ما الذي يمنع العلاقات التركية-الأميركية من الانهيار؟

واشنطن/أنقرة - عند افتتاح أبراج ترامب في اسطنبول عام 2012، أشاد دونالد ترامب قطب العقارات آنذاك برجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي حينئذ قائلا لجمهور أغلبه من الأتراك إن زعيمهم "يحظى باحترام شديد" على مستوى العالم.

وقال ترامب خلال المراسم "إنه رجل خير ويمثلكم بشكل جيد جدا".

ومنذ توليه رئاسة الولايات المتحدة، أشاد ترامب علنا بأردوغان وبنظام حكمه الجريء ووصفه بأنه "صديق" و"زعيم متميز".

وينظر الكثيرون إلى هذا التقدير من ترامب للرئيس التركي الذي من المقرر أن يجتمع به في البيت الأبيض غدا الأربعاء، باعتباره السبب الوحيد لعدم انهيار العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا تماما بعد أن توترت بشدة بسبب خلافات بشأن عدد من القضايا.

وقال سونر جاجابتاي مدير برنامج الأبحاث التركي بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى "الزعيمان منجذبان لبعضهما البعض كرئيسين قويين" لكنه حذر من العداء الشديد بين النظامين البيروقراطيين للدولتين الشريكتين في حلف شمال الأطلسي.

وأضاف "الجزء المتعلق بأردوغان وترامب في العلاقات الأمريكية التركية هو حقيقة المكون الوحيد الفاعل في الوقت الراهن". وتابع "الثقة بين الوكالات الحكومية في البلدين تآكلت وهناك غضب كبير تجاه الولايات المتحدة في تركيا والعكس".

وبلغت واشنطن وأنقرة حدود أزمة جديدة الشهر الماضي فيما يتعلق بسوريا، بعد أن بدأ أردوغان توغلا عبر الحدود مستهدفا الأكراد حلفاء الولايات المتحدة ومنهيا الوجود الأمريكي هناك. وقبل ذلك ببضعة أشهر، غضبت الولايات المتحدة بسبب شراء تركيا منظومة دفاع صاروخي روسية.

وتجاهلت تركيا تهديدات بفرض عقوبات أمريكية وبدأت تتسلم أولى شحنات المنظومة الدفاعية إس-400 في يوليو تموز. وردا على ذلك، شطبت واشنطن اسم تركيا من برنامج الطائرات المقاتلة إف-35 الذي كانت أنقرة مصنعا ومشتريا فيه. لكنها لم تفرض عقوبات حتى الآن.

وأغضبت خطوة شراء المنظومة الكونجرس الأمريكي الذي تفاقم غضبه من تركيا بعد توغلها في سوريا لإخراج الفصيل الكردي المسلح الذي يعد الشريك الرئيسي لواشنطن في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وأقر مجلس النواب الأمريكي الشهر الماضي حزمة إجراءات لمعاقبة تركيا على عمليتها في سوريا في حين توعد أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ، منهم لينزي جراهام حليف ترامب، بتأييدها إذا هددت أنقرة الأكراد.

وصوت مجلس النواب كذلك لصالح قرار غير ملزم يعتبر، ولأول مرة، مقتل نحو 1.5 مليون من الأرمن قبل مئة عام إبادة جماعية مما أثار غضب تركيا. ووجه بعض النواب خطابا لترامب أمس الاثنين لمطالبته بسحب دعوته لأردوغان.

وتمكن أردوغان حتى الآن من تجنب العقوبات لكن روبرت أوبراين مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض قال يوم الأحد إن التهديد حقيقي. وأضاف لقناة سي.بي.إس نيوز "إذا لم تتخلص تركيا من منظومة إس-400... فمن المرجح أن تكون هناك عقوبات ... تركيا ستشعر بأثر هذه العقوبات".

والقضايا التي توتر العلاقات بين الدولتين الشريكتين في حلف شمال الأطلسي تتجاوز سوريا وروسيا. والتزمت واشنطن الصمت إلى حد بعيد حيال تزايد سلطوية أردوغان لكنها تريد من أنقرة إسقاط التهم الموجهة لعاملين بالقنصلية الأمريكية يمثلون للمحاكمة في تركيا.

وبالنسبة لتركيا فإن الطلب المقدم للولايات المتحدة منذ فترة طويلة لتسليم فتح الله كولن رجل الدين المقيم هناك والذي تلقي أنقرة باللوم عليه في تدبير محاولة انقلاب عام 2016 وإسقاط الاتهامات التي وجهتها واشنطن لبنك خلق التركي الحكومي بالتحايل على العقوبات المفروضة على إيران تعد من القضايا الشائكة كذلك.

وقال أردوغان للصحفيين قبل إقلاع طائرته المتجهة إلى واشنطن "نتفق في الرأي مع الرئيس ترامب بشأن حل المشكلات وتحسين العلاقات على الرغم من الغيوم التي تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية".

وأضاف "أحرزنا تقدما ملموسا بشأن عدد من القضايا على الرغم من محاولات التخريب البيروقراطية والسياسية من قبل بعض فلول الإدارة السابقة".

وقال مسؤول بارز بإدارة ترامب إن الهدف الرئيسي للإدارة غدا الأربعاء هو حمل أردوغان على التخلي عن خطط استخدام منظومة الدفاع الصاروخي إس-400 والموافقة على وقف دائم لإطلاق النار في سوريا. وأضاف "نريد ضمان ذلك" مشيرا إلى القضيتين.

وقال مسؤولان أمريكيان إنه إذا وافقت تركيا فإن الولايات المتحدة ستسمح لها في نهاية الأمر بالعودة إلى برنامج المقاتلات إف-35 وستعرض توقيع اتفاق تجاري بقيمة مئة مليار دولار. لكن تركيا لم تبد بعد أي إشارة على تغيير موقفها.

وقال مسؤول تركي بارز "أمر كتراجع أنقرة عن شرائها لمنظومة إس-400 ليس مطروحا على الطاولة".

ومنذ إعلانه في ديسمبر كانون الأول سحب جميع قواته من سوريا، خفف ترامب خططه بعد ذلك ووافق على الإبقاء على قوة صغيرة في شمال شرق البلاد. وفي إطار هذه الخطة تريد واشنطن مواصلة العمل مع قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة للضغط على تنظيم الدولة الإسلامية لكن تركيا لا ترحب بذلك.

وقال المسؤول التركي "بقاء الجنود الأمريكيين عند حقول النفط في سوريا يتعارض كذلك مع جوهر ما يجري في سوريا" وأضاف "الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية واحد من أكبر التهديدات للعلاقات بين البلدين في الفترة المقبلة. سيُلقى الضوء على ذلك بشكل بالغ الجدية خلال الزيارة".

ورغم الخلافات، ما زالت أنقرة متفائلة حيث أشار المسؤول التركي إلى اتصال هاتفي بين ترامب وأردوغان الأسبوع الماضي. وأضاف "بدعم شخصي من ترامب، أعتقد أن الزيارة ستسهم في التغلب على المشكلات. الاتصال الهاتفي أعطى إشارات جادة على ذلك".