مع تركيا.. بغض النظر عن كل شيء

من الأفضل أن نخفف من توقعاتنا تجاه قدرة الولايات المتحدة بقيادة رئيس جديد على التحكم في أحلام تركيا التوسعية. صحيح أنه، وكما يأمل البعض، سيكون هناك تحول إلى سياسة خارجية تحركها القيم مع جو بايدن. لكن أميركا تبقى مثل سفينة عملاقة تغير اتجاهها ببطء شديد.

منذ أسابيع قليلة، قلت في مقال نشرته صحيفة "كاثيميريني" اليونانية بتاريخ 1 نوفمبر إن تركيا لا تمتلك مكانا في الناتو. فهي تنتهك جميع المبادئ والقيم التي يقوم عليها الحلف، من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. إذ يجب أن يتبنى أعضاء الناتو هذه المبادئ والقيم. وأشرت إلى تورط تركيا وسلوكها في سوريا وليبيا وقره باغ وتجاه الأكراد والصحفيين، وقضية شرائها لأنظمة الدفاع الروسية، وخطر تسببها في حرب ضد اليونان، وانتهاكاتها لقضايا حقوق الإنسان والنساء في الداخل. لا يتوافق أي مما ذكرته مع مبادئ حلف الناتو وقيمه التأسيسية.

ووفقا لمؤشر الديمقراطية لسنة 2019 في مجلة الإيكونوميست، احتلت تركيا المرتبة 110 من بين 167 دولة، وهي أدنى من باكستان ونيجيريا ولكنها أفضل بقليل من الجزائر.

مع وضع جميع الحقائق المذكورة أعلاه في الاعتبار، أعترف أنني انزعجت من التصريح الذي أدلى به السفير الأميركي لدى أثينا، جيفري بيات، في صحيفة "ذا ناشيونال هيرالد" في 5 نوفمبر، حين حدد أن الأولوية القصوى للولايات المتحدة وألمانيا تكمن في إحياء المحادثات الاستكشافية لجميع شركاء اليونان في الاتحاد الأوروبي، وأشار إلى أن الحكومة الأميركية "تعمل بجد" لدعم رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس في ذلك. وقال: "لا أعتقد أن هناك أي عضوين من الحلفاء في الناتو متحالفين بقوة أكبر من اليونان والولايات المتحدة على مبدأ أنه، بغض النظر عن كل شيء، علينا أن نبقي تركيا راسية في الغرب." وهذا شرط يصعب استساغته.

لا أعرف كيف تصوغ الولايات المتحدة مصالحها الاستراتيجية وتقيّمها. ولا أعرف ما إذا كانت ترى أن مصالحها الخاصة في المنطقة موازية لمصالحنا وإلى أي مدى. حسب ما فهمت، ينظر الأميركيون إلى روسيا والصين على أنهما يشكّلان التهديد الرئيسي. بينما نواجه نحن تهديدا واحدا، وهو تركيا. ونظرا لأننا معا في حلف الناتو إلى جانب الأميركيين، غالبا ما نحدد خياراتنا بطرق لا تتطابق بالضرورة مع تلك التي كنا سنتخذها خارج الناتو، بدافع التضامن مع الحلفاء. على سبيل المثال، نحن لا نشتري أسلحة روسية أرخص ثمنا ولا نسمح للصينيين بتثبيت شبكات الجيل الخامس، ولو كانت أقل ثمنا وربما أفضل. نحن نحتضن الأهداف الاستراتيجية الأوسع نطاقا التي حددتها الولايات المتحدة لحلف الناتو دون نقاش، مدركين ضعفنا النسبي في التأثير على الخيارات داخل الحلف. واسمحوا لي أن أذكركم أنه في أغسطس 1974، قرر الناتو أن المادة 5 من المعاهدة (التي تعتبر أي هجوم على حليف ما هجوما على الجميع) تتعلق فقط بالهجمات على عضو من خارج الناتو. ولا يزال الحلف يدعم هذا التفسير المتناقض إلى اليوم، ويرفض تحذير تركيا من أن أي هجوم على اليونان سيؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من المعاهدة ضدها. فكيف تفسر، عزيزي القارئ، تصريح دعم تركيا "بغض النظر عن كل شيء"؟

لا تنص معاهدة شمال الأطلسي لسنة 1949 على طرد أي عضو. ولكن هناك طريقة لكل شيء أينما توجد إرادة. وأتوقع أن يحاول معظم الأوروبيين (ربما باستثناء فرنسا)، غض النظر عن انتهاكات مبادئ الناتو على الرغم من شكوكهم بشأن تركيا. ويكمن حل هذه المعضلة في إيقاظ الرأي العام.

يجب إطلاع الرأي العام في الدول الأعضاء في الناتو على انتهاكات تركيا لقيم الحلف ومبادئه والمطالبة بطرد دولة عضو تنتهك قيمه التأسيسية بشكل صارخ وخطير.

في 9 نوفمبر 2009، في برلين، قال الأمين العام لحلف الناتو آنذاك، أندرس فوغ راسموسن: "وقف الناتو بحزم في دفاعه عن المبادئ الأساسية التي يشترك فيها جميع الحلفاء: الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وتشكل مبادئنا حجر الأساس لتحالفنا. إنها ما جعلت الناتو لا غنى عنه لأكثر من 60 سنة. وهي نابعة من فكرة بسيطة تكمن في السماح لجميع المواطنين بتحقيق إمكاناتهم الطبيعية كبشر، وتنص على أنه لا ينبغي لأي جماعة أو حكومة أن تمنع أي شخص من تحقيق إمكاناته. لدينا كلمة لهذا. وهي الحرية. توجد الحرية في صميم مبادئنا، إلى جانب الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وهذه المبادئ هي التي تجعلنا على ما نحن عليه. إنها ضرورية لأسلوب حياتنا. وهذا هو سبب وجوب حمايتها".

أتوقع أن للولايات المتحدة مصالح استراتيجية في تركيا لا أستطيع أن أقدرّها. لا يمنع شيء الولايات المتحدة من إبرام اتفاقيات ثنائية مع تركيا دون إجبار الناتو على تجاهل مبادئه وأعضائه على التعامل مع ما يسمى بالحليف الذي ينتهك جميع قواعد الحلف وقيمه بشكل منهجي ومتزايد.

في النهاية، ليس إبقاء تركيا راسخة في الغرب من مهام اليونان. إذ يجب أن ترغب في البقاء في صف الغرب بكل الالتزامات التي ينطوي عليها هذا الاختيار. وبالنسبة لليونان، تكمن الأولوية العاجلة في تسليح نفسها لصد التوسع التركي.

تُرجم هذا المقال إلى العربية بإذن من صحيفة كاثيميريني اليونانية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-greece/turkey-no-matter-what
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.