ما الهدف الحقيقي لقوة تركيا الناعمة خلال أزمة كورونا

مع تفشي فيروس كورونا، حصلت تركيا على اهتمام عالمي بتبرعاتها الطبية "السخية والخيرية". حيث أرسلت أنقرة الإمدادات الطبية إلى أكثر من 70 دولة حول العالم خلال الوباء، بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا.

يعتبر العديد من الخبراء والمحللين أن المساعدة جزء من استراتيجية أنقرة للاستفادة من قوتها الناعمة. وللوهلة الأولى، قد تبدو جهود تركيا بمثابة تكتيك ذكي لإصلاح صورتها المشوهة في الغرب.

ومع ذلك، فإن دبلوماسية القوة الناعمة لأنقرة تأتي في وقت تراجعت فيه سمعة تركيا العالمية بشكل حاد في أعقاب تزايد الاستبداد وتزايد الأزمة الاقتصادية وتفاقم العلاقات الدبلوماسية.

وتدرك السلطات التركية تمام الإدراك أن جهود دولتها ذات التناقضات الداخلية عميقة الجذور لن يكون لها صدى لدى المجتمع الدولي، وخاصة في الغرب. وفي هذا الصدد، يبدو ترويج تركيا للقوة الناعمة مدفوعًا بمخاوف سياسية محلية أكثر من الطموحات الدولية.

ووفقاً لتعريف العالم السياسي، جوزيف ناي، تمثل القوة الناعمة ببساطة القدرة على "جعل الآخرين يفعلون ما نريد بإرادتهم"، بدلاً من إكراههم أو حثهم مالياً. كما يسلط ناي الضوء على أهمية وجود مجتمع مدني حر ومستقل للدول التي تسعى إلى تعزيز صورة إيجابية خارج حدودها. علاوة على ذلك، تستند القوة الناعمة إلى معايير محلية ومعايير ليبرالية معينة في الدول التي تسعى إلى تعزيز نفوذها في الخارج.

ويجدر القول بأن تركيا تفتقر بشكل كبير إلى العديد من المتطلبات للحفاظ على صورة إيجابية بين الجمهور الأجنبي، لا سيما بعد أن قامت الحكومة التركية بتقويض الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان بشدة لسنوات عديدة.

بالإضافة إلى ذلك، تضررت سمعة تركيا الدولية بشكل خطير بسبب مجموعة من القضايا، بما في ذلك التوغل ضد القوات الكردية في سوريا، والأنشطة العسكرية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​، وشراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي الصنع "إس 400". وفي هذا السياق، فإن قدرة تركيا على تعزيز سمعتها بين الجمهور الدولي محدودة للغاية.

ولكن ما قد يكون الدافع الرئيسي للسلطات التركية لإرسال المساعدة الطبية حول العالم؟

أولاً، تسعى الحكومة التركية إلى حشد وتعبئة الدعم المحلي لضمان شرعية النظام. والآن، يحتاج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى زيادة شعبيّته العامة في الداخل في مواجهة الانكماش الاقتصادي المتزايد. وبالنظر إلى أن الاقتصاد أصبح نقطة ضعف رئيسية بالنسبة لأردوغان، فإن الاضطراب الاقتصادي المتجدد يمكن أن يكون ضربة خطيرة لسلطته السياسية المتداعية بشكل تدريجي.

وفي ظل هذه الخلفية، انتهز أردوغان الفرصة ليقدم نفسه كزعيم قادر على الكفاح ضد الوباء من أجل حشد الدعم المحلي. ولتحقيق ذلك، ينشر الناطقون باسم الحكومة باستمرار الرواية القائلة بأن تركيا ليست فقط في وضع جيد للتصدي بنجاح للوباء في الداخل خلال الفوضى التي تعم بقية دول العالم، ولكن لديها أيضًا القدرة على تقديم المساعدة إلى الدول الكبرى في الخارج.

لا يزال أردوغان يكافح من أجل إقناع شعبه بقدرته على الحفاظ على تركيا قوية، في الوقت الذي تشير فيه المؤشرات الاقتصادية إلى أن البلاد تتجه في الاتجاه المعاكس. وفي غضون ذلك، أطلقت تركيا سلسلة من العمليات الضخمة لإعادة مواطنيها من جميع أنحاء العالم منذ انتشار فيروس كورونا. وكنتيجة لذلك، توفر كل من حملات المساعدة وعمليات الإعادة إلى الوطن أرضية خصبة لأردوغان لتصوير تركيا على أنها قوية سياسياً واقتصادياً.

تسعى المساعدات الطبية أيضًا إلى تحقيق الهدف الطويل الأمد بين النخب التركية لتعزيز الشعور بالفخر الوطني واحترام الذات من خلال الحفاظ على الشكل العثماني الجديد. وبصفتها "خليفة العثمانيين"، قامت الحكومة بصياغة رواية وطنية تجذب بشكل أساسي إحساس الجمهور بأهمية عمل الخير. 

تريد الحكومة بشكل رئيسي نشر الفكر القائل بأن الأمة التركية "الخيرية" تمد يد المساعدة للأشخاص المحتاجين في جميع أنحاء العالم، كما حدث في الماضي المجيد للإمبراطورية العثمانية، بين العديد من مؤيدي الحكومة.

وبشكل مختصر، من غير المرجح أن تسفر جهود تركيا الخيرية خلال الوباء عن نتائج ملموسة في أي وقت قريب خارج حدودها.

وبدون نظام ديمقراطي ليبرالي ونمو اقتصادي مطرد، لن تروق دبلوماسية المساعدة التركية للجمهور الأجنبي ولن تُصلح صورتها المشوهة للبلاد في الغرب، لكنها ستساعد في تعزيز شعبية السلطان الجديد، أردوغان، المتآكلة في الداخل.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/turkey-covid-19/real-target-turkeys-soft-power-during-covid-19-domestic
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.