منظومة فساد ورشوة، كانت تستخدم شركات كواجهة لإخفاء الأموال. وقد ألقت تلك الفضيحة بظلالها على الكثير من عُمد الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي، بما في ذلك عمدة أنقرة الناجح وقتها، مراد كارايالجين.

وكان لنجاحات عام 1989 الفضل في احتلال الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي المرتبة الثانية بين الأحزاب، ودخوله في شراكة في حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم بزعامة سليمان دميرل في الانتخابات العامة التي أُجريت في نوفمبر 1991.

لكن لم يمض وقتٌ طويلٌ حتى بدأ الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي بزعامة آردال إينونو سقطاته بعد الانتخابات. وكانت غولر ايليري، أول من أُطيح بها من وزراء الحزب الشعبوي الديمقراطي الاجتماعي، وكانت مسؤولة عن حقيبة المرأة والأسرة في الحكومة.

أُجبرت ايليري على الاستقالة في فبراير من عام 1992، بعدما تَبين أنها طلبت الحصول على أموال لسد نفقات أسرتها وجنازة والدها في حساب نفقاتها الخاصة.

ومن الواضح بالفعل أن مخاوف كليجدار أوغلو ليست نابعة من فراغ. فبعد أربعة أشهر من الانتخابات، نُشر عدد من التقارير الإخبارية التي أشارت إلى وجود محسوبيات في البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري.

وتتعلق التقارير بقرارات تعيين في مناصب في البلديات، أو في الشركات التابعة لها، ذهبت كلها – بحزم أجور ورواتب ضخمة – لأصدقاء وأسر سياسيين منتمين لحزب الشعب الجمهوري.

وتركز عددٌ كبير من هذه التقارير حول مدينة إزمير، معقل حزب الشعب الجمهوري، حيث كان النفوذ الكبير لتونجاي أوزكان – نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري – وراء مجموعة كبيرة من تلك التعيينات التي شملتها الفضيحة.

وتصدّرت الصفحات الأولى في الصحف الموالية للحكومة عناوين أخبار تتحدث عن أن عُمداً من حزب الشعب الجمهوري في كارابورون وتوربالي ومندريس بمدينة إزمير منحوا مناصب ووظائف مرتفعة الأجر، وغير ذلك من موارد الدخل، لأشخاص مقرّبين منهم.

سارع كليجدار أوغلو بعد الانتخابات مباشرة إلى إعداد قائمة من سبعة بنود تضم المبادئ الأخلاقية التي ينبغي الالتزام بها في كل مكتب من مكاتب العُمد. ونظراً لأن اتهامات الفساد ظهرت حتى قبل أن يجف الحبر الذي خطّ تلك المبادئ، فإن حزب العدالة والتنمية تمكّن بذلك من سلاحٍ رئيسٍ استطاع أن يشهره في وجه المعارضة.

وبغض النظر عن مدى تدخل زعيم حزب الشعب الجمهوري شخصياً في الفضيحة، ليطالب مسؤولين بتقديم استقالاتهم، أو إلغاء صفقات مشبوهة، فإن حملة الإعلام الموالي للحكومة ضد حزب المعارضة الرئيس وجّهت بالفعل ضربة لحزب الشعب الجمهوري منحتها أول المكاسب في هذه المعركة.

سارع حزب الشعب الجمهوري لتقليل الخسائر، حيث أمر سيت تورون – نائب رئيس الحزب المعني بقيادة الإدارات المحلية – بفصل كل شخص أثار تعيينه شبهة محسوبية على الفور. في الوقت ذاته، قدّم أوزغور أوزال – نائب حزب الشعب الجمهوري – مشروع قانون لمكافحة المحسوبية في الإدارات المحلية للبرلمان.

وغرق حزب العدالة والتنمية نفسَه في كل أشكال المحسوبية والمحاباة على مدى عقود في السلطة، حقق خلالها مؤيدوه ثراء لم يحلموا به في يوم من الأيام، من خلال الاستفادة من المشروعات العامة.

لكن بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري، الذي ظل لسنوات ينتقد تلك الممارسات، فإن الوقوع في شباك هذه الممارسات مباشرة بعد أن ذاق طعم النجاح في صناديق الاقتراع، هو مشكلة ليست بالهيّنة.

ويتعين على الحزب الآن أن يُحكم سيطرته على عُمده من جهة، وأن يُبقى الآمال التي خلقها انتخابه حية في القلوب والعقول من جهة أخرى، بينما يواجه أيضاً اضطرابات محتملة خلال مؤتمر الحزب المُقبل، الذي قد يشهد منافسة على الزعامة.

وأصرّ كليجدار أوغلو على عقد المؤتمر في الموعد المقرر، على الرغم من أن نوابه اقترحوا تأجيله لمدة عام في ضوء احتمال إجراء انتخابات مبكرة.

ويعوّل كليجدار أوغلو في الوقت الحالي كثيراً على النجاحات التي حققها الحزب في الانتخابات المحلية. والأصوات المعارضة لقيادته للحزب محدودة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المؤتمر سيمر دون أن يواجه منافساً.

فأوغوز كان ساليجي، نائب رئيس الحزب المسؤول عن المنظمات، وجنان كفتانجي أوغلو، رئيسة فرع حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول، يقودان حركة تهدف إلى جذب الحزب إلى اليسار وتشكيل تحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد.

وتلتف مجموعة أخرى – قد تعارض كليجدار أوغلو – حول محرم إينجه، مرشح حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية التي أجريت العام الماضي، والذي نافس كليجدار أوغلو بالفعل على زعامة الحزب مرتين من قبل.

وتمكن إينجه من تحقيق الكثير من الزخم في حملته عام 2018، لكن مساعيه شابتها مجموعة من الأخطاء التكتيكية في يوم الانتخابات، كان من بينها استخدام تطبيق لتتبع الأصوات لم يعمل. وقد أدى اختفائه الطويل في تلك الليلة، قبل إرساله إعلان هزيمته إلى صحفي عبر رسالة نصية إلى مفاقمة الأضرار التي لحقت بمكانته.

وتشكّل فصيل رابع، قد يواجه كليجدار أوغلو، حول سيلين سايك بوكي وإلهان جيهانر، وهما من الشخصيات القوية في داخل الحزب وينتميان إلى جناح اليسار الديمقراطي الاجتماعي.

وتتجه تلك المجموعات الأربع إلى صراع على السلطة، حيث يسعى كل منهم لمنافسة الآخر على المزيد من الأصوات في المؤتمر العام وكسب الهيمنة على هيئة الحزب التي تحدد سياساته. ومع اقتراب المؤتمر العام للحزب، قد تشكل الفصائل تحالفات لتقدم قوائم مشتركة من المرشحين للهيئة الحزبية.

وقد يقف ساليجي وإينجه وبوكي وتونجاي أوزكان جميعاً في مواجهة كليجدار أوغلو في المؤتمر العام للحزب. بيد أنه إذا كانت هناك منافسة على زعامة الحزب هذه المرة، فسيكون هناك أيضاً اتفاق بين عدد من الفصائل لطرح مرشح مشترك في مواجهة رئيس الحزب الحالي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/republican-peoples-party/turkeys-opposition-must-strive-not-repeat-history-after-nepotism-scandal
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.