ما هو المتوقع من عسكرة السياسة الخارجية التركية؟

ما هو جوهر السياسة الخارجية التركية الحالية؟ ماذا نتوقع بعد ليبيا، إذا كانت ساحة اختبار نهائية لمذهب أنقرة الجديد المتمثل بعسكرة السياسة الخارجية (كما ذكرنا في القسم الأول من المقال)؟

هنا، يمكن أن يساعد التحليل الذي نشره إلهان أوزغل في تجميع القطع الأحجية معاً. وفي عمل مقنع، يقدم لنا أوزغل - كاتب عمود في الموقع الإخباري الالكتروني، دوفار - "صورة مقطعية" لعقلية أنقرة. يطلق أوزغل عليها اسم "الدفاع الأمامي" - وهو ما يتناسب مع خط السياسة الذي طالما نادى به بهجلي - ويقدم لنا تعبيرًا رئيسيًا آخراً، وهو "الجيش أولاً".

ومن خلال هذا التعبير الأخير، يلخص أوزغل بشكل صحيح "عسكرة السياسة الخارجية التركية".

كتب أوزغل "لم يعد سراً أن سياسة حكومة حزب العدالة والتنمية العثمانية المتطلعة إلى فرض الهيمنة الإقليمية، والتي يُفترض أنها تعتمد على تعاون مختلف فروع الإخوان المسلمين، قد انهارت. وبعد فاصل زمني اضطرت الحكومة خلاله للتعامل مع احتجاجات غيزي وفضائح الفساد التي أثارتها حركة غولن، وجدت حكومة أردوغان أنه من الملائم إقامة تحالف مع القوميين من أجل إطالة فترة حكمها وأيضاً لانتهاز الفرصة لفرض الهيمنة الإقليمية، هذه المرة من خلال اتباع وسائل أخرى".

ويتابع أوزغل "يضم هذا الائتلاف الجديد الإسلاميين، وحزب الحركة القومية القومية، والتيار الأوراسي، بما في ذلك الحزب الوطني، مما يعكس أقوى تيارات أيديولوجية في تاريخ تركيا. وفي حين أن التقاليد السياسية اتفقت بالكامل على قمع المعارضة السياسية الكردية وبقايا حركة غولن، فإن هذه الشراكة أثرت أيضًا على السياسة الخارجية لتركيا. وينعكس هذا في العسكرة غير المسبوقة للبلاد وظهور مبدأ ’الدفاع الأمامي’".

"عقيدة الدفاع الأمامي لتركيا هي واحدة من سلسلة من التحولات في سياستها الخارجية والأمنية، وتشمل السياسات الأخرى سياسة الابتزاز تجاه الاتحاد الأوروبي، واستخدام اللاجئين كورقة مساومة، وتحقيق التوازن بين روسيا والولايات المتحدة، والتدخل في جميع النزاعات تقريبًا في المنطقة الأوسع".

ويجادل أوزغل أنه لم يكن من قبيل المصادفة أن ما يسمى ب "عقيدة الوطن الأزرق"، التي طورها الأدميرال، جيم غوردينيز، في عام 2006، عادت إلى الظهور مرة أخرى. ولكن لأنه خلال هذا الوقت ظهرت سياسة "لا مشكلة مع الجيران"، التي وضعها وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو على الطاولة، فقد وُضعت سياسة "الوطن الأزرق" على الرف.

يقول أوزغل "وعلى عكس دلالاتها السلبية، كانت سياسة "لا مشكلة مع الجيران" أو ما يسمى بسياسة "صفر مشاكل" مشروعًا توسعيًا يهدف إلى السيطرة على الأراضي السابقة التي كانت تحكمها الإمبراطورية العثمانية من خلال أدوات القوة الناعمة. وعلى الرغم من أن سياسة ’لا مشكلة مع الجيران’ تتحدى الفكر الكمالي، و إن عقيدة ’الوطن الأزرق’ هي نتاج الضباط البحريين الكماليين، إلا أن كلا السياستين اعتمدتا في النهاية على فكرة إعادة تأكيد نفوذ تركيا في منطقتها الأوسع".

"ولكن بعد عام 2015، اندمجت هاتان العقيدتان في تآزر جديد وشكلتا العمود الفقري لوضع سياسة خارجية أكثر حزماً وعسكرة. أدرك القوميون أن التحالف مع أردوغان سيأتي لصالحهم وسيحقق بعض المزايا الهامة، مثل استخدام الإسلاميين المتطرفين كوكيل في سوريا وليبيا، وإقامة علاقات عسكرية مع قطر والصومال. لا يعارض القوميون العلمانيون إقامة علاقات مع الحكومة الإسلامية التي يقودها سراج في ليبيا. وهكذا، اندمجت العقيدتان الاستراتيجيتان بصمت وجلبتا ديناميكية جديدة، تنعكس في تزايد الاستبداد في الداخل والعسكرة في الخارج. وفي حين كانت المعارضة السياسية، باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، متخوفة من عواقب هذه الاستراتيجية الجديدة، إلا أنها كانت تدعم هذه السياسة الخارجية الحازمة الجديدة. وفي هذه الأثناء، يؤيد الرأي العام هذه السياسة بشكل عام، باستثناء عملية التوغل في ليبيا".

ويرى أوزغل ثلاث ركائز في سياسة "الدفاع الأمامي".

الركيزة الأولى هي "العسكرة الثقيلة" لسياسة تركيا الخارجية - نشر جيشها في المناطق المنكوبة بالحروب في جميع أنحاء العراق وسوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط، ونشر طائرات ذاتية القيادة مسلحة في قبرص، وإنشاء قواعد عسكرية في الصومال وقطر.

الركيزة الثانية هي أن دفاع تركيا يبدأ في المناطق العابرة للحدود، من خلال إنشاء القواعد العسكرية، ونشر القوات في قبرص وقطر والصومال وشمال العراق وليبيا.

أما الركيزة الثالثة بالنسبة لأوزغل فهي من أكثر الجوانب التي لا يتم الكشف عنها بالكامل:

يقول أوزغل "لقد استثمرت تركيا بكثافة في صناعة الدفاع إلى حد وصل إلى مستوى إقامة مجمع صناعي عسكري يشمل كلا من الأقسام المؤيدة لحزب العدالة والتنمية والعلمانية في عالم الأعمال والمؤسسات العامة. تنتج تركيا الآن طائرات ذاتية القيادة مسلحة، وأنظمتها الصاروخية، وتشترك في إنتاج مروحيات هجومية، ودبابات وسفن حربية. كما تقوم حاليًا ببناء حاملة طائرات على موانئ وأرصفة السفن. وعلى الرغم من الاضطرابات في السنوات القليلة الماضية، لا تزال تركيا حتى الآن أقوى قوة عسكرية في المنطقة. وقد أدركت أنقرة فوائد استخدام هذه القوة بشكل أكثر فعالية".

هل أثبت العقيدة نجاحها من الناحية العملية؟

استنتاج أوزغل هو:

"لقد ساعدتها العقيدة في الحصول على مكاسب حاسمة واستراتيجية من غير المرجح أن تتخلى عنها تركيا حتى لو تنحى حزب العدالة والتنمية. إن الثلاثي القوي المتمثل في القوة العسكرية التركية، والتقدم التكنولوجي الأخير (الطائرات ذاتية القيادة، وقدرات النقل الجوي، والجيش المحترف، والسفن الحربية الحديثة)، والاستخدام الفعال للمقاتلين الإسلاميين في شكل مرتزقة أو كوكلاء، أثبتوا قوة هائلة في قلب توازن القوى في الارض".

هذه التأكيدات تساعدنا على فهم مدى جدية أردوغان وبهجلي في طموحاتهم للتقدم إلى أقصى حد ممكن، وتجاهل نداءات وقف إطلاق النار بالكامل في ليبيا، حتى يضمنوا النصر في مدينة سرت ويأخذوا قاعدة الجفرة الجوية. وبالنظر إلى المخاطر، وتقييمات الثنائي حول الأزمة المحلية والاضطراب العالمي، لا ينبغي أن يكون هناك شك في ذلك.

وتشير التقديرات من أنقرة إلى ظهور خارطة طريق للعمل على إثارة المشاعر الإسلامية والقومية في الأسابيع المقبلة. يبدو أن أردوغان يرى الذكرى الرابعة لمحاولة الانقلاب كرمز لإطلاق سلسلة من الخطط والأعمال التي تهدف إلى تعزيز سلطته. لذلك فإن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد يحتل أولوية على أجندته هذا الأسبوع. لكن ماذا عن ليبيا؟

إن الهجوم على سرت، وفقًا لبعض المؤشرات، وشيك أيضًا.

سأل متين غوركان، كاتب العمود ذو الخلفية العسكرية، في مقال نشرته صحيفة "مونيتور" "هل ستشجع تركيا حلفائها على السير في سرت والجفرة على الرغم من التهديد المصري بالتدخل وخطر قيام روسيا بابتزاز تركيا في إدلب بسوريا؟ هل يمكن لتركيا أن تخوض صراعًا عسكريًا تقليديًا ضد مصر وروسيا في ليبيا دون تأجيج التوترات العسكرية مع روسيا في شمال سوريا؟".

وكان رده "على الرغم من نداءات وقف إطلاق النار من موسكو وغيرها، تشير الاستعدادات العملياتية لأنقرة إلى أن حلفائها في ليبيا - قوات حكومة الوفاق الوطني ومقرها طرابلس - قد يحاولون التقدم نحو سرت والجفرة في النصف الثاني من يوليو".

هل هذا محتمل؟ بالتأكيد نعم. فأردوغان هو سيد خلق الأزمات، باستخدام نقاط الضعف عند خصومه، ومضايقة المنافسين، واتباع سياسات فرق تسد. ومعادلته تبدو بسيطة: من أجل البقاء سياسياً، عليك أن تضع الرهانات وأن تدخل في مقامرة جريئة. 

ربما يخوض أردوغان هذه المقامرة وربما لا يخوضها، ولكن حقيقة الأمر هي أن السياسة الخارجية التي ساعد في تشكيلها ستخلق مشاكل أكثر من خلقها للحلول في معالجة الفوضى العالمية الحالية. ويبدو أن كلمات مثل "المفاوضات المتحضرة" غير موجودة في النهج السياسي لأردوغان، للأسف.

 

يمكن قراءة القسم الأول من المقال هنا:

https://ahvalnews.com/ar/hjwm-trkya-ly-lybya-antlaqa-mn-skrt-alsyast-alkharjyt/alkharjyt-altrkyt
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.