على باباجان ووعده بتحقيق الحرية والعدالة في غضون عشر سنوات

تمكن علي باباجان، الذي كان أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام 2001، وانفصل عنه مؤخرًا ، عقب تصاعد الخلافات مع زعيم الحزب رجب طيب أردوغان، تمكن من تدشين حزبه السياسي الجديد "الديمقراطية والتقدم"، وبذلك يصل عدد الأحزاب السياسية في تركيا إلى 84 حزبًا. وسيُمَثل الحزب الجديد في البرلمان، حسب ما هو مُعلن،  النائب عن إسطنبول المستقيل من حزب العدالة والتنمية، ينار داغ، ليصبح بذلك أحد الأحزاب الأحد عشر المُمَثلة في البرلمان.

تزعم عبد الله غول حزب العدالة والتنمية، في بادئ الأمر، بعد انتخابات عام 2002، بسبب وجود حظر على مشاركة أردوغان في الحياة السياسية في ذلك الوقت، وتقلد على باباجان حينها وظيفة وزير المالية في أول حكومة يشكلها الحزب. وبعد ذلك، أصبح مستشارٍاً لرئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد في الحكومات التالية لها. وبانتخاب عبد الله غول رئيساً للجمهورية عام 2007، وفراغ منصب وزير الخارجية، أُسنِد إلى باباجان مسؤولية وزارة الخارجية لفترة قصيرة حتى عُيِّن أحمد داود أوغلو وزيراً للخارجية خلفاً له، وبعدها عاد باباجان ليتولى شؤون الملف الاقتصادي من جديد، وظل في موقعه هذا حتى عام 2015.

يعلم الكثيرون منا أن عبد الله غول كان أحد الذين دعموا باباجان في قراراه بالانفصال، عقلاً وروحاً، عن حزب العدالة والتنمية، والسعي لتأسيس حزب سياسي جديد، ولكن ما حدث أنه عندما بدأت الخطوات الرسمية الفعلية باتجاه تأسيس الحزب، وتشكيل اللجنة التأسيسية له، حدث، وفق ما تسرب من خلف الكواليس، ما يمكن أن نطلق عليه انقطاع بين الطرفين، وجاءت تصريحات الرجلين بعد ذلك؛ لتؤكد صحة ما تردد عن حقيقة حدوث هذا الانفصال.

كان عبد الله غول وطيب أردوغان وعبد اللطيف شَنَر هم أعضاء الفريق، الذي تزعم الانفصال عن صاحب نظرية "الرؤية الوطنية" ومؤسسها نجم الدين أربكان، والدعوة لتأسيس حزب العدالة والتنمية، الذي أعلنوا عن برنامجه السياسي، بعد اجتماع عُقِد في 11 أغسطس عام 2001 في قاعة سقاريا بفندق بيلكَنت في أنقرة، وكان علي باباجان من بين مؤسسي حزب العدالة والتنمية، الذين شاركوا في هذا الاجتماع حينها. وتمر السنوات، ويأتي باباجان، ويعلن عن تأسيس حزبه الجديد (الديمقراطية والتقدم)، ويفصح عن برنامجه السياسي في 11 مارس 2020 من نفس القاعة، ومن نفس الفندق.

دخل باباجان إلى القاعة، ممسكاً بيد زوجته زينت باباجان، وتوجه إلى المنصة ليلقي كلمة، استمرت قرابة الساعتين، تجنب خلالها توجيه انتقادات مباشرة إلى أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وإن لم يخل الأمر من توجيه انتقادات ضمنية، من خلال توجيه رسائل إلى حزبه القديم.

استهل باباجان كلمته بقوله "تنادي أرضنا وأشجارنا ومياهنا بأعلى صوتها قائلةً كفى.. كفى!.. لقد سئمنا. لقد أدمتنا الجراح. لن نسمح للأحزان أن تستمر بعد الآن. حان الوقت كي تنعم تركيا  بالديمقراطية. حان وقت التقدم. إذا كنتم تبحثون عمن يشارككم أحزانكم وهمومكم، فنحن هنا. نحن حزب "الديمقراطية والتقدم". واستطرد في حديثه قائلًا:

"لن نجعل من ديننا ومقدساتنا أداةً سياسيةً. لن نسمح لاستخدام الدين وسيلةً للدعاية السياسية"، وهو ما استقبله الحاضرون بعاصفة من التصفيق.

حرص زعيم حزب "الديمقراطية والتقدم" على إلقاء كلمته، ومن خلفه صورة ضخمة لعلم تركيا، وإلى جوارها صورة ضخمة أيضاً لمؤسس الجمهورية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، وشدَّد، في حديثه، على أن أصل المشكلات، التي تعاني منها تركيا، في الوقت الحاضر، إنما ترجع إلى ابتعاد الدولة عن القانون وتطبيق العدالة بمعناها الحقيقي، لافتاً النظر إلى أن تركيا فقدت، خلال السنوات الأخيرة، الأمان والاستقرار تماماً، أو على حد قوله "تركيا دولة كبيرة، ولا يمكن اختزالها في عقل واحد، أو جماعة واحدة".

وفيما يخص الميزانية، عبَّر باباجان كذلك عن بالغ حزنه من رؤيته تبديد أموال الضرائب، التي تحصِّلها الحكومة الحالية من أبناء الشعب التركي عن الماء، الذي يشربونه، والمصابيح التي يضيئونها، وحتى الهواء الذي يستنشقونه، وشدَّد على ضرورة أن تُستغل أموال الضرائب لتلبية احتياجات الشعب؛ ومن ثم يجب وضع حد للإسراف، وتبديد هذه الأموال دون طائل، وأضاف أنهم سيعملون من تحت عباءة الحزب الجديد على تبني سياسة جديدة، تعمل في هذا الإطار؛ سياسة تعمل على زيادة عائدات الضرائب، دون فرض ضرائب جديدة، عن طريق وضع حدود ونسب للضرائب، التي يتم تحصيلها من المواطنين.

أكد باباجان أن تركيا بمواردها ومصادرها تمتلك الكثير لتوفير مناخ آمن للاستثمار بضغطة زر واحدة، ولكنها أصبحت، وللأسف، تفتقد مثل هذا المناخ في الوقت الحاضر؛ فلم تعد هناك استثمارات، ولم يعد يأتي مستثمر إلينا. نحن نعرف الحلول لجميع مشكلاتنا. سنعمل في البداية على إقرار الديمقراطية والحريات والقانون والعدالة، وما بعد ذلك سيأتي سريعاً. سنحقق الانضباط المالي، ونطبق القاعدة المالية، التي لم نتمكن من تطبيقها في موعدها المناسب.

قال زعيم حزب "الديمقراطية والتقدم" إنه مثل باقي المواطنين في تركيا لا ينكر أن تركيا كانت تعاني، قبل ذلك، من العديد من المشكلات، ولكن المؤكد أيضاً، أنه مع مجيء الحكومة الحالية، ازدادت مشكلات تركيا عمقًا، وخاصة بعد أن عمدت تلك الحكومة إلى تعطيل سلطات البرلمان، والمصادرة، بشكل كامل، على حقه الرقابي، وشدَّد على أنهم سيعيدون للمجلس اعتباره، وسلطاته المسلوبة، كما أنهم سيسعون من أجل تأسيس نظام حكم ديمقراطي بالتوازي مع ديمقراطية برلمانية فاعلة، وأردف قائلًا "إن الذين لا يطبقون الديمقراطية داخل حزبهم، لن يكون بمقدورهم تطبيق الديمقراطية في البلاد. لقد استمعنا على مدى شهور إلى 83 مليونًا هم أبناء الشعب التركي، وأسسنا هذا الحزب بعد مشاورات ومفاوضات واعية. وإذا كان الأمر يقتصر على مجرد تأسيس حزب جديد فقط، لفعلنا هذا الأمر في غضون شهرين فقط. لا يمكن لتركيا أن تنتظر الحل لمشكلاتها من أحزاب لا تجدد نفسها، ولا تصغي إلى تطلعات شعبها وهمومه".

تضمن الميثاق الأساسي للحزب أن تقتصر فترة تولي منصب الرئيس العام للحزب على عشر سنوات كحد أقصى، وأن يتم اختيار 50% على الأقل من نواب الحزب عن طريق إجراء انتخابات تمهيدية. ويتوزع كادر الإدارة داخل الحزب، بما في ذلك المركز العام للحزب، وكل الإدارات الفرعية له، بنحو 35% للسيدات، و20% للشباب، و15% من ذوي الاحتياجات الخاصة والمعوقين. وفي الإطار نفسه، شدَّد علي باباجان على أن حزب "الديمقراطية والتقدم" سيكون أكثر الأحزاب في تركيا احتضاناً للمرأة والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة، وأنهم سيعملون على توثيق العلاقة مع كافة الأحزاب السياسية الأخرى، والمؤسسات الديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمنظمات المهنية والعمالية الأخرى في الدولة.

وعن القضية الكردية، شدَّد باباجان على ضرورة أن يتم التوصل إلى حلٍ لهذه المشكلة بالطرق الديمقراطية، وعبر الحوار، ووعد بتمهيد الطريق أمام إتاحة الفرصة أمام الأكراد وغيرهم من الأقليات الأخرى لتلقي العلم بلغتهم الأم، وعدم فرض قيود على ممارسة عاداتهم الثقافية والعقدية.

وفي معرض حديثه عن وضع سياسة وطنية لتنظيم الهجرة كوسيلة لحل مشكلة اللاجئين، وتطبيق إصلاح هيكلي داخل القوات المسلحة، ورفع الظلم، الذي نجم عن تطبيق نظام تأدية الخدمة العسكرية الحالي، الذي يتيح للبعض الإعفاء من تأدية الخدمة العسكرية بمقابل مادي في حين يضطر البعض الآخر، ممن لا يملكون الأموال الكافية لذلك، إلى تأديتها، قال باباجان إن برنامج الحزب يتضمن كذلك بنودًا تتعلق بتطبيق سياسة تضمن تحول القوات المسلحة إلى "جيش مهني"، وبنود أخرى تتعلق بتطوير التعليم العالي والجامعات، ورفع كافة المعوقات أمام تطوير جودة التعليم، ووعد بتطبيق نظام جديد للالتحاق بالجامعات؛ يقوم على تقدم الطالب للعديد من الاختبارات، بدلاً من نظام الاختبار الواحد.

وفيما يخص حرية الرأي والتعبير، ذكر باباجان أنه سيدعم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وشدد أنه سيتيح انترنت مجاني بلا حدود للشباب، وأنه سيكون بمقدور الشباب تسجيل "إعجاب" لأي رأي على وسائل التواصل الاجتماعي دون خوف.

وأكد باباجان كذلك أنه سيعطي الأولوية للدبلوماسية على مستوى السياسة الخارجية، وأنه سيدعم سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، مشدداً أنه سيرفع مقولة أتاتورك "الوطن في سلام. العالم في سلام" على مستوى السياسة الخارجية، معرباً عن قناعته بأن هذه المقولة لا تزال صالحة للتطبيق في يومنا الحاضر، وأردف قائلًا "لدينا هدفان نسعى لتحقيقهما على مستوى السياسة الخارجية؛ الأول تحقيق الأمن والاستقرار لتركيا، والثاني: تحقيق مصالح تركيا الاقتصادية".

تجنب باباجان ذكر اسم أردوغان وحزب العدالة والتنمية صراحة خلال كلمته، التي استمرت قرابة الساعتين، ولكن هذا لم يمنعه من توجيه النقد إليهما في شكل رسائل ذات مغزى لم يخطئ أحد المقصود منها. وفي المقابل، بدا باباجان، وهو يتحدث عن وعوده بتحقيق الديمقراطية والحريات والقانون والعدالة، وحديثه عن تبني مقولة أتاتورك على مستوى السياسة الخارجية، وكأنه يخاطب كل من ناخبي حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وزعمائهما، على حدٍ سواء.

اللافت للانتباه كذلك، في الاجتماع، الذي دعا إليه باباجان، الحضور الكبير لأفراد  ذوي توجهات مختلفة؛ فبقدر حضور السيدات المحجبات، حضرت أيضاً سيدات أطلقن شعورهن، وسيدات لبسن تنورات قصيرة. أما الشباب فقد بدا عليهم الانتباه الشديد، وهم يتابعون الكلمة، التي ألقاها باباجان. ومن ناحيته، أعرب مستشار وزارة المالية السابق، إبراهيم جناقجي، الذي يعد أحد مؤسسي الحزب الجديد، بعد تركه عمله في صندوق النقد الدولي في واشنطن، والبنك الإسلامي للتنمية في جده، عن حماسه لمساندة باباجان، ودعمه لاستعادة الاقتصاد التركي عافيته.

وعلى الرغم من أن كلمة باباجان لم تتضمن إشارة صريحة لعبد الله غول، إلا أن هناك من فسَّر قوله "من يدعموننا ليسوا بهذا القدر فقط. كنا سنشعر بسعادة أكبر لو أن جميع أصدقائنا، الذين يدعموننا كانوا هنا جميعًا. ولكننا نتفهم موقفهم"، بأنه نوع من اللوم المستتر لغول على عدم حضوره؛ خشية إثارة حفيظة أردوغان ضده.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/deva/babacanin-10-yil-sozu-ozgurluk-ve-adalet-vaadi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.