على الناتو أن يرد عندما تُشغّل تركيا إس-400

ماذا سيحدث عندما تُفعّل تركيا عمل نظام صواريخ الدفاع الجوي الروسية الصُنع من طراز إس-400، والتي يرى حلف شمال الأطلسي والمسؤولون في الولايات المتحدة أنها تشكّل تهديداً؟ وهل من الممكن أن تزيد هذه الخطوة تعقيدات العلاقة بين تركيا والغرب؟ يشغل هذا السؤال عقول المحللين والمسؤولين الغربيين منذ أن تسلّمت تركيا أولى شحناتها من هذا النظام في يوليو الماضي، ويزداد إلحاحاً مع اقتراب ذلك اليوم الذي ستُفعّل فيه تركيا عمل هذه الصواريخ.

بعد يومين من احتفال تركيا بالذكرى 68 لعضويتها في حلف شمال الأطلسي، تعهّد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار الأسبوع الماضي بتشغيل منظومة الصواريخ إس-400 خلال الأشهر القليلة المقبلة، حالما يكتمل نصب هذه المنظومة والتدريب عليها.

واتفقت تركيا وروسيا على صفقة الصواريخ إس-400 في سبتمبر 2017، على الرغم من احتجاجات حلفائها في الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، والذين يرون أن المنظومة الروسية لا تتناسب مع المعطيات الأمنية لحلف شمال الأطلسي، وتشكّل تهديداً على دفاعات الطائرات الأميركية المقاتلة من طراز إف-35. وردّت الولايات المتحدة على هذا الإجراء بعرض أنظمة صواريخ باتريوت التي تنتجها، لكن تركيا رفضت العرض.

وقال مارك بيريني، الأستاذ الزائر في كارنيغي أوروبا وسفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى تركيا، في تدوينة صوتية لموقع أحوال تركيّة "إنهم يدّعون أن هناك نقلاً للتكنولوجيا مع الصواريخ إس-400. نعرف جيداً أن هذا غير صحيح".

وعندما بدأت تركيا تتسلّم مكونات إس-400 في يوليو، علّق البنتاغون مشاركة أنقرة في عملية إنتاج إف-35 وأوقف بيع 100 طائرة من طراز إف-35 لتركيا. وفي إطار قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات (كاتسا)، يجب أن تُفرض على تركيا أيضاً عقوبات اقتصادية بسبب هذه الصفقة؛ لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أحجم عن التوقيع على الإجراءات. وتعهّد مسؤولون أميركيون بفرض عقوبات في إطار كاتسا إن لم يفعل ترامب ذلك.

ولدى تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي من حيث الحجم بعد الولايات المتحدة، وتتركز فيها دفاعات الحلف من البحر الأسود إلى شرقي المتوسط. وقال محللون إن نشر صواريخ إس-400 سيقوّض قوة هذه الجبهة ووحدتها. وذهب بعض المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين إلى أبعد من ذلك بكثير، وإلى حد بلغ التشكيك في عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي. في المقابل، أبدت وسائل الإعلام الموالية للحكومة التركية ازدراءً للحلف.

وقال مسؤولون أتراك مراراً إن تركيا تسعى للتعبير عن استقلال سياستها الخارجية من خلال قبولها العرض الروسي. ووجود الأنظمة الروسية الآن على أراضي بلد عضو في حلف شمال الأطلسي يُعرّض الطائرات من طراز إف-35 إلى الحيَل. وقال بيريني إن شراء تركيا نظام إس-400 التركي أثّر سلباً على ثقة حلف شمال الأطلسي وستنتج عنه تغييرات جوهرية في الهيكل العسكري للحلف.

أضاف بيريني "نحن الآن أمام نظام الرادار واعتراض الصواريخ الأكثر تطوراً، والذي تديره روسيا في قلب القوة الجوية التركية وحلف شمال الأطلسي... بشكل أساسي، فإن أسطول القوات المسلّحة التركية بالكامل، من جيش إلى بحرية – لكن بشكل أكبر القوات الجوية التركية – بات الآن تحت عين نظام الرادار الأكثر تقدماً في روسيا، والذي يُشغّله الروس".

ووصف هذا الوضع بأنه يشكّل نجاحاً كبيراً لروسيا، التي بات لديها الآن فنيون يقيسون قدرة رادارات إس-400 على رصد الطائرات الأميركية الصنع من طراز إف-16 وغيرها من الطائرات المقاتلة. يمثّل هذا الوضع مشكلة كبرى، ليس فقط للولايات المتحدة، ولكن أيضاً لحلف شمال الأطلسي، الذي قال بيريني إنه بات أمام عدد من الأسئلة المُلحّة.

فهل سيستمر حلف شمال الأطلسي في نشر طائرات الاستطلاع المزودة بنظام الإنذار والسيطرة المحمول جوا (أواكس)، والتي تنتجها شركة بوينغ، فوق تركيا؟ هل يتعين على حلف شمال الأطلسي أن يُبقي أنظمة الرادار والإنذار المبكر المتقدمة في قاعدة كوريجيك جنوب شرقي تركيا، والتي تمثّل نقطة مهمة للدفاعات الصاروخية الأوروبية التابعة لحلف شمال الأطلسي؟

وتساءل بيريني "هل لدينا الثقة الكاملة في العناصر التركية في عمليات حلف شمال الأطلسي ذات الحساسية فوق البحر الأسود، أو في مكان آخر؟" مضيفاً أن هذه التساؤلات ما زالت بدون إجابة. وقال إن "مسؤولي حلف شمال الأطلسي لن يتحدثوا علناً في هذا الأمر. هناك عملية مشددة للغاية لإعادة النظر في كل هذه الأمور للوقوف على الوسائل المناسبة لإدارتها".

ويُستبعد بالفعل مسؤولون أتراك من لجان واجتماعات عسكرية مهمة لحلف شمال الأطلسي بسبب زيادة المخاوف بشأن أمن المعلومات. في الوقت ذاته، بدأت تركيا التواصل مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي مع تدهور العلاقات مع روسيا نتيجة للتوترات في مدينة إدلب السورية.

وجدد أكار الأسبوع الماضي مطالبة تركيا بدعم الولايات المتحدة للمواقع العسكرية في إدلب من خلال نشر بطاريات صواريخ باتريوت على حدودها. وقال وزير الدفاع "ما زلنا بحاجة إلى أنظمة دفاع جوي إضافية. مفاوضاتنا بشأن باتريوت مستمرة".

ويرى بيريني أن شراء تركيا نظام إس-400 جزء من نهج أكثر استقلالاً في السياسة الخارجية التركية مع تحولها نحو حكم الرجل الواحد. جعل هذا تركيا أكثر تعنّتاً في التعامل مع أوروبا والغرب، حيث لم تعد على سبيل المثال تجد غضاضة في إرسال سفن للتنقيب عن الغاز الطبيعي في المياه التي تقول قبرص إنها جزء من مياهها الإقليمية، وتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع حكومة طرابلس الليبية، الذي قوبل بانتقادات كثيرة.

"هذا الجزء من الاستراتيجية أصفه بأنه إرباك دائم، حيث نرى القيادة التركية – ولأغراض داخلية بالضرورة – تملأ الدنيا صراخاً وعويلاً وتبتكر تحركات جديدة بشكل مستمر". أضاف بيريني أن مسألة انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي لم تعد تُناقَش حتى كاحتمال. وقال إن "السؤال المطروح هو إلى أي مدى يمكن للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي القبول، والبقاء دون تحرك أمام هذا الإرباك".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-nato/nato-must-decide-how-respond-when-turkey-turns-its-s-400s
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.